الأوقاف وثالثة الأثافي

تطلق العرب على الحجر الكبير الأُثْفِيّة، وهو حجر مثل رأْس الإِنسان، وجمعها أَثافيُّ، وقديماً كانت القدور تُنصب عليها، إذ كانت تستخدم الأثافي لوضع قدر حين يطبخون طعامهم، ولا يُتخيل للقدر أن يبقى باتزان إلا أن يكون على ثلاثة أحجار، لذلك قالت العرب في أمثالها (ثالثة الأثافي) لما لهذه الثالثة من أهمية ومكانة، فبدونها سيسقط القدر، وينتهي مشروع الطبخ كله بالفساد.

لقد تذكرت هذا المثل في الكثير من المشروعات الوقفيّة، فالأوقاف في حاضرنا، أي كان شكلها وحجمها، لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا على ثلاثة أثافٍ، أو بمفهومنا المعاصر على ثلاثة عناصر، وهي: (الإدارة، والاستثمار، والمصرف)، بمعنى: حسن الإدارة، وجودة الاستثمار، وتعظيم المنفعة لأهل المصرف. وهذه تمثل مثلثاً مكتمل الأركان معتدل الصورة بتساوي أضلاعه وزواياه.

وأول هذه الأثافي هي: إدارة الوقف بعد أن تقوم قائمته ويُخرج شطأه، ويستوي على سوقه ليُعْجِب الزُّرَّاعَ نباته، ويتأتى هذا من خلال ضبط تشغيل الوقف، وحوكمته ورسم سياسته وإدارة عملياته المحاسبية وتحقيق الشفافية، ومحاسبة ناظره.

والأثفية الثانية هي: الاستثمار لبعض غلة الوقف لضمان ديمومته وعدم اندثاره حقيقة أو مضموناً، كما صار لبعض الأوقاف التي غاب عن موقفها تخصيص نسبة للاستثمار فاضمحل الوقف حتى تلاشى ولم يعد له ذكر، والشواهد أكثر من أن تذكر.

ونأتي إلى ثالثة الأثافي وهي: مصرف الوقف، وكيف ينصرف؟ ولمن ينصرف؟ وذلك في الإطار العام لشرط الواقف، حتى تُؤدي الأمانة التي تحملها النُظار، ولتعظيم أجر الواقف عند الله وهو ما كان يبتغيه حين أوقف وقفه.

إن بعض هذه العمليات الثلاث التي يقوم عليها الوقف وسميناها هنا الأثافي يكون خلال إعداد الوثيقة الوقفية، وبعضها يبدأ العمل بتفاصيلها بعد وفاة الواقف، بل بعضها بعد سنوات من نشوء الوقف ذاته، كما الحال في مصارف الوقف المنتظرة لغلة الوقف، وتحصيلها من أرباح أو خلافه لتبدأ عملية الصرف وتحقيق المنفعة الأساس التي لها ومن أجلها قام الوقف.

إن المتأمل لحركة النهضة الوقفية في العالم الإسلامي في العقود الثلاثة الماضية، يمكن أن يلمس بوضوح مسارات الاهتمامات التي تتجه لها مسارب إعادة المشروع الوقفي في الأمة إلى مساره الصحيح كما كان في فترات سابقة.

ويمكن للراصد للحركة العلمية التي تتبدى من خلال الأبحاث والمؤتمرات والملتقيات العلمية، التوجه والانحياز أحياناً نحو الحديث عن إدارة الوقف وحوكمته، وتنميته واستثماراته، وتخصيص جلسات مطولة لهذين المحورين، وهو أمر محمود بكل حال، وسيصب في مصلحة الوقف إن عاجلاً أو آجلاً، طالما في مساره المنطقي وحجمه الطبيعي، ولكن اللافت أن الموجة العلميّة المركزة على الاستثمار والإدارة تطغى أحياناً كثيرة على (ثالثة الأثافي) التي هي المرتكز وعليها التعويل في الاستقرار وتحقيق الاتزان والتوازن، ونقصد بها (مصرف الوقف)، فلا يكاد يجد المتابع الوقفي مؤتمراً يُعقد أو ملتقى يُنظم وبحثاً يُنشر يتناول هذا الجانب من المنظومة الوقفية، على الرغم أنها المعتبر الأساس في الوقف، ولأجله نشأ ابتداءً، بل لولا المصرف وأهل المصارف لما وجد ذلك الكيان وقامت له قيامة وديمومة.

ولقد ألقى هذا التوجه نحو عنصر الإدارة والاستثمار بظلاله على الممارسات اليومية لعدد ليس بالقليل من المؤسسات الوقفية، فعلى سبيل المثال نجد بعض مجالس النُظار تماشياً مع هذه الموجة، أخذت على عاتقها العناية الشديدة بالاستثمار، وإعطاءه المرتبة الأولى من الاهتمام على حساب العمليات الأخرى، لدرجة أن أحد الأوقاف التي اطلعت عليها وعلى عملياتها وصلت استثماراته إلى ما يتجاوز 50% من غلته، بحجة ضمان استمرار الوقف وديمومته ومرد ذلك التوجه غير المحمود إلى أن الواقف (رحمه الله) ترك لمجلس النظارة تحديد نسبة الاستثمار دونما وضع حد أدنى أو أعلى لنسبة الاستثمار، فكان التوجه نحو الاستثمار بشكل مفرط أثر بدوره على مستحقي الوقف من المصارف، والذين لأجلهم نشأ الوقف، ولا يُصرف لهم إلا النزر اليسير تحت هذه الحجة.

وكما رجحت كفة الاستثمار في بعض الأوقاف، نجد الكفة تميل بشطط أحياناً نحو ضبط: الإدارة ولوائحها، والحوكمة ورشادتها، والشفافية ودرجتها لدرجة تعطل الوقف عن الاستثمار (المعقول) و(المقبول) وكذلك عطل انسيابية المصرف لمن هم أهل المصرف، فنجد لوائح وتنظيمات مطولة ومواد تنظيمية ولوائح، وبرامج حاسوبية، ونظم حوكمة رشيدة - وأحياناً غير رشيدة -، ومُبالغة في الإغراق فيها والالتزام بها، مما جعلها تعصف بالوقف إلى خانة التعطل المعنوي والدوران في منظومة البيروقراطية القاتلة للإبداع والانطلاق نحو تحقيق رسالة الوقف السامية، وتحقيق مقاصده بصورة وضاءة متمثلة في مرونة (منضبطة) في التعامل مع جميع أركانه: إدارة، واستثماراً، وصرفاً.

ولكي نكون أكثر إنصافاً في التعاطي مع هذا الموضوع، يجب أن نستذكر أن واقع الأوقاف سابقاً كان بسيطاً وغير معقد في إدارته ومصرفه، ويغلب على الكثير من الأوقاف عدم الكتابة في الوثيقة الوقفية ما يتيح استثمار جزء من غلة الوقف لضمان ديمومته، لذا كانت ردة الفعل كبيرة، ومبالغ فيها أحياناً نحو هذين المسارين وهما: (الإدارة والاستثمار) نتيجة لتوسع الأوقاف ونشوء أوقاف ضخمة تحتاج إلى جهود مضاعفة نحو إدارتها وحوكمتها وضمان استمرارها، ولكن في غمرة تلك الترميمات لواقع سابق تمّ تغييب العناية بالمصرف الوقفي وتطويره، سواء حين صياغة الوثيقة الوقفية، أو لما هو قائم وتحتمل عبارات الواقف التوسع بالمصارف بما يحقق تعظيم الأجر للواقف وتوسيع المنفعة للمستفيد من الوقف، وهذا يُحتم النظر بعين واسعة لمقصد الواقف وعدم الوقوف عند حرفية منطوق الوثيقة، وكل ذلك بما تحتمله الصياغات من وجود مصارف تحقق الهدف الأسمى من فكرة الوقف ومقاصده الشرعية السامية، وهذا يتطلب السعي إلى تطوير المصارف في الأوقاف الجديد من خلال تجويد الوثيقة الوقفية، وإعدادها من قبل فكر جماعي يساعد الواقف في تحقيق المدى الأبعد والواسع لما يترجاه من الله عز وجل.

إن الفكر الجماعي في صياغة الوثيقة الوقفية سوف يعمل على تحقيق التوازن بين الأركان الثلاثة (الإدارة، الاستثمار، المصرف) للوقف بما يؤدي إلى ديمومته وضبطه وتوسيع منفعته للواقف والموقوف عليه.

وكم أتمنى في ختام هذه المقالة المختصرة أن تكون الموجة القادمة للحركة العلميّة الوقفية، هي العناية بالمصرف بعد أن كانت الموجة الأولى - من وجهة نظر الكاتب - هي إحياء دور الوقف وثقافته في المجتمع وقد تحققت بدرجة كبيرة، ثُمّ تلته الموجة الثانية والمتمثلة في العناية بالإدارة والاستثمار، والموجة الثالثة بإذن الله هي العناية بالمصرف الوقفي وتعظيم أثره الاجتماعي.

والله الموفق

13

10 يوليو 2019 - 7 ذو القعدة 1440 07:36 PM

الأوقاف وثالثة الأثافي

عبدالله بن ناصر السدحان - الرياض
0 1,131

تطلق العرب على الحجر الكبير الأُثْفِيّة، وهو حجر مثل رأْس الإِنسان، وجمعها أَثافيُّ، وقديماً كانت القدور تُنصب عليها، إذ كانت تستخدم الأثافي لوضع قدر حين يطبخون طعامهم، ولا يُتخيل للقدر أن يبقى باتزان إلا أن يكون على ثلاثة أحجار، لذلك قالت العرب في أمثالها (ثالثة الأثافي) لما لهذه الثالثة من أهمية ومكانة، فبدونها سيسقط القدر، وينتهي مشروع الطبخ كله بالفساد.

لقد تذكرت هذا المثل في الكثير من المشروعات الوقفيّة، فالأوقاف في حاضرنا، أي كان شكلها وحجمها، لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا على ثلاثة أثافٍ، أو بمفهومنا المعاصر على ثلاثة عناصر، وهي: (الإدارة، والاستثمار، والمصرف)، بمعنى: حسن الإدارة، وجودة الاستثمار، وتعظيم المنفعة لأهل المصرف. وهذه تمثل مثلثاً مكتمل الأركان معتدل الصورة بتساوي أضلاعه وزواياه.

وأول هذه الأثافي هي: إدارة الوقف بعد أن تقوم قائمته ويُخرج شطأه، ويستوي على سوقه ليُعْجِب الزُّرَّاعَ نباته، ويتأتى هذا من خلال ضبط تشغيل الوقف، وحوكمته ورسم سياسته وإدارة عملياته المحاسبية وتحقيق الشفافية، ومحاسبة ناظره.

والأثفية الثانية هي: الاستثمار لبعض غلة الوقف لضمان ديمومته وعدم اندثاره حقيقة أو مضموناً، كما صار لبعض الأوقاف التي غاب عن موقفها تخصيص نسبة للاستثمار فاضمحل الوقف حتى تلاشى ولم يعد له ذكر، والشواهد أكثر من أن تذكر.

ونأتي إلى ثالثة الأثافي وهي: مصرف الوقف، وكيف ينصرف؟ ولمن ينصرف؟ وذلك في الإطار العام لشرط الواقف، حتى تُؤدي الأمانة التي تحملها النُظار، ولتعظيم أجر الواقف عند الله وهو ما كان يبتغيه حين أوقف وقفه.

إن بعض هذه العمليات الثلاث التي يقوم عليها الوقف وسميناها هنا الأثافي يكون خلال إعداد الوثيقة الوقفية، وبعضها يبدأ العمل بتفاصيلها بعد وفاة الواقف، بل بعضها بعد سنوات من نشوء الوقف ذاته، كما الحال في مصارف الوقف المنتظرة لغلة الوقف، وتحصيلها من أرباح أو خلافه لتبدأ عملية الصرف وتحقيق المنفعة الأساس التي لها ومن أجلها قام الوقف.

إن المتأمل لحركة النهضة الوقفية في العالم الإسلامي في العقود الثلاثة الماضية، يمكن أن يلمس بوضوح مسارات الاهتمامات التي تتجه لها مسارب إعادة المشروع الوقفي في الأمة إلى مساره الصحيح كما كان في فترات سابقة.

ويمكن للراصد للحركة العلمية التي تتبدى من خلال الأبحاث والمؤتمرات والملتقيات العلمية، التوجه والانحياز أحياناً نحو الحديث عن إدارة الوقف وحوكمته، وتنميته واستثماراته، وتخصيص جلسات مطولة لهذين المحورين، وهو أمر محمود بكل حال، وسيصب في مصلحة الوقف إن عاجلاً أو آجلاً، طالما في مساره المنطقي وحجمه الطبيعي، ولكن اللافت أن الموجة العلميّة المركزة على الاستثمار والإدارة تطغى أحياناً كثيرة على (ثالثة الأثافي) التي هي المرتكز وعليها التعويل في الاستقرار وتحقيق الاتزان والتوازن، ونقصد بها (مصرف الوقف)، فلا يكاد يجد المتابع الوقفي مؤتمراً يُعقد أو ملتقى يُنظم وبحثاً يُنشر يتناول هذا الجانب من المنظومة الوقفية، على الرغم أنها المعتبر الأساس في الوقف، ولأجله نشأ ابتداءً، بل لولا المصرف وأهل المصارف لما وجد ذلك الكيان وقامت له قيامة وديمومة.

ولقد ألقى هذا التوجه نحو عنصر الإدارة والاستثمار بظلاله على الممارسات اليومية لعدد ليس بالقليل من المؤسسات الوقفية، فعلى سبيل المثال نجد بعض مجالس النُظار تماشياً مع هذه الموجة، أخذت على عاتقها العناية الشديدة بالاستثمار، وإعطاءه المرتبة الأولى من الاهتمام على حساب العمليات الأخرى، لدرجة أن أحد الأوقاف التي اطلعت عليها وعلى عملياتها وصلت استثماراته إلى ما يتجاوز 50% من غلته، بحجة ضمان استمرار الوقف وديمومته ومرد ذلك التوجه غير المحمود إلى أن الواقف (رحمه الله) ترك لمجلس النظارة تحديد نسبة الاستثمار دونما وضع حد أدنى أو أعلى لنسبة الاستثمار، فكان التوجه نحو الاستثمار بشكل مفرط أثر بدوره على مستحقي الوقف من المصارف، والذين لأجلهم نشأ الوقف، ولا يُصرف لهم إلا النزر اليسير تحت هذه الحجة.

وكما رجحت كفة الاستثمار في بعض الأوقاف، نجد الكفة تميل بشطط أحياناً نحو ضبط: الإدارة ولوائحها، والحوكمة ورشادتها، والشفافية ودرجتها لدرجة تعطل الوقف عن الاستثمار (المعقول) و(المقبول) وكذلك عطل انسيابية المصرف لمن هم أهل المصرف، فنجد لوائح وتنظيمات مطولة ومواد تنظيمية ولوائح، وبرامج حاسوبية، ونظم حوكمة رشيدة - وأحياناً غير رشيدة -، ومُبالغة في الإغراق فيها والالتزام بها، مما جعلها تعصف بالوقف إلى خانة التعطل المعنوي والدوران في منظومة البيروقراطية القاتلة للإبداع والانطلاق نحو تحقيق رسالة الوقف السامية، وتحقيق مقاصده بصورة وضاءة متمثلة في مرونة (منضبطة) في التعامل مع جميع أركانه: إدارة، واستثماراً، وصرفاً.

ولكي نكون أكثر إنصافاً في التعاطي مع هذا الموضوع، يجب أن نستذكر أن واقع الأوقاف سابقاً كان بسيطاً وغير معقد في إدارته ومصرفه، ويغلب على الكثير من الأوقاف عدم الكتابة في الوثيقة الوقفية ما يتيح استثمار جزء من غلة الوقف لضمان ديمومته، لذا كانت ردة الفعل كبيرة، ومبالغ فيها أحياناً نحو هذين المسارين وهما: (الإدارة والاستثمار) نتيجة لتوسع الأوقاف ونشوء أوقاف ضخمة تحتاج إلى جهود مضاعفة نحو إدارتها وحوكمتها وضمان استمرارها، ولكن في غمرة تلك الترميمات لواقع سابق تمّ تغييب العناية بالمصرف الوقفي وتطويره، سواء حين صياغة الوثيقة الوقفية، أو لما هو قائم وتحتمل عبارات الواقف التوسع بالمصارف بما يحقق تعظيم الأجر للواقف وتوسيع المنفعة للمستفيد من الوقف، وهذا يُحتم النظر بعين واسعة لمقصد الواقف وعدم الوقوف عند حرفية منطوق الوثيقة، وكل ذلك بما تحتمله الصياغات من وجود مصارف تحقق الهدف الأسمى من فكرة الوقف ومقاصده الشرعية السامية، وهذا يتطلب السعي إلى تطوير المصارف في الأوقاف الجديد من خلال تجويد الوثيقة الوقفية، وإعدادها من قبل فكر جماعي يساعد الواقف في تحقيق المدى الأبعد والواسع لما يترجاه من الله عز وجل.

إن الفكر الجماعي في صياغة الوثيقة الوقفية سوف يعمل على تحقيق التوازن بين الأركان الثلاثة (الإدارة، الاستثمار، المصرف) للوقف بما يؤدي إلى ديمومته وضبطه وتوسيع منفعته للواقف والموقوف عليه.

وكم أتمنى في ختام هذه المقالة المختصرة أن تكون الموجة القادمة للحركة العلميّة الوقفية، هي العناية بالمصرف بعد أن كانت الموجة الأولى - من وجهة نظر الكاتب - هي إحياء دور الوقف وثقافته في المجتمع وقد تحققت بدرجة كبيرة، ثُمّ تلته الموجة الثانية والمتمثلة في العناية بالإدارة والاستثمار، والموجة الثالثة بإذن الله هي العناية بالمصرف الوقفي وتعظيم أثره الاجتماعي.

والله الموفق

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019