الهروب من مأزق النقل التلفزيوني

مرَّت رياضتنا بمحطات ومراحل عدة منذ زمن الهواة إلى الاحتراف.. كرة القدم ليست مجرد لعبة شعبية، بل هي صناعة عالمية، يُنفَق عليها مئات المليارات لتحقيق إيرادات مجزية.. شركات ومستثمرون حول العالم يتسابقون لشراء أندية بالمليارات؛ والهدف هو المال، وإثبات السلطة والنفوذ.. وباتت بعضها مؤسسات ومنظمات تجارية حقيقية مدرجة في أسواق المال العالمية، ويتم إعلان أرباحها السنوية بمئات الملايين من خلال الاستثمار في البنى التحتية الرياضية التي كان من الواجب توافرها للنهوض بهذا القطاع الذي أصبح مع الوقت أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني والدعائم الأساسية في التنمية الاجتماعية والبيئية عالميًّا. وتعتمد الأندية العالمية على حقوق النقل التلفزيوني والرعايات والإعلانات.. وقد دخلت شركات خليجية هذا السباق الاستثماري للانتشار على قمصان أندية عالمية عريقة. وتجاوزت الاستثمارات الخليجية المليارات؛ لأنها لم تكن تبحث فقط عن العوائد المالية بل استهدفت إيجاد مكانة خاصة لبناء علامة تجارية قوية من خلال ارتباطها بالعلامات التجارية لعدد من الأندية الأوروبية الكبيرة؛ ولذلك فإن الشركات والمؤسسات المتخصصة في مجال التسويق والتنمية والاستثمار أو الاستشارات الرياضية حصلت على امتيازات عالمية لتوسعة نطاقاتها واستثماراتها؛ وهو الأمر الذي يؤكد أهمية المتخصصين في التسويق الرياضي والتحول الرقمي لمواكبة هذا النوع الجديد من الاستثمار الجديد نوعيًّا على السعودية؛ وهو ما يبرز أيضًا أهمية وجود أدوات إعلامية متميزة ومختلفة لمواكبة هذا التحول النوعي الكبير على رياضتنا السعودية.

ويمثل الإعلام (الرياضي) الجديد مظهرًا جديدًا ومختلفًا كليًّا بجميع أدواته، ليس في إطار ومفهوم الاتصال فقط، بل في مجمل ما يحيط به هذا الإعلام من مفاهيم خاصة؛ كونه ما زال في معظم جوانبه حالة جديدة غير كاملة الفهم لدى المجتمع، وقد يُساء فهمها واستخدامها نتيجة عدم اكتمال جوانب الوعي والفهم لخصائصه الكاملة. وقد نجح هذا الإعلام بشكله الجديد في تبني العديد من القضايا المهمة، وتحويلها لرأي عام بعد أن يتم إثارة المجتمع، ولفت أنظار المسؤولين إليها من خلال سرعة نقل نبض الشارع إلى قلب الحدث، كما أنها الطريقة الأسرع للشعور بهموم عامة الناس؛ ولذلك فإن تجاهل استخدام قنوات الإعلام الجديد لأي جهة خدمية للمواطنين أو أي جهة استثمارية سيكلف هذه الجهات خسائر كبيرة ما لم تتوافر خطة واضحة للاستفادة من خصائص الإعلام الجديد التي تضمن (التكامل، التفاعلية، التنوع، الجماهيرية، المشاركة والانتشار، تجاوز الحدود الثقافية، تخطي وحدتَيْ المكان والزمان، معالجة مركزية الإعداد، البحث عن المصادر والتوزيع، تنوع المحتوى، سرعة التلقي وضمان الاستجابة عبر تعددية وسائل لفت الانتباه والتركيز).. وذلك من خلال اندماج وسائل الوسائط كـ(النصوص، والصوت، والصور الثابتة، والمتحركة، والرسوم البيانية ثنائية وثلاثية الأبعاد.. وغيرها)؛ الأمر الذي سمح بظهور نوع جديد من الإعلاميين غير المتخصصين في الإعلام إلا أنهم قد يتفوقون على أهل الاختصاص. كما ظهرت منابر جديدة للحوار، وأصبح بإمكان جميع أفراد المجتمع أن يتفاعلوا ويعلقوا بكل حرية وبسرعة فائقة؛ وهو الأمر الذي خلق (إعلام الجمهور إلى الجمهور)، ومعه لمسنا مضامين ثقافية وإعلامية جديدة، كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى..

هجمة.. مرتدة!!

ترقَّب عشاق كرة القدم في السعودية بداية انطلاق موسم استثنائي كامل الأوصاف، وذلك بعد أن تم إعلان تسمية دوري المحترفين بدوري كأس الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، وهو الخبر الذي أسعد الجميع، وكان الجميع يترقب أحدث تقنيات النقل التلفزيوني؛ ليكون متواكبًا مع الصفقات المدوية للأندية، وخصوصًا مع الإعلان نهاية الموسم الماضي عن العقد الضخم للنقل التلفزيوني للدوري السعودي. ولكن الشركة الراعية وقعت في مأزق التشفير بعد أن غابت حقيقة عدم قبول الشارع الرياضي لهذه الفكرة سلفًا.. فمن رفضوا فكرة التشفير لمباريات كأس العالم والبطولات العالمية الكبيرة لن يتقبلوا إطلاقًا فكرة الدفع للدوري المحلي، وخصوصًا أن المستوى المحلي حتى الآن لم يرتقِ للمستوى المأمول حتى بعد أن تم تدعيم جميع الأندية بثمانية لاعبين من العيار الثقيل. وهنا يُطرح تساؤل كبير: كيف تخرج الشركة الراعية من هذا المأزق؟! وكيف غابت عن القائمين على المشروع آلية تحقيق إيرادات تعوِّض المبالغ الضخمة التي تم دفعها لاحتكار النقل التلفزيوني؟! بالتأكيد هناك أفكار كثيرة لتعويض هذه المبالغ، وبالإمكان تحقيق إيرادات للتقليص من خسائر هذا العقد الضخم. بالتأكيد لن يكون ذلك بالتعاقد مع شركة استشارية أجنبية لدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع؛ لأن ذلك سيكون بمنزلة خسارة جديدة، وهو الأمر الذي راهنت كثيرًا على عدم نجاحه عندما تم إعلان قيمة المبالغ لهذا المشروع "الخاسر" بشكله الحالي إن أردناه كذلك، و(الناجح) بكل المقاييس.. وتظل الفرصة أمام شركة الاتصالات السعودية (STC) قائمة لتدارك الوضع، والخروج من هذا المأزق إذا ما تم التفكير خارج إطار الصندوق، وبطريقة مختلفة تمامًا عن التفكير للإعلام الرياضي التقليدي.

2

04 سبتمبر 2018 - 24 ذو الحجة 1439 09:10 PM

الهروب من مأزق النقل التلفزيوني

وحيد بغدادي - الرياض
0 1,178

مرَّت رياضتنا بمحطات ومراحل عدة منذ زمن الهواة إلى الاحتراف.. كرة القدم ليست مجرد لعبة شعبية، بل هي صناعة عالمية، يُنفَق عليها مئات المليارات لتحقيق إيرادات مجزية.. شركات ومستثمرون حول العالم يتسابقون لشراء أندية بالمليارات؛ والهدف هو المال، وإثبات السلطة والنفوذ.. وباتت بعضها مؤسسات ومنظمات تجارية حقيقية مدرجة في أسواق المال العالمية، ويتم إعلان أرباحها السنوية بمئات الملايين من خلال الاستثمار في البنى التحتية الرياضية التي كان من الواجب توافرها للنهوض بهذا القطاع الذي أصبح مع الوقت أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني والدعائم الأساسية في التنمية الاجتماعية والبيئية عالميًّا. وتعتمد الأندية العالمية على حقوق النقل التلفزيوني والرعايات والإعلانات.. وقد دخلت شركات خليجية هذا السباق الاستثماري للانتشار على قمصان أندية عالمية عريقة. وتجاوزت الاستثمارات الخليجية المليارات؛ لأنها لم تكن تبحث فقط عن العوائد المالية بل استهدفت إيجاد مكانة خاصة لبناء علامة تجارية قوية من خلال ارتباطها بالعلامات التجارية لعدد من الأندية الأوروبية الكبيرة؛ ولذلك فإن الشركات والمؤسسات المتخصصة في مجال التسويق والتنمية والاستثمار أو الاستشارات الرياضية حصلت على امتيازات عالمية لتوسعة نطاقاتها واستثماراتها؛ وهو الأمر الذي يؤكد أهمية المتخصصين في التسويق الرياضي والتحول الرقمي لمواكبة هذا النوع الجديد من الاستثمار الجديد نوعيًّا على السعودية؛ وهو ما يبرز أيضًا أهمية وجود أدوات إعلامية متميزة ومختلفة لمواكبة هذا التحول النوعي الكبير على رياضتنا السعودية.

ويمثل الإعلام (الرياضي) الجديد مظهرًا جديدًا ومختلفًا كليًّا بجميع أدواته، ليس في إطار ومفهوم الاتصال فقط، بل في مجمل ما يحيط به هذا الإعلام من مفاهيم خاصة؛ كونه ما زال في معظم جوانبه حالة جديدة غير كاملة الفهم لدى المجتمع، وقد يُساء فهمها واستخدامها نتيجة عدم اكتمال جوانب الوعي والفهم لخصائصه الكاملة. وقد نجح هذا الإعلام بشكله الجديد في تبني العديد من القضايا المهمة، وتحويلها لرأي عام بعد أن يتم إثارة المجتمع، ولفت أنظار المسؤولين إليها من خلال سرعة نقل نبض الشارع إلى قلب الحدث، كما أنها الطريقة الأسرع للشعور بهموم عامة الناس؛ ولذلك فإن تجاهل استخدام قنوات الإعلام الجديد لأي جهة خدمية للمواطنين أو أي جهة استثمارية سيكلف هذه الجهات خسائر كبيرة ما لم تتوافر خطة واضحة للاستفادة من خصائص الإعلام الجديد التي تضمن (التكامل، التفاعلية، التنوع، الجماهيرية، المشاركة والانتشار، تجاوز الحدود الثقافية، تخطي وحدتَيْ المكان والزمان، معالجة مركزية الإعداد، البحث عن المصادر والتوزيع، تنوع المحتوى، سرعة التلقي وضمان الاستجابة عبر تعددية وسائل لفت الانتباه والتركيز).. وذلك من خلال اندماج وسائل الوسائط كـ(النصوص، والصوت، والصور الثابتة، والمتحركة، والرسوم البيانية ثنائية وثلاثية الأبعاد.. وغيرها)؛ الأمر الذي سمح بظهور نوع جديد من الإعلاميين غير المتخصصين في الإعلام إلا أنهم قد يتفوقون على أهل الاختصاص. كما ظهرت منابر جديدة للحوار، وأصبح بإمكان جميع أفراد المجتمع أن يتفاعلوا ويعلقوا بكل حرية وبسرعة فائقة؛ وهو الأمر الذي خلق (إعلام الجمهور إلى الجمهور)، ومعه لمسنا مضامين ثقافية وإعلامية جديدة، كسرت احتكار المؤسسات الإعلامية الكبرى..

هجمة.. مرتدة!!

ترقَّب عشاق كرة القدم في السعودية بداية انطلاق موسم استثنائي كامل الأوصاف، وذلك بعد أن تم إعلان تسمية دوري المحترفين بدوري كأس الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، وهو الخبر الذي أسعد الجميع، وكان الجميع يترقب أحدث تقنيات النقل التلفزيوني؛ ليكون متواكبًا مع الصفقات المدوية للأندية، وخصوصًا مع الإعلان نهاية الموسم الماضي عن العقد الضخم للنقل التلفزيوني للدوري السعودي. ولكن الشركة الراعية وقعت في مأزق التشفير بعد أن غابت حقيقة عدم قبول الشارع الرياضي لهذه الفكرة سلفًا.. فمن رفضوا فكرة التشفير لمباريات كأس العالم والبطولات العالمية الكبيرة لن يتقبلوا إطلاقًا فكرة الدفع للدوري المحلي، وخصوصًا أن المستوى المحلي حتى الآن لم يرتقِ للمستوى المأمول حتى بعد أن تم تدعيم جميع الأندية بثمانية لاعبين من العيار الثقيل. وهنا يُطرح تساؤل كبير: كيف تخرج الشركة الراعية من هذا المأزق؟! وكيف غابت عن القائمين على المشروع آلية تحقيق إيرادات تعوِّض المبالغ الضخمة التي تم دفعها لاحتكار النقل التلفزيوني؟! بالتأكيد هناك أفكار كثيرة لتعويض هذه المبالغ، وبالإمكان تحقيق إيرادات للتقليص من خسائر هذا العقد الضخم. بالتأكيد لن يكون ذلك بالتعاقد مع شركة استشارية أجنبية لدراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع؛ لأن ذلك سيكون بمنزلة خسارة جديدة، وهو الأمر الذي راهنت كثيرًا على عدم نجاحه عندما تم إعلان قيمة المبالغ لهذا المشروع "الخاسر" بشكله الحالي إن أردناه كذلك، و(الناجح) بكل المقاييس.. وتظل الفرصة أمام شركة الاتصالات السعودية (STC) قائمة لتدارك الوضع، والخروج من هذا المأزق إذا ما تم التفكير خارج إطار الصندوق، وبطريقة مختلفة تمامًا عن التفكير للإعلام الرياضي التقليدي.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2018