هدر الطعام تبديد للموارد وتبذير للنعمة

تُعتبر ظاهرة التبذير ورمي الطعام التي تنتشر في العديد من دول العالم هاجسًا يؤرق بال المختصين؛ إذ تشير إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن ثلث الأغذية المنتَجة في العالم يضيع سنويًّا، وهو ما يعادل 3.1 مليار طن، تكفي لتوزيعها على جميع سكان الأرض بنسبة تصل إلى 216 كيلوجرامًا لكل فرد.

وإذا نظرنا إلى الواقع المحلي في السعودية نجد الوضع أشد وطأة، وأن هناك كميات كبيرة من الأكل تُهدر باستمرار بسبب عادات اجتماعية فاسدة، عفا عليها الزمن وتجاوزها، لكننا ما زلنا نتمسك بها، رغم تعارضها مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي ينهى عن التبذير، بل إن الله تعالى اعتبر المبذرين إخوانًا للشياطين، وتوعَّد الذين يسرفون في إنفاق أموالهم بالعذاب يوم القيامة، وذلك في قوله -جل وعلا- في محكم تنزيله {ثم لتُسألن يومئذ عن النعيم}.

خلال الأيام الماضية لفت نظري تصريح لعبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة، حذَّر فيه من ارتفاع نسبة الهدر الغذائي في السعودية التي أصبحت تتجاوز 33 %، مؤكدًا أن تكلفة هدر الغذاء تبلغ 40 مليار ريال سنويًّا. هذا التحذير الذي أتى من جهة مختصة يوضح الحاجة الماسة إلى تدشين حملة توعوية، تشارك فيها كل الجهات ذات العلاقة؛ لحث جميع فئات المجتمع على التوازن في شراء المواد الغذائية، ورفع مستوى الوعي لدى المنتجين والمستهلكين للحد من الآثار السلبية لهذه الظاهرة على الصحة والبيئة والاقتصاد.

وتتزايد ظاهرة هدر الطعام ورميه في صناديق النفايات خلال المناسبات الاجتماعية، وخصوصًا عند قاعات الأفراح؛ إذ يؤكد العديد من أصحاب القاعات أن هناك كميات ضخمة من الطعام تبقى بعد انتهاء المناسبات، وأنهم يقومون بتقديم النصح لعملائهم عند سؤالهم عن كميات الطعام التي يريدون تجهيزها، وذلك بناء على أعداد المدعوين. وعلى الرغم من ذلك فإن معظم الأشخاص يطلبون طعامًا لضعف عدد المدعوين؛ باعتبار أن ذلك إكرام للضيوف، وكأن الكرم لا يكون إلا بالتبذير والإسراف وإهدار النعمة! ونتيجة لتلك المفاهيم المغلوطة تبقى مشاهد رمي الولائم كاملة في حاويات النفايات ظاهرة مؤلمة، تستفز الجميع.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى التبذير أن كثيرًا من العائلات، ولاسيما الميسورة منها، تترك مسؤولية صنع الطعام على عاتق العمالة المنزلية، ولا تتولى مراقبتها ومتابعة عملها، وتلك العمالة تلجأ إلى طبخ كميات كبيرة من الأكل حتى لا تقوم بذلك أكثر من مرة واحدة في اليوم، ورغم ذلك فإن كثيرًا من الأبناء وأفراد الأسرة يرفضون تناول الطعام المطبوخ في المنازل، ويفضلون عليه الوجبات الجاهزة التي يتم طلبها من المطاعم.

تلك العادات السيئة يجب محاربتها بقوة؛ لأن الأضرار الناجمة عنها لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط، بل إن لها عواقب بيئية واجتماعية وخيمة، يمكن أن تتسبب مستقبلاً في ندرة المواد الغذائية، والاستهلاك المتزايد للمياه، إضافة إلى اجتذاب الحيوانات المفترسة والكلاب الضالة التي تتغذى على بقايا الطعام المهدر، التي يمكن أن تهاجم السكان كما لاحظنا في حالات مشابهة كثيرة.

ولغياب نص قانوني يمنع التبذير في الطعام أو الإسراف في المناسبات الاجتماعية يبقى علاج هذه المشكلة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني التي ينبغي أن تقوم بحملات توعوية واسعة، توضح الفرق الكبير بين الكرم والبذخ؛ فالأول محمود، وهو من مكارم الأخلاق، في حين أن الثاني مذموم دينيًّا ومجتمعيًّا، ولا يلجأ له إلا الجهلاء وحديثو النعمة.

وينبغي كذلك لفت نظر طلاب المدارس إلى خطورة هذه الظاهرة، وأن يتم الاهتمام بتضمين مواد تحذيرية ضمن المناهج الدراسية؛ لتنشأ الأجيال الجديدة وهي على معرفة ودراية بالعادات السلوكية الصحيحة.

بلادنا -بحمد الله- تعيش نهضة اقتصادية كبيرة، وتشهد تطورًا وازدهارًا على الأصعدة كافة، وينعم مواطنوها بارتفاع مستوى المعيشة، وزيادة معدلات الدخل؛ وهو ما ينبغي أن يقابَل بالحمد والشكر بدلاً من إهدار النعمة والجحود؛ فنحن مسؤولون أمام الله عن تلك النعم التي اختصنا بها. وما ننفقه على الطعام والشراب الذي يُلقى في صناديق النفايات يمكن أن يتم توجيه قيمته نحو المزيد من برامج التنمية، أو حفظه بطرق صحيحة لتوزيعه على الفقراء والمحتاجين في الدول المجاورة التي ابتلاها الله بالمجاعات والحروب.

علي آل شرمة

2

20 أغسطس 2021 - 12 محرّم 1443 09:17 PM

هدر الطعام تبديد للموارد وتبذير للنعمة

علي آل شرمة - الرياض
3 1,460

تُعتبر ظاهرة التبذير ورمي الطعام التي تنتشر في العديد من دول العالم هاجسًا يؤرق بال المختصين؛ إذ تشير إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن ثلث الأغذية المنتَجة في العالم يضيع سنويًّا، وهو ما يعادل 3.1 مليار طن، تكفي لتوزيعها على جميع سكان الأرض بنسبة تصل إلى 216 كيلوجرامًا لكل فرد.

وإذا نظرنا إلى الواقع المحلي في السعودية نجد الوضع أشد وطأة، وأن هناك كميات كبيرة من الأكل تُهدر باستمرار بسبب عادات اجتماعية فاسدة، عفا عليها الزمن وتجاوزها، لكننا ما زلنا نتمسك بها، رغم تعارضها مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي ينهى عن التبذير، بل إن الله تعالى اعتبر المبذرين إخوانًا للشياطين، وتوعَّد الذين يسرفون في إنفاق أموالهم بالعذاب يوم القيامة، وذلك في قوله -جل وعلا- في محكم تنزيله {ثم لتُسألن يومئذ عن النعيم}.

خلال الأيام الماضية لفت نظري تصريح لعبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة، حذَّر فيه من ارتفاع نسبة الهدر الغذائي في السعودية التي أصبحت تتجاوز 33 %، مؤكدًا أن تكلفة هدر الغذاء تبلغ 40 مليار ريال سنويًّا. هذا التحذير الذي أتى من جهة مختصة يوضح الحاجة الماسة إلى تدشين حملة توعوية، تشارك فيها كل الجهات ذات العلاقة؛ لحث جميع فئات المجتمع على التوازن في شراء المواد الغذائية، ورفع مستوى الوعي لدى المنتجين والمستهلكين للحد من الآثار السلبية لهذه الظاهرة على الصحة والبيئة والاقتصاد.

وتتزايد ظاهرة هدر الطعام ورميه في صناديق النفايات خلال المناسبات الاجتماعية، وخصوصًا عند قاعات الأفراح؛ إذ يؤكد العديد من أصحاب القاعات أن هناك كميات ضخمة من الطعام تبقى بعد انتهاء المناسبات، وأنهم يقومون بتقديم النصح لعملائهم عند سؤالهم عن كميات الطعام التي يريدون تجهيزها، وذلك بناء على أعداد المدعوين. وعلى الرغم من ذلك فإن معظم الأشخاص يطلبون طعامًا لضعف عدد المدعوين؛ باعتبار أن ذلك إكرام للضيوف، وكأن الكرم لا يكون إلا بالتبذير والإسراف وإهدار النعمة! ونتيجة لتلك المفاهيم المغلوطة تبقى مشاهد رمي الولائم كاملة في حاويات النفايات ظاهرة مؤلمة، تستفز الجميع.

ومن الأسباب التي تؤدي إلى التبذير أن كثيرًا من العائلات، ولاسيما الميسورة منها، تترك مسؤولية صنع الطعام على عاتق العمالة المنزلية، ولا تتولى مراقبتها ومتابعة عملها، وتلك العمالة تلجأ إلى طبخ كميات كبيرة من الأكل حتى لا تقوم بذلك أكثر من مرة واحدة في اليوم، ورغم ذلك فإن كثيرًا من الأبناء وأفراد الأسرة يرفضون تناول الطعام المطبوخ في المنازل، ويفضلون عليه الوجبات الجاهزة التي يتم طلبها من المطاعم.

تلك العادات السيئة يجب محاربتها بقوة؛ لأن الأضرار الناجمة عنها لا تقتصر على الجوانب الاقتصادية فقط، بل إن لها عواقب بيئية واجتماعية وخيمة، يمكن أن تتسبب مستقبلاً في ندرة المواد الغذائية، والاستهلاك المتزايد للمياه، إضافة إلى اجتذاب الحيوانات المفترسة والكلاب الضالة التي تتغذى على بقايا الطعام المهدر، التي يمكن أن تهاجم السكان كما لاحظنا في حالات مشابهة كثيرة.

ولغياب نص قانوني يمنع التبذير في الطعام أو الإسراف في المناسبات الاجتماعية يبقى علاج هذه المشكلة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني التي ينبغي أن تقوم بحملات توعوية واسعة، توضح الفرق الكبير بين الكرم والبذخ؛ فالأول محمود، وهو من مكارم الأخلاق، في حين أن الثاني مذموم دينيًّا ومجتمعيًّا، ولا يلجأ له إلا الجهلاء وحديثو النعمة.

وينبغي كذلك لفت نظر طلاب المدارس إلى خطورة هذه الظاهرة، وأن يتم الاهتمام بتضمين مواد تحذيرية ضمن المناهج الدراسية؛ لتنشأ الأجيال الجديدة وهي على معرفة ودراية بالعادات السلوكية الصحيحة.

بلادنا -بحمد الله- تعيش نهضة اقتصادية كبيرة، وتشهد تطورًا وازدهارًا على الأصعدة كافة، وينعم مواطنوها بارتفاع مستوى المعيشة، وزيادة معدلات الدخل؛ وهو ما ينبغي أن يقابَل بالحمد والشكر بدلاً من إهدار النعمة والجحود؛ فنحن مسؤولون أمام الله عن تلك النعم التي اختصنا بها. وما ننفقه على الطعام والشراب الذي يُلقى في صناديق النفايات يمكن أن يتم توجيه قيمته نحو المزيد من برامج التنمية، أو حفظه بطرق صحيحة لتوزيعه على الفقراء والمحتاجين في الدول المجاورة التي ابتلاها الله بالمجاعات والحروب.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021