عيب عليك.. أنت كبير!

كنتُ في الخامسة من عمري، عندما طلبتْ منًّا معلمة الروضة إحضار عَلَم أخضر لمشهد أنشودة الحفل الختامي. كنت متطلعة ومتحمسة جدًّا لذلك اليوم، ولا يزال بريق ذاك الشعور حاضرًا في ذاكرتي.

وقفنا على المسرح، وبدأت تصدح كلمات ذاك النشيد المهيب:

"بلادي بلادي منار الهدى

ومهد البطولة عبر المدى

عليها ومنها الســلام ابتـدا

وفيها تـألق فجــر الندى

حيـاتي لمـجـد بلادي فــدا

بلادي بلاد الإبا والشـمم"

وفي لحظة غير متوقعة سحبتْ مني المعلمة عَلَمي الأخضر؛ فقد كان أكبر من الحجم المطلوب، ثم طلبت مني أن ألوح بيدي فقط عوضًا عنه!

فانقلب فرحي بكاء وحزنًا؛ فكيف ستكون حركات يدي بلا عَلَم وطني مثل باقي زميلاتي؟!

أديتُ المشهد بتثاقل وعَبَرات أكفكفها. كنت طفلة صغيرة، أنتظر تلك اللحظة لتراني أمي على المسرح، وتشيد بأدائي وحركاتي البسيطة، والكبيرة في داخلي، ولكن ذلك السيناريو المأمول قد تغيَّر بسبب تلك المعلمة التي رأت في عَلَمي الكبير عيبًا يشوِّه المشهد أمام الحضور!

لم تعلم تلك المعلمة فرحتي بشراء ذلك العَلَم، وكيف جـلنا المحال بحثًا عنه، وأن مقاسه الكبير كان خيارنا الوحيد!

ما حدث في ذلك المشهد هو أن المعلمة سلبتني حق الانتماء؛ فصرتُ أقف وشعور الاختلاف يمطرني حياء وشعورًا بالنقص. وهذا هو مربط الفرس؛ فعندما نشاهد المواقف من وجهة نظرنا نحن الكبار، ونتناسى إحساس الأطفال الطري، وروحهم الشفافة التي قد تخدش بسهولة لأي عارض مقصود أو غير مقصود، يبقى أثر ذلك الخدش مدى الحياة.

أعزائي المربين.. دعونا نتفق على أننا في كثير من الأحيان نهتم بأمور شكلية خلال تعاملنا مع أطفالنا، ولا نعلم الوقع السلبي لها على نفوسهم وقلوبهم. نعم، قد تبدو تافهة في نظرنا نحن الكبار، بل سطحية جدًّا، ولكنها تعني الكثير لهم.

فكم أجبرنا أطفالنا مثلاً على ارتداء أزياء محددة، لا يحبونها؛ فقط لأنها تعجبنا.. وكم سلبناهم أدوارًا تعني لهم الكثير اعتقادًا منا أنها غير مجدية أو لا داعي لها.. وكم سلبنا منهم حق الشعور بالحزن أو الفرح أو الانزعاج والبكاء؛ لأنه -من وجهة نظرنا- مبالَغ فيه، أو لا يستحق.

"لا تصيح؛ عيب عليك؛ أنت كبير"، "بلا دلع تراها مجرد لعبة، عادي انكسرت نجيب غيرها"، "أحد يلبس جاكيت في هالحر"، "معقول هذا كبرك وتبين تلعبين، عيب كبرتي!"، "ليش لونت الشجر أزرق قد شفت شجر أزرق؟!"، "لا تلعب بالرمل بتوصخ ملابسك".. وهلم جرَّا..

ما أود طرحه هنا هو أن علاقتنا بأبنائنا وثقتهم في أنفسهم، بل قدرتهم على اتخاذ القرار، أهم من ذلك القميص ذي الأزرار.

لا يعني ما سبق أن نتنازل عن الذوق والترتيب والنظافة، ولكن عندما تصطدم الرغبات فالمصلحة الأولى هي ذات الطفل واعتباره ونظرته لنفسه تأتي أولاً، وما عداها يكون هو التالي.

وإن مشاعر الطفل يجب أن تكون محل اهتمام وعناية، ثم يأتي لاحقًا التوجيه بمنطقية الشعور من عدمها، وتصحيح طريقة التفكير، ولكن ذلك لن يكون -قطعًا- والطفل يغرق في مشاعر لا يمكنه أن يرى سواها.

في موقف قريب بجولة إشرافي المعتادة بين أصوات اللعب، وعفوية الأطفال، وروح الإبداع، في البقعة التي أنشأتها بحب @fkra_sa "مخيم فكرة الإبداعي"، حصل موقف بسيط مع "علي"، قد يساعد في تصوُّر الاستجابة بصورة مغايرة لموقف العَلَم الأخضر.

اجتمع ثلاثة أولاد في عمر السابعة تقريبًا على طاولة الرسم والتلوين، كان الأول يلون بدقة وتركيز وانسجام، وخطوطه تملؤها ثقة ومتعة. شجعتُ عمله، وانتقلت للثاني وقد كان يلوّن بعشوائية أقل إتقانًا من صاحبنا الأول، ولكنه كان مستمتعًا وواثقًا، واستمع لتعليقي بصدر رحب، واستأنس بالإطراء.

أما الثالث (علي) فما إن استشعر قدوم دوره حتى بدا الارتباك على محياه، وقد تناثرت الألوان أمامه، ولا وجود لأي ورقة!

سارع متلعثمًا بقوله:

"أنا ما أعرف ألوّن ولا أحب أرسم".

ولمحت الورقة وقد كوَّرها في يده، ولغة جسده وتعابير وجهه كلها كانت تنطق بالإحباط والإحساس بالفشل. سارعتُ بأخذ الورقة منه، وفتحتها، وحاولت أن أعيد لها الملامح بعد أن تمزقت أطرافها، وتكرمشت!

رمقني بنظرة قلقة، سرعان ما تلاشت عندما نطقت:

"يا سلام الورقة المعفطة صارت تشبه سطح موية البحر، أعجبتني فكرتك المبدعة يا علي، تسمح لي راح أعلق رسمتك".

طلبتُ منه أن يكتب اسمه، وسألته إن كان يريد إضافة أي لمسة قبل التعليق، فأجابني بالنفي. وما إن انتهيت من تعليقها حتى وجدت محياه يتدفق فرحًا، وجلسته تنطق فخرًا؛ فالتقطت له صورة لأوثق اللحظة، ثم تناولت قطعة مفرغة لأبسط له الرسم، فأخذها وبدأ يرسم شكلاً تلو الآخر بكل حماس وثقة.

جملة واحدة غيَّرت مسار علي في ذلك اليوم، وربما لبقية حياته!

فقد نقلتُه من إحساس الفشل للفخر، عندما أدرك أنه ليس أقل منهم، وأن لديه ما يميزه من أفكار، عندما اخترتُ التركيز على الفكرة الإبداعية، والتغاضي عن الشقوق والشخبطة..

فلم يكن لدي خيار حينها سوى انتشاله من كومة الاستياء تلك.

ابتسامة علي، الوهج الذي ملأ كيانه ثقة، والتحوُّل الذي لمسته في حالته النفسية، كل ذلك جعلني ألمس حقيقة الكلمة الطيبة، وقوة الإيحاء في صنع الإرادة أو تحطيمها!

شَعرة دقيقة بين أوصاف الكلام؛ فاختر أطيبه، ولاسيما مع الطفل الذي يعيرك كل آماله، فساعده في رسم أفضل صورة عن ذاته.

أتساءل الآن:

ألم تملك تلك المعلمة أي مهارات بديهية لتجعل صاحبة العَلَم الكبير في المقدمة مثلاً، أو أن تتركها ترفرف فرحًا وزهوًا كباقي الأطفال على المسرح؟! أو أن تشكر محاولاتها الكبيرة وحرصها؟!..

ماذا لو وقفت بعَلَمي الكبير في مقدمة المسرح؟

هل سيغدو وهج خاطري مشابهًا لوهج علي أم أكثر؟

وكيف كنت سأنقل الصورة اليوم لكم؟

اخلقوا وهجًا لا ينطفئ في قلوب وعقول أبنائكم، وطلابكم، وكل من لكم سلطة عليه، فلا تدري سِحْر كلماتك لأي مبلغ سيؤول مداها.

مها عبدالله الحقباني

7

07 سبتمبر 2021 - 30 محرّم 1443 12:21 AM

عيب عليك.. أنت كبير!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
6 5,650

كنتُ في الخامسة من عمري، عندما طلبتْ منًّا معلمة الروضة إحضار عَلَم أخضر لمشهد أنشودة الحفل الختامي. كنت متطلعة ومتحمسة جدًّا لذلك اليوم، ولا يزال بريق ذاك الشعور حاضرًا في ذاكرتي.

وقفنا على المسرح، وبدأت تصدح كلمات ذاك النشيد المهيب:

"بلادي بلادي منار الهدى

ومهد البطولة عبر المدى

عليها ومنها الســلام ابتـدا

وفيها تـألق فجــر الندى

حيـاتي لمـجـد بلادي فــدا

بلادي بلاد الإبا والشـمم"

وفي لحظة غير متوقعة سحبتْ مني المعلمة عَلَمي الأخضر؛ فقد كان أكبر من الحجم المطلوب، ثم طلبت مني أن ألوح بيدي فقط عوضًا عنه!

فانقلب فرحي بكاء وحزنًا؛ فكيف ستكون حركات يدي بلا عَلَم وطني مثل باقي زميلاتي؟!

أديتُ المشهد بتثاقل وعَبَرات أكفكفها. كنت طفلة صغيرة، أنتظر تلك اللحظة لتراني أمي على المسرح، وتشيد بأدائي وحركاتي البسيطة، والكبيرة في داخلي، ولكن ذلك السيناريو المأمول قد تغيَّر بسبب تلك المعلمة التي رأت في عَلَمي الكبير عيبًا يشوِّه المشهد أمام الحضور!

لم تعلم تلك المعلمة فرحتي بشراء ذلك العَلَم، وكيف جـلنا المحال بحثًا عنه، وأن مقاسه الكبير كان خيارنا الوحيد!

ما حدث في ذلك المشهد هو أن المعلمة سلبتني حق الانتماء؛ فصرتُ أقف وشعور الاختلاف يمطرني حياء وشعورًا بالنقص. وهذا هو مربط الفرس؛ فعندما نشاهد المواقف من وجهة نظرنا نحن الكبار، ونتناسى إحساس الأطفال الطري، وروحهم الشفافة التي قد تخدش بسهولة لأي عارض مقصود أو غير مقصود، يبقى أثر ذلك الخدش مدى الحياة.

أعزائي المربين.. دعونا نتفق على أننا في كثير من الأحيان نهتم بأمور شكلية خلال تعاملنا مع أطفالنا، ولا نعلم الوقع السلبي لها على نفوسهم وقلوبهم. نعم، قد تبدو تافهة في نظرنا نحن الكبار، بل سطحية جدًّا، ولكنها تعني الكثير لهم.

فكم أجبرنا أطفالنا مثلاً على ارتداء أزياء محددة، لا يحبونها؛ فقط لأنها تعجبنا.. وكم سلبناهم أدوارًا تعني لهم الكثير اعتقادًا منا أنها غير مجدية أو لا داعي لها.. وكم سلبنا منهم حق الشعور بالحزن أو الفرح أو الانزعاج والبكاء؛ لأنه -من وجهة نظرنا- مبالَغ فيه، أو لا يستحق.

"لا تصيح؛ عيب عليك؛ أنت كبير"، "بلا دلع تراها مجرد لعبة، عادي انكسرت نجيب غيرها"، "أحد يلبس جاكيت في هالحر"، "معقول هذا كبرك وتبين تلعبين، عيب كبرتي!"، "ليش لونت الشجر أزرق قد شفت شجر أزرق؟!"، "لا تلعب بالرمل بتوصخ ملابسك".. وهلم جرَّا..

ما أود طرحه هنا هو أن علاقتنا بأبنائنا وثقتهم في أنفسهم، بل قدرتهم على اتخاذ القرار، أهم من ذلك القميص ذي الأزرار.

لا يعني ما سبق أن نتنازل عن الذوق والترتيب والنظافة، ولكن عندما تصطدم الرغبات فالمصلحة الأولى هي ذات الطفل واعتباره ونظرته لنفسه تأتي أولاً، وما عداها يكون هو التالي.

وإن مشاعر الطفل يجب أن تكون محل اهتمام وعناية، ثم يأتي لاحقًا التوجيه بمنطقية الشعور من عدمها، وتصحيح طريقة التفكير، ولكن ذلك لن يكون -قطعًا- والطفل يغرق في مشاعر لا يمكنه أن يرى سواها.

في موقف قريب بجولة إشرافي المعتادة بين أصوات اللعب، وعفوية الأطفال، وروح الإبداع، في البقعة التي أنشأتها بحب @fkra_sa "مخيم فكرة الإبداعي"، حصل موقف بسيط مع "علي"، قد يساعد في تصوُّر الاستجابة بصورة مغايرة لموقف العَلَم الأخضر.

اجتمع ثلاثة أولاد في عمر السابعة تقريبًا على طاولة الرسم والتلوين، كان الأول يلون بدقة وتركيز وانسجام، وخطوطه تملؤها ثقة ومتعة. شجعتُ عمله، وانتقلت للثاني وقد كان يلوّن بعشوائية أقل إتقانًا من صاحبنا الأول، ولكنه كان مستمتعًا وواثقًا، واستمع لتعليقي بصدر رحب، واستأنس بالإطراء.

أما الثالث (علي) فما إن استشعر قدوم دوره حتى بدا الارتباك على محياه، وقد تناثرت الألوان أمامه، ولا وجود لأي ورقة!

سارع متلعثمًا بقوله:

"أنا ما أعرف ألوّن ولا أحب أرسم".

ولمحت الورقة وقد كوَّرها في يده، ولغة جسده وتعابير وجهه كلها كانت تنطق بالإحباط والإحساس بالفشل. سارعتُ بأخذ الورقة منه، وفتحتها، وحاولت أن أعيد لها الملامح بعد أن تمزقت أطرافها، وتكرمشت!

رمقني بنظرة قلقة، سرعان ما تلاشت عندما نطقت:

"يا سلام الورقة المعفطة صارت تشبه سطح موية البحر، أعجبتني فكرتك المبدعة يا علي، تسمح لي راح أعلق رسمتك".

طلبتُ منه أن يكتب اسمه، وسألته إن كان يريد إضافة أي لمسة قبل التعليق، فأجابني بالنفي. وما إن انتهيت من تعليقها حتى وجدت محياه يتدفق فرحًا، وجلسته تنطق فخرًا؛ فالتقطت له صورة لأوثق اللحظة، ثم تناولت قطعة مفرغة لأبسط له الرسم، فأخذها وبدأ يرسم شكلاً تلو الآخر بكل حماس وثقة.

جملة واحدة غيَّرت مسار علي في ذلك اليوم، وربما لبقية حياته!

فقد نقلتُه من إحساس الفشل للفخر، عندما أدرك أنه ليس أقل منهم، وأن لديه ما يميزه من أفكار، عندما اخترتُ التركيز على الفكرة الإبداعية، والتغاضي عن الشقوق والشخبطة..

فلم يكن لدي خيار حينها سوى انتشاله من كومة الاستياء تلك.

ابتسامة علي، الوهج الذي ملأ كيانه ثقة، والتحوُّل الذي لمسته في حالته النفسية، كل ذلك جعلني ألمس حقيقة الكلمة الطيبة، وقوة الإيحاء في صنع الإرادة أو تحطيمها!

شَعرة دقيقة بين أوصاف الكلام؛ فاختر أطيبه، ولاسيما مع الطفل الذي يعيرك كل آماله، فساعده في رسم أفضل صورة عن ذاته.

أتساءل الآن:

ألم تملك تلك المعلمة أي مهارات بديهية لتجعل صاحبة العَلَم الكبير في المقدمة مثلاً، أو أن تتركها ترفرف فرحًا وزهوًا كباقي الأطفال على المسرح؟! أو أن تشكر محاولاتها الكبيرة وحرصها؟!..

ماذا لو وقفت بعَلَمي الكبير في مقدمة المسرح؟

هل سيغدو وهج خاطري مشابهًا لوهج علي أم أكثر؟

وكيف كنت سأنقل الصورة اليوم لكم؟

اخلقوا وهجًا لا ينطفئ في قلوب وعقول أبنائكم، وطلابكم، وكل من لكم سلطة عليه، فلا تدري سِحْر كلماتك لأي مبلغ سيؤول مداها.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021