عَرِّفوا أبناءكم بـ"فتى كنانة".. وسره الذي كشفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة!

وشى بالمسلمين في بدر وأسر ولده

صنع الإسلام نماذج يفخر بها كل مسلم لا تقف أمامها العوائق وقلة الحيلة وقلة ذات اليد ونقص الخبرة، وغيرها من الأعذار والتبريرات.

في يوم بدر، كان واحدًا من جنود قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على المسلمين، وكان حاد البصر محكم التقدير خبيرًا في تتبع القوافل، فأمره كفار قريش باستطلاع أخبار المسلمين، وانطلق "عمير بن وهب الجمحي الكناني" يراقب معسكر المسلمين، ثم رجع لقومه يحدثهم بخبر المسلمين؛ أنهم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلًا أو ينقصون، وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟ فأجابهم: لم أجد وراءهم شيئًا، ولكن يا معشر قريش رأيت المطايا تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم؛ فإذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك، فانظروا رأيكم" وكان أهل مكة يلقبونه بـ"شيطان قريش".

وفي رواية عن حوار دار بينه وبين صفوان بن أمية، أحد كبار كفار قريش، وهو يذكر قتلى بدر: "والله ما في العيش بعدهم من خير.. وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا ديْن عليّ لا أملك قضاءه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد حتى أقتله؛ فإن لي عنده علة أعتل بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني هذا الأسير، فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا. فقال له عمير: إذن فاكتم شأني وشأنك".

وانطلق عمير بسيفه حتى قدم المدينة، وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به؛ إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه. قال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ.

فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون.

ودخل به عمر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر، ادن يا عمير. فدنا عمير وقال: انعموا صباحًا، وهي تحية الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة.

فقال عمير: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. فقال الرسول: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم. قال النبي: فما بال السيف في عنقك. قال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئًا. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اصدقني يا عمير، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْن عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا. فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.

وعندئذ صاح "عمير": أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره.

وأقبل عمير على رسول الله ذات يوم قائلًا: "يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله يهدهم، وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.

وعاد عمير إلى مكة شاهرًا سيفه متحفزًا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية، وما كاد يراه حتى هَمّ بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير رده إلى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه، ثم مضى لسبيله.

ودخل عمير بن وهب مكة مسلمًا وهو الذي فارقها من أيام مشركًا، دخلها وقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه، وكان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى.

وفي بضعة أسابيع أسلَمَ على يد عمير عدد كثير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال، وخرج عمير بهم إلى المدينة في موكب طويل مشرق، بعدما أحالته هداية الله إلى حواري باسل من حواريي الإسلام.

37

30 إبريل 2021 - 18 رمضان 1442 01:30 AM

وشى بالمسلمين في بدر وأسر ولده

عَرِّفوا أبناءكم بـ"فتى كنانة".. وسره الذي كشفه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة!

5 33,010

صنع الإسلام نماذج يفخر بها كل مسلم لا تقف أمامها العوائق وقلة الحيلة وقلة ذات اليد ونقص الخبرة، وغيرها من الأعذار والتبريرات.

في يوم بدر، كان واحدًا من جنود قريش الذين حملوا سيوفهم ليجهزوا على المسلمين، وكان حاد البصر محكم التقدير خبيرًا في تتبع القوافل، فأمره كفار قريش باستطلاع أخبار المسلمين، وانطلق "عمير بن وهب الجمحي الكناني" يراقب معسكر المسلمين، ثم رجع لقومه يحدثهم بخبر المسلمين؛ أنهم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلًا أو ينقصون، وسألوه: هل وراءهم امتداد لهم؟ فأجابهم: لم أجد وراءهم شيئًا، ولكن يا معشر قريش رأيت المطايا تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم؛ فإذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير العيش بعد ذلك، فانظروا رأيكم" وكان أهل مكة يلقبونه بـ"شيطان قريش".

وفي رواية عن حوار دار بينه وبين صفوان بن أمية، أحد كبار كفار قريش، وهو يذكر قتلى بدر: "والله ما في العيش بعدهم من خير.. وقال له عمير: صدقت، ووالله لولا ديْن عليّ لا أملك قضاءه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي؛ لركبت إلى محمد حتى أقتله؛ فإن لي عنده علة أعتل بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني هذا الأسير، فاغتنمها صفوان وقال: عليّ دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي، أواسيهم ما بقوا. فقال له عمير: إذن فاكتم شأني وشأنك".

وانطلق عمير بسيفه حتى قدم المدينة، وبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به؛ إذ نظر عمر فرأى عمير بن وهب قد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحًا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر. ثم دخل عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا نبي الله، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحًا سيفه. قال صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ.

فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون.

ودخل به عمر على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو آخذ بحمالة سيفه في عنقه، فلما رآه الرسول قال: دعه يا عمر، ادن يا عمير. فدنا عمير وقال: انعموا صباحًا، وهي تحية الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير، بالسلام تحية أهل الجنة.

فقال عمير: أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد. فقال الرسول: فما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم. قال النبي: فما بال السيف في عنقك. قال عمير: قبّحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئًا. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اصدقني يا عمير، ما الذي جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا ديْن عليّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدًا. فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.

وعندئذ صاح "عمير": أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله ما أنبأك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام. فقال الرسول لأصحابه: فقّهوا أخاكم في الدين وأقرئوه القرآن، وأطلقوا أسيره.

وأقبل عمير على رسول الله ذات يوم قائلًا: "يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله عز وجل، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى وإلى رسوله وإلى الإسلام لعل الله يهدهم، وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.

وعاد عمير إلى مكة شاهرًا سيفه متحفزًا للقتال، ولقيه أول ما لقيه صفوان بن أمية، وما كاد يراه حتى هَمّ بمهاجمته، ولكن السيف المتحفز في يد عمير رده إلى صوابه، فاكتفى بأن ألقى على سمع عمير بعض شتائمه، ثم مضى لسبيله.

ودخل عمير بن وهب مكة مسلمًا وهو الذي فارقها من أيام مشركًا، دخلها وقد صمم على نذر حياته للدين الذي طالما حاربه، وكان في موقف يسمح له بأن ينزل الأذى بمن يريد له الأذى.

وفي بضعة أسابيع أسلَمَ على يد عمير عدد كثير يفوق عددهم كل تقدير يمكن أن يخطر ببال، وخرج عمير بهم إلى المدينة في موكب طويل مشرق، بعدما أحالته هداية الله إلى حواري باسل من حواريي الإسلام.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021