نفقة الزوجة الموظفة..!!

من أغرب القضايا الأسرية التي وردتني لإبداء الرأي القانوني حولها استغاثة أحد الأزواج من طمع زوجته و"فجورها بالخصومة"، حسب قوله؛ إذ أوضح أنها موظفة؛ وتستلم راتبًا يصل إلى 30 ألف ريال، بينما راتبه لا يتعدى 10 آلاف ريال، ومع هذا ترفض المساهمة معه في مصاريف البيت، وقد منحته مؤخرًا مهلة للتفكير في الموضوع، والمبادرة وديًّا بدفع النفقة المستحقة عليه، سواء كانت لها أو لأبنائها، قبل أن تضطر آسفة لإبلاغ محاميها باتخاذ الإجراءات الرسمية، والشروع بمطالبته وإلزامه عبر القنوات القضائية المختصة، وحينها سيدفع أكثر من مبلغ النفقة المفروض عليه حاليًا، ولن تتنازل عن ريال واحد.. وقد أعذر من أنذر!!

وحتى أكون منصفًا، أنا لم أستمع لأقوال الطرف الآخر (الزوجة)، لكنني حين سألتُ الزوج عن مبرراتها ذكر أنها تتمسك بكون النفقة واجبة شرعًا على الرجل، وأن الراتب الذي تتقاضاه من وظيفتها بالكاد يكفيها لتؤمِّن به مستقبلها مع أبنائها؛ لأن الرجال عمومًا -على حد قولها- (ما لهم أمان). بينما يرى الزوج أنه خسر الكثير من الاهتمام به وبالأبناء بسبب انشغالها بالوظيفة، بل حمَّله ذلك مصاريف إضافية لضمان استمرار الحياة الزوجية، وسد الفجوة الكبيرة التي تخلفها، سواء وهي بالشغل، أو بعد عودتها وخلودها للراحة، أو عند ذهابها للنوم مبكرًا لتستيقظ للدوام.. وكل هذا على حساب واجباتها المنزلية، عطفًا على (شوفة النفس)، ونظرتها الفوقية له، وتهديدها المستمر له بالمحكمة (ترى والله لاشتكيك للقاضي، وأدفّعك اللي وراك واللي قدامك)!

طبعًا سيخرج علينا في هذه الأثناء إنسان موبخًا الزوج: (ما ضيعنا يالرجال إلا اللي شخصيتهم ضعيفة مثلك)، ثم يأتي شخص آخر ليزيحه، ويلوح بسبَّابته: (وحضرتك للحين تداريها يا أخي، طلقها وتزوج غيرها)، فيما يضحك الثالث ساخرًا وهو جالس؛ ليقول متهكمًا: (هه، وش عنده جميل بثينة؟!). مثل هؤلاء الحمقى سيعودون إلى بيوتهم ليناموا هانئين، فيما يتكبد الزوج لو استمع لهرطقاتهم، بجانب خراب بيته، سلسلة طويلة من القضايا المتتابعة: طلاق، حضانة، نفقة، زيارة، أجرة سكن، أجرة حضانة، قضية مدنية للمطالبة بقرض حسن أو بحصة في عقار، وما قد يصحب هذه الحرب الضروس من رسالة سب أو تهديد، فتنتج منها مشاحنات ومفاوضات وقضايا جزائية!!

لقد كانت الحياة الزوجية سكنًا ومودة ورحمة، لكنها بفعل (تخبيب) وجشع بعض النساء مؤخرًا تحولت إلى استثمار طويل الأجل، وأسطول لـ(سلسلة مطالب النفقة) التي لا تنتهي!!

لا شك أن النفقة واجبة شرعًا على الرجل، سواء تجاه زوجته، أو أولاده، ولكن هناك ثغرة يمكن استغلالها، هي أن من أهم شروط النفقة قدرة المنفِق على الإنفاق. وراتب الزوج هنا بالكاد يصل لثلث راتب الزوجة؛ ما يجعله غير قادر على مجاراة كمالياتها وماركاتها التي تتوافق مع برستيجها العالي. وهناك ثغرة أخرى، هي أن (النفقة لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء). وهنا يمكن لـ(منصة تراضي) حين يظهر الزوجان أمامها أن تطلب من الزوجة الموظفة إبراء ذمة زوجها من النفقة المستقبلية متى أرادت إكمال مسيرتها الوظيفية، مع الاستقطاع الآلي لرسم ثابت شهريًّا بواقع نسبة من راتبها ومن راتب الزوج أسوة برسم التأمينات الاجتماعية، ورسم التعطل (ساند)، ورسم إصابة العمل، وأن يحدَّد له حساب بنكي مستقل ومشترك باسم (رسم النفقة المنزلية).

لا شك أن هذا الاقتراح سوف يغضب المرأة الموظفة، لكن غضبها هذا سوف يزول مع الأيام حين تقطف ثمار تضحياتها، وهي لا تزال تعيش مع زوجها وشريك حياتها محاطَيْن بأبنائهما تحت سقف واحد، وكل منهما يتحدث بإعجاب عن تضحية الآخر، ويشكر له مساهماته في بناء (عش الزوجية) قبل أن يُطفئا معًا - وهما يمسكان بأيدي بعضهما - (شمعة عيد زواجهما العشرين)، وقد كُتب على كعكة المناسبة (المرأة ظل الرجل، عليها أن تتبعه، لا أن تقوده).

أحمد عجب

29

16 نوفمبر 2020 - 1 ربيع الآخر 1442 02:07 AM

نفقة الزوجة الموظفة..!!

أحمد عجب - الرياض
3 5,178

من أغرب القضايا الأسرية التي وردتني لإبداء الرأي القانوني حولها استغاثة أحد الأزواج من طمع زوجته و"فجورها بالخصومة"، حسب قوله؛ إذ أوضح أنها موظفة؛ وتستلم راتبًا يصل إلى 30 ألف ريال، بينما راتبه لا يتعدى 10 آلاف ريال، ومع هذا ترفض المساهمة معه في مصاريف البيت، وقد منحته مؤخرًا مهلة للتفكير في الموضوع، والمبادرة وديًّا بدفع النفقة المستحقة عليه، سواء كانت لها أو لأبنائها، قبل أن تضطر آسفة لإبلاغ محاميها باتخاذ الإجراءات الرسمية، والشروع بمطالبته وإلزامه عبر القنوات القضائية المختصة، وحينها سيدفع أكثر من مبلغ النفقة المفروض عليه حاليًا، ولن تتنازل عن ريال واحد.. وقد أعذر من أنذر!!

وحتى أكون منصفًا، أنا لم أستمع لأقوال الطرف الآخر (الزوجة)، لكنني حين سألتُ الزوج عن مبرراتها ذكر أنها تتمسك بكون النفقة واجبة شرعًا على الرجل، وأن الراتب الذي تتقاضاه من وظيفتها بالكاد يكفيها لتؤمِّن به مستقبلها مع أبنائها؛ لأن الرجال عمومًا -على حد قولها- (ما لهم أمان). بينما يرى الزوج أنه خسر الكثير من الاهتمام به وبالأبناء بسبب انشغالها بالوظيفة، بل حمَّله ذلك مصاريف إضافية لضمان استمرار الحياة الزوجية، وسد الفجوة الكبيرة التي تخلفها، سواء وهي بالشغل، أو بعد عودتها وخلودها للراحة، أو عند ذهابها للنوم مبكرًا لتستيقظ للدوام.. وكل هذا على حساب واجباتها المنزلية، عطفًا على (شوفة النفس)، ونظرتها الفوقية له، وتهديدها المستمر له بالمحكمة (ترى والله لاشتكيك للقاضي، وأدفّعك اللي وراك واللي قدامك)!

طبعًا سيخرج علينا في هذه الأثناء إنسان موبخًا الزوج: (ما ضيعنا يالرجال إلا اللي شخصيتهم ضعيفة مثلك)، ثم يأتي شخص آخر ليزيحه، ويلوح بسبَّابته: (وحضرتك للحين تداريها يا أخي، طلقها وتزوج غيرها)، فيما يضحك الثالث ساخرًا وهو جالس؛ ليقول متهكمًا: (هه، وش عنده جميل بثينة؟!). مثل هؤلاء الحمقى سيعودون إلى بيوتهم ليناموا هانئين، فيما يتكبد الزوج لو استمع لهرطقاتهم، بجانب خراب بيته، سلسلة طويلة من القضايا المتتابعة: طلاق، حضانة، نفقة، زيارة، أجرة سكن، أجرة حضانة، قضية مدنية للمطالبة بقرض حسن أو بحصة في عقار، وما قد يصحب هذه الحرب الضروس من رسالة سب أو تهديد، فتنتج منها مشاحنات ومفاوضات وقضايا جزائية!!

لقد كانت الحياة الزوجية سكنًا ومودة ورحمة، لكنها بفعل (تخبيب) وجشع بعض النساء مؤخرًا تحولت إلى استثمار طويل الأجل، وأسطول لـ(سلسلة مطالب النفقة) التي لا تنتهي!!

لا شك أن النفقة واجبة شرعًا على الرجل، سواء تجاه زوجته، أو أولاده، ولكن هناك ثغرة يمكن استغلالها، هي أن من أهم شروط النفقة قدرة المنفِق على الإنفاق. وراتب الزوج هنا بالكاد يصل لثلث راتب الزوجة؛ ما يجعله غير قادر على مجاراة كمالياتها وماركاتها التي تتوافق مع برستيجها العالي. وهناك ثغرة أخرى، هي أن (النفقة لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء). وهنا يمكن لـ(منصة تراضي) حين يظهر الزوجان أمامها أن تطلب من الزوجة الموظفة إبراء ذمة زوجها من النفقة المستقبلية متى أرادت إكمال مسيرتها الوظيفية، مع الاستقطاع الآلي لرسم ثابت شهريًّا بواقع نسبة من راتبها ومن راتب الزوج أسوة برسم التأمينات الاجتماعية، ورسم التعطل (ساند)، ورسم إصابة العمل، وأن يحدَّد له حساب بنكي مستقل ومشترك باسم (رسم النفقة المنزلية).

لا شك أن هذا الاقتراح سوف يغضب المرأة الموظفة، لكن غضبها هذا سوف يزول مع الأيام حين تقطف ثمار تضحياتها، وهي لا تزال تعيش مع زوجها وشريك حياتها محاطَيْن بأبنائهما تحت سقف واحد، وكل منهما يتحدث بإعجاب عن تضحية الآخر، ويشكر له مساهماته في بناء (عش الزوجية) قبل أن يُطفئا معًا - وهما يمسكان بأيدي بعضهما - (شمعة عيد زواجهما العشرين)، وقد كُتب على كعكة المناسبة (المرأة ظل الرجل، عليها أن تتبعه، لا أن تقوده).

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020