ماذا لو تمنى ابنك واديًا من ذهب؟!

تعود الأسرة بعد مشوار حافل بالمُفرحات، وما إن يمضي يوم أو حتى ساعة واحدة؛ حتى يسمع الوالدان كلمةً تخسفُ كل جهودهم الترفيهية في لحظة "يووه.. طفش".

تعوّد أطفالنا أن يوفر لهم كل عناصر الترفيه، ورغم جهودنا المضنية في إسعادهم، كثيرًا ما نجدهم يتذمرون بكلماتنا الدارجة:

"طفش.. ملل.. زهق.. ما عندنا زيهم.. ما قد سافرنا هناك".

ولا غرابة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت الأمر صعوبة؛ فقد جعلت من السهل مشاهدة يوميات وجولات المشاهير وكل من هب ودب بكل ما تحمله من ترف وبذخ وسطحية، والأسوأ أن كثيرًا منهم حصروا معنى السعادة في ذلك القالب المادي المؤقت والزائف.

كما باتت أسرار البيوت مكشوفة، ورحلات الأصدقاء والمعارف معلنة باللحظة، ونوعية طعامهم وقهوتهم؛ وحتى غرف نومهم صارت نافذةً مشرعة لكل من أراد المتابعة وملاحقة تفاصيل كل من يعرف ومن لا يعرف!

وهنا سيشقى صاحب القلب المريض، وسيتذمر دائمًا صاحب العين الفارغة؛ لأنه لا يتحمل أن يرى من هم أحسن منه حالًا كما يخيل له، ولا يستطيع أن يمكث في منزله دون زيارة المقهى الفلاني أسوةً بمن يتابع.

اشتكت لي أم ذات مرة من شره أبنائها على وجبات المطاعم وإحراجهم لها أمام الآخرين؛ فصارت توفر كل ما يريدون من وجبات بشكل شبه يومي؛ حتى تمتلئ بطونهم "وما يفشلونها" أمام الناس، ومع ذلك لم يزدد أبناؤها إلا نهمًا في الطعام وإحراجًا لها في زياراتهم..

ولا عجب!

يا ترى..

هل توفير كل ما يرغب أبناؤنا هو الحل لإشباعهم؟!

وهل سيجعلهم ذلك أكثر قناعةً واكتفاءً؟

ويضمن عدم انحرافهم للممنوع مستقبلًا؟!

وهل شراء أغلب الكماليات يُعد من حُسن التربية؟

أو يُعد من واجب الأهل وأداء حقوقهم تجاه أبنائهم؟!

أسئلة مهمة أتمنى أن يسأل كل مربٍّ نفسه قبل متابعة القراءة:

فكم مرة يقول لأبنائه "لا" وكم مرة يقول لهم "نعم" على ما يطلبونه؟

وكيف يتصرف أبناؤه تجاه تلبية طلباتهم أو العكس؟!

"أبغى جوال جديد زي ولد عمي"

"أبغى سيارة تطير مثل فلان"

"ليش ما سفرتونا جزر القمر زي جيراننا؟!"

"نبي نتعشى مطعم اليوم"

"أبي لعبة جديدة"

يا سادة..

من حق أبنائنا علينا حُسن التربية، ومن حسن التربية أن تمنع وترفض حينما يكون الرفض هو الأولى، مهما كانت ردة فعل طفلك حينها.

فكم هو خطر أن ينشأ الطفل والدنيا في قلبه؛ بسبب والدين محبيـن يتسابقان في إشباع رغبات بطنه وجسده وملذاته قبل قلبه وعقله وروحه؛ استجابةً لرغبته أو مخافة أن ينقصه شيء عن أقرانه.

عزيزي المربي..

من الحكمة وتمام الوعي أن تملأ عقول أبنائك بالقناعة والتوازن والرفض الحازم للجشع بدلًا من تنميته.

املأ نفوسهم الصغيرة بحب الإنجاز والتعلم، واجعله المقياس الافتراضي في دواخلهم لمعنى السعادة الحقيقية.

فمَكمن الخطر حين ينشأ الطفل بعين "شرهة" لا تقنع مهما أخذت؛ فيشاهد ويقلد ويطلب، ويتهافت الأهل لإشباع متطلباته المتزايده من أشرطة، وألعاب، وأحذية، ومأكولات، فيزداد سقف الاكتفاء لديه علوًّا؛ حتى يكاد أن يكون بلا نهاية ولا حد ارتواء.

ثم يشتكون بعدها أن التذمر هو حال لسانه!

كن حذرًا؛ فمهما كان مستواك المادي رفيعًا أو بسيطًا، فكر كيف تعطي وكم تعطي لأبنائك، حتى لا تفسدهم بحسن نيتك والإغداق في غير محله.

ما زلت أذكر ردًّا على مقال سابق "ليه عندهم سوني وأنا لا؟!" عندما كنت أشدد بعدم تلبية رغبات الأطفال في توفير الأجهزة فردّ أحدهم: "دام الله أكرمني والله لأشتري لولدي أحسن سوني"!

والمنطق الواعي هنا يقول أكرمهم بأفضل شيء يلبي حاجاتهم النمائية، وبما هو ملائم لأعمارهم، وبما يساهم في تنمية فكرهم وتطوير شخصياتهم؛ فالأفضل لك ليس هو الأفضل لهم، والأفضل لطفل في الثامنة ليس هو الأفضل لطفل في الثالثة!

فكن حكيمًا، ولا تساويهم في العطاء؛ بل كن عادلًا في المنح، وليكن مصدره قناعاتك وقيمك ومصلحة طفلك فوق كل اعتبار.

أعزائي..

إن من حاجات الطفل النمائية مهما كان مستوى ظروف والديه، أن يعيش في بيئة تحكمها قوانين وأمور مسموحة وأخرى ممنوعة، ويحتاج أن يسمع كلمة "لا" تمامًا كما يحتاج لكلمة "نعم"؛ فالمنع الدائم مرفوض؛ لأنه يجعل الأطفال يكبرون وبداخلهم حاجة ملحة قد تنفجر عند الكبر بصورة عكسية.

والعطاء الدائم مرفوض كذلك؛ فهو يجعل الأشياء بلا طعم وسرعان ما تفقد بريقها ثم يحل محلها الملل، فتبدأ المطالب لكسر ذلك الفتور برغبة أخرى ومطلب جديد!!

ويدور الأهل وبنيهم في دائرة مفرغة من التمني وتلبية الرغبات ثم الفتور والتذمر الذي يسوق الأهل لترفيه آخر لعله يدفع ما أصابهم، والواقع أن الاستجابة دائمًا تجعل الإرضاء أصعب في كل مرة!

إذن كيف نتصرف؟

الحل عزيزي القارئ هو التنظيم؛ "كل شيء بوقته حلو"، فما ألذ الطعام بعد الصيام، وما أجمل الشيء بعد الانتظار، وما أحلى اللقاء بعد طول غياب؛ فندرة الشيء تمنحه وقعًا خاصًّا في النفس.

أتذكر كيف كنا صغارًا نوفر الأحاديث والأخبار حتى نجتمع في نهاية الأسبوع ليكون للقاء طعم ومتعة!

إذن متع نفسك وأبناءك في حدود الشرع والعمر والوقت والمناسبة، فليس بالضروري أن يشتري كل ما يريد عند كل زيارة للسوبرماركت مثلًا.

ولا بأس أن تتكرر على مسامعهم مقولة عمر بن الخطاب:

"أكلما اشتهيت اشتريت"!

فهذا ما يسمى بتربية النفس وضبطها؛ فصغير ينشأ أن يشتري كل ما يشتهي؛ سيصبح بالغًا يربط سعادته بالماديات، وما خلقنا لذلك!

أعزائي المربين..

التربية مواقف؛ فلا تسكت عندما يتمتم طفلك بعدم الرضا، بل حاوره وناقشه وعلمه نصيحة نبينا عليه السلام: "من رضي له الرضى ومن سخط فله السخط"، وكيف أن نِعَم الله تدوم بالشكر، وقرّب الفكرة بقولك: "أرأيت لو كنت راضيًا بعد مشوار لنا سأكون سعيدًا وأشتاق للخروج معك مرة أخرى، والعكس فلو تذمرت لن أتشجع لأخذك مرة أخرى"، ولله المثل الأعلى.

فالغنى غنى النفس، والطمأنينة حالة مستمرة من السعادة الداخلية لا تزيد بالمال ولا بالسفر ولا بالطعام؛ بل "الرضى" هو سبيلها الوحيد؛ فليكن ذاك ما تسعى لتعليمه لأطفالك ونفسك قبل أي شيء؛ فيكونوا بإذن الله أشخاصًا لا تقودهم رغباتهم التي لا تنتهي بل عقولهم العظيمة.

إنها معانٍ سامية وغرسها يجب أن يكون محط اهتمام وجهد مستمر.

ولنتذكر كلما ضعفت نفوسنا لتلبية ما يريدون، قوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب)، صدق الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.

19

23 يوليو 2019 - 20 ذو القعدة 1440 09:00 AM

ماذا لو تمنى ابنك واديًا من ذهب؟!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
0 1,639

تعود الأسرة بعد مشوار حافل بالمُفرحات، وما إن يمضي يوم أو حتى ساعة واحدة؛ حتى يسمع الوالدان كلمةً تخسفُ كل جهودهم الترفيهية في لحظة "يووه.. طفش".

تعوّد أطفالنا أن يوفر لهم كل عناصر الترفيه، ورغم جهودنا المضنية في إسعادهم، كثيرًا ما نجدهم يتذمرون بكلماتنا الدارجة:

"طفش.. ملل.. زهق.. ما عندنا زيهم.. ما قد سافرنا هناك".

ولا غرابة أن وسائل التواصل الاجتماعي قد زادت الأمر صعوبة؛ فقد جعلت من السهل مشاهدة يوميات وجولات المشاهير وكل من هب ودب بكل ما تحمله من ترف وبذخ وسطحية، والأسوأ أن كثيرًا منهم حصروا معنى السعادة في ذلك القالب المادي المؤقت والزائف.

كما باتت أسرار البيوت مكشوفة، ورحلات الأصدقاء والمعارف معلنة باللحظة، ونوعية طعامهم وقهوتهم؛ وحتى غرف نومهم صارت نافذةً مشرعة لكل من أراد المتابعة وملاحقة تفاصيل كل من يعرف ومن لا يعرف!

وهنا سيشقى صاحب القلب المريض، وسيتذمر دائمًا صاحب العين الفارغة؛ لأنه لا يتحمل أن يرى من هم أحسن منه حالًا كما يخيل له، ولا يستطيع أن يمكث في منزله دون زيارة المقهى الفلاني أسوةً بمن يتابع.

اشتكت لي أم ذات مرة من شره أبنائها على وجبات المطاعم وإحراجهم لها أمام الآخرين؛ فصارت توفر كل ما يريدون من وجبات بشكل شبه يومي؛ حتى تمتلئ بطونهم "وما يفشلونها" أمام الناس، ومع ذلك لم يزدد أبناؤها إلا نهمًا في الطعام وإحراجًا لها في زياراتهم..

ولا عجب!

يا ترى..

هل توفير كل ما يرغب أبناؤنا هو الحل لإشباعهم؟!

وهل سيجعلهم ذلك أكثر قناعةً واكتفاءً؟

ويضمن عدم انحرافهم للممنوع مستقبلًا؟!

وهل شراء أغلب الكماليات يُعد من حُسن التربية؟

أو يُعد من واجب الأهل وأداء حقوقهم تجاه أبنائهم؟!

أسئلة مهمة أتمنى أن يسأل كل مربٍّ نفسه قبل متابعة القراءة:

فكم مرة يقول لأبنائه "لا" وكم مرة يقول لهم "نعم" على ما يطلبونه؟

وكيف يتصرف أبناؤه تجاه تلبية طلباتهم أو العكس؟!

"أبغى جوال جديد زي ولد عمي"

"أبغى سيارة تطير مثل فلان"

"ليش ما سفرتونا جزر القمر زي جيراننا؟!"

"نبي نتعشى مطعم اليوم"

"أبي لعبة جديدة"

يا سادة..

من حق أبنائنا علينا حُسن التربية، ومن حسن التربية أن تمنع وترفض حينما يكون الرفض هو الأولى، مهما كانت ردة فعل طفلك حينها.

فكم هو خطر أن ينشأ الطفل والدنيا في قلبه؛ بسبب والدين محبيـن يتسابقان في إشباع رغبات بطنه وجسده وملذاته قبل قلبه وعقله وروحه؛ استجابةً لرغبته أو مخافة أن ينقصه شيء عن أقرانه.

عزيزي المربي..

من الحكمة وتمام الوعي أن تملأ عقول أبنائك بالقناعة والتوازن والرفض الحازم للجشع بدلًا من تنميته.

املأ نفوسهم الصغيرة بحب الإنجاز والتعلم، واجعله المقياس الافتراضي في دواخلهم لمعنى السعادة الحقيقية.

فمَكمن الخطر حين ينشأ الطفل بعين "شرهة" لا تقنع مهما أخذت؛ فيشاهد ويقلد ويطلب، ويتهافت الأهل لإشباع متطلباته المتزايده من أشرطة، وألعاب، وأحذية، ومأكولات، فيزداد سقف الاكتفاء لديه علوًّا؛ حتى يكاد أن يكون بلا نهاية ولا حد ارتواء.

ثم يشتكون بعدها أن التذمر هو حال لسانه!

كن حذرًا؛ فمهما كان مستواك المادي رفيعًا أو بسيطًا، فكر كيف تعطي وكم تعطي لأبنائك، حتى لا تفسدهم بحسن نيتك والإغداق في غير محله.

ما زلت أذكر ردًّا على مقال سابق "ليه عندهم سوني وأنا لا؟!" عندما كنت أشدد بعدم تلبية رغبات الأطفال في توفير الأجهزة فردّ أحدهم: "دام الله أكرمني والله لأشتري لولدي أحسن سوني"!

والمنطق الواعي هنا يقول أكرمهم بأفضل شيء يلبي حاجاتهم النمائية، وبما هو ملائم لأعمارهم، وبما يساهم في تنمية فكرهم وتطوير شخصياتهم؛ فالأفضل لك ليس هو الأفضل لهم، والأفضل لطفل في الثامنة ليس هو الأفضل لطفل في الثالثة!

فكن حكيمًا، ولا تساويهم في العطاء؛ بل كن عادلًا في المنح، وليكن مصدره قناعاتك وقيمك ومصلحة طفلك فوق كل اعتبار.

أعزائي..

إن من حاجات الطفل النمائية مهما كان مستوى ظروف والديه، أن يعيش في بيئة تحكمها قوانين وأمور مسموحة وأخرى ممنوعة، ويحتاج أن يسمع كلمة "لا" تمامًا كما يحتاج لكلمة "نعم"؛ فالمنع الدائم مرفوض؛ لأنه يجعل الأطفال يكبرون وبداخلهم حاجة ملحة قد تنفجر عند الكبر بصورة عكسية.

والعطاء الدائم مرفوض كذلك؛ فهو يجعل الأشياء بلا طعم وسرعان ما تفقد بريقها ثم يحل محلها الملل، فتبدأ المطالب لكسر ذلك الفتور برغبة أخرى ومطلب جديد!!

ويدور الأهل وبنيهم في دائرة مفرغة من التمني وتلبية الرغبات ثم الفتور والتذمر الذي يسوق الأهل لترفيه آخر لعله يدفع ما أصابهم، والواقع أن الاستجابة دائمًا تجعل الإرضاء أصعب في كل مرة!

إذن كيف نتصرف؟

الحل عزيزي القارئ هو التنظيم؛ "كل شيء بوقته حلو"، فما ألذ الطعام بعد الصيام، وما أجمل الشيء بعد الانتظار، وما أحلى اللقاء بعد طول غياب؛ فندرة الشيء تمنحه وقعًا خاصًّا في النفس.

أتذكر كيف كنا صغارًا نوفر الأحاديث والأخبار حتى نجتمع في نهاية الأسبوع ليكون للقاء طعم ومتعة!

إذن متع نفسك وأبناءك في حدود الشرع والعمر والوقت والمناسبة، فليس بالضروري أن يشتري كل ما يريد عند كل زيارة للسوبرماركت مثلًا.

ولا بأس أن تتكرر على مسامعهم مقولة عمر بن الخطاب:

"أكلما اشتهيت اشتريت"!

فهذا ما يسمى بتربية النفس وضبطها؛ فصغير ينشأ أن يشتري كل ما يشتهي؛ سيصبح بالغًا يربط سعادته بالماديات، وما خلقنا لذلك!

أعزائي المربين..

التربية مواقف؛ فلا تسكت عندما يتمتم طفلك بعدم الرضا، بل حاوره وناقشه وعلمه نصيحة نبينا عليه السلام: "من رضي له الرضى ومن سخط فله السخط"، وكيف أن نِعَم الله تدوم بالشكر، وقرّب الفكرة بقولك: "أرأيت لو كنت راضيًا بعد مشوار لنا سأكون سعيدًا وأشتاق للخروج معك مرة أخرى، والعكس فلو تذمرت لن أتشجع لأخذك مرة أخرى"، ولله المثل الأعلى.

فالغنى غنى النفس، والطمأنينة حالة مستمرة من السعادة الداخلية لا تزيد بالمال ولا بالسفر ولا بالطعام؛ بل "الرضى" هو سبيلها الوحيد؛ فليكن ذاك ما تسعى لتعليمه لأطفالك ونفسك قبل أي شيء؛ فيكونوا بإذن الله أشخاصًا لا تقودهم رغباتهم التي لا تنتهي بل عقولهم العظيمة.

إنها معانٍ سامية وغرسها يجب أن يكون محط اهتمام وجهد مستمر.

ولنتذكر كلما ضعفت نفوسنا لتلبية ما يريدون، قوله صلى الله عليه وسلم: (لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب)، صدق الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019