اقتصاد الثقافة.. آفاق وتحديات

من المصطلحات التي تتردد بقوة في وسائل الإعلام مصطلح (اقتصاد الثقافة)، فهل يمكن أن تصبح الثقافة رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني؟! وهل يمكن أن يتحول الفكر والثقافة إلى صناعة اقتصادية، تخضع لتقاليد العرض والطلب، ويكون لها أعمال وإمكانات وأسواق محددة على غرار بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى؟ وهل يمكن إخراج المثقفين من صوامعهم الفكرية والثقافية، وإدماجهم بشكل أو بآخر في قطار الاقتصاد؟ ثم هل من المصلحة أن يتم إخراج الثقافة من سياقاتها الاجتماعية والمعرفية والتعليمية والتوجيهية؛ لتصبح فعاليات اقتصادية؟!

من الطبيعي أن يركز الاقتصاديون اهتمامهم على الربح، وتحقيق التنمية بمنظورها المادي. ومن الطبيعي أيضًا أن يكرسوا جُل اهتمامهم لما يتطلبه ذلك من تسويق وترويج للسلع والبضائع؛ فالعملية الاقتصادية تدور حول تحقيق المكاسب المادية، وتسويق البضائع للمستهلك.. ولكن في الحقيقة لم تعد الثقافة عملاً فكريًّا مجردًا نقوم بإنتاجه لتحقيق المتعة العقلية وحسب، أو تحقيق الرضا النفسي فقط، بل إن الثقافة بمعناها الواسع الآن هي جزء لا يتجزأ من نشاط واسع منظَّم، يقوم به أفراد وجهات كثيرة ومتنوعة لتحقيق التأثير المطلوب في البناء الاجتماعي والتربوي والتعليمي والقيمي في المجتمع؛ فالثقافة الآن ليست ترفًا فكريًّا تهتم به النخب في المجتمع، بل هي مُعطَى جوهري في التوليفة المعاصرة لصياغة وجدان الناس، وبناء ميولهم، وتشكيل قناعاتهم المختلفة. ولا شك أن الثقافة لها تأثير مهم، وخصوصًا فيما يتعلق بالهيمنة غير المباشرة على أفكار الناس وعواطفهم وتصرفاتهم، وتوجيه أنماط السلوك البشري في مختلف جوانب الحياة المعاصرة.

إننا نعيش حاليًا في ظل ثقافة العولمة، وثورة المعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي.. وتتنافس القوى العالمية بوسائل الثقافة الناعمة عبر التأثير على عقول الناس في قناعاتهم وأفكارهم وأنماط عيشهم. وحتى تصمد الثقافة الوطنية في أي مجتمع، وتستطيع الحفاظ على الهوية الدينية والخصوصية الثقافية لهذا المجتمع، فهي تحتاج لجهد كبير وعمل جاد متواصل، ومخططين استراتيجيين، يدركون أهمية وجود بنى مؤسسية لهذه الثقافة، وتشريعات قانونية واضحة وحازمة، تؤمِّن الحماية المطلوبة للثقافة الوطنية. وقبل ذلك وبعده هي تحتاج إلى عقول مبدعة قادرة على بناء صناعة ثقافية ناضجة قادرة على المنافسة في الأسواق الثقافية، وإقناع المستفيدين، وتلبية احتياجاتهم بمنتج ثقافي أصيل ومتميز.

وكثيرون يتساءلون: هل يمكننا في المملكة العربية السعودية القيام بعمل يجمع بين الثقافة والاقتصاد، وجعلهما يسيران معًا في اتجاه واحد، يستثمر الفعاليات والمقومات الثقافية المختلفة التي نمتلكها؟

في الواقع الجميع متفائل بالجهود الرائعة التي تبذلها وزارة الثقافة، وعلى رأسها صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود؛ فهذه الوزارة الواعدة تقوم تحت قيادته بجهود كبيرة للاستثمار الاقتصادي فيما تمتلكه مملكتنا الحبيبة من مقومات وإمكانات ثقافية كثيرة، وبما ينعكس إيجابيًّا في عجلة التنمية الاقتصادية في المجتمع كله.

بقي أن أشير - أخيرًا - إلى نقطة يثيرها بعض المهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي، هي التخوف من فكرة ترك الشأن الثقافي لمحددات ومتغيرات السوق. ويبدي البعض شكوكهم في القدرة على عقد مواءمة منصفة بين الاقتصاد والثقافة دون أن يجور أحدهما على الآخر.

وحتى لا تصبح الثقافة تحت رحمة الاقتصاد يمكن إيجاد طرق عديدة لدعم جانب من جوانب أنشطة الاقتصاد الثقافي؛ فيمكن إنشاء شركات مساهمة، تخوض مجالات ثقافية عدة، كالإنتاج السينمائي، والمعارض الثقافية المتنوعة، كمعارض الكتاب والمتاحف. كما يمكن أن تُسهم البنوك في تنمية اقتصاد الثقافة ودعمه، ولاسيما في مراحله الأولى؛ إذ بإمكانها أن تخصص نسبة محددة - تقررها معطيات السوق - لدعم الإنتاج الثقافي، أو دعم الجمعيات والأندية الثقافية؛ لتتمكن بنفسها من القيام بإنتاجها الثقافي، وتسويقه، والارتقاء به من الناحيتَيْن الثقافية والاقتصادية.

غسان عسيلان

1

16 نوفمبر 2020 - 1 ربيع الآخر 1442 01:56 AM

اقتصاد الثقافة.. آفاق وتحديات

غسان محمد عسيلان - الرياض
0 243

من المصطلحات التي تتردد بقوة في وسائل الإعلام مصطلح (اقتصاد الثقافة)، فهل يمكن أن تصبح الثقافة رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني؟! وهل يمكن أن يتحول الفكر والثقافة إلى صناعة اقتصادية، تخضع لتقاليد العرض والطلب، ويكون لها أعمال وإمكانات وأسواق محددة على غرار بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى؟ وهل يمكن إخراج المثقفين من صوامعهم الفكرية والثقافية، وإدماجهم بشكل أو بآخر في قطار الاقتصاد؟ ثم هل من المصلحة أن يتم إخراج الثقافة من سياقاتها الاجتماعية والمعرفية والتعليمية والتوجيهية؛ لتصبح فعاليات اقتصادية؟!

من الطبيعي أن يركز الاقتصاديون اهتمامهم على الربح، وتحقيق التنمية بمنظورها المادي. ومن الطبيعي أيضًا أن يكرسوا جُل اهتمامهم لما يتطلبه ذلك من تسويق وترويج للسلع والبضائع؛ فالعملية الاقتصادية تدور حول تحقيق المكاسب المادية، وتسويق البضائع للمستهلك.. ولكن في الحقيقة لم تعد الثقافة عملاً فكريًّا مجردًا نقوم بإنتاجه لتحقيق المتعة العقلية وحسب، أو تحقيق الرضا النفسي فقط، بل إن الثقافة بمعناها الواسع الآن هي جزء لا يتجزأ من نشاط واسع منظَّم، يقوم به أفراد وجهات كثيرة ومتنوعة لتحقيق التأثير المطلوب في البناء الاجتماعي والتربوي والتعليمي والقيمي في المجتمع؛ فالثقافة الآن ليست ترفًا فكريًّا تهتم به النخب في المجتمع، بل هي مُعطَى جوهري في التوليفة المعاصرة لصياغة وجدان الناس، وبناء ميولهم، وتشكيل قناعاتهم المختلفة. ولا شك أن الثقافة لها تأثير مهم، وخصوصًا فيما يتعلق بالهيمنة غير المباشرة على أفكار الناس وعواطفهم وتصرفاتهم، وتوجيه أنماط السلوك البشري في مختلف جوانب الحياة المعاصرة.

إننا نعيش حاليًا في ظل ثقافة العولمة، وثورة المعلومات، ووسائل التواصل الاجتماعي.. وتتنافس القوى العالمية بوسائل الثقافة الناعمة عبر التأثير على عقول الناس في قناعاتهم وأفكارهم وأنماط عيشهم. وحتى تصمد الثقافة الوطنية في أي مجتمع، وتستطيع الحفاظ على الهوية الدينية والخصوصية الثقافية لهذا المجتمع، فهي تحتاج لجهد كبير وعمل جاد متواصل، ومخططين استراتيجيين، يدركون أهمية وجود بنى مؤسسية لهذه الثقافة، وتشريعات قانونية واضحة وحازمة، تؤمِّن الحماية المطلوبة للثقافة الوطنية. وقبل ذلك وبعده هي تحتاج إلى عقول مبدعة قادرة على بناء صناعة ثقافية ناضجة قادرة على المنافسة في الأسواق الثقافية، وإقناع المستفيدين، وتلبية احتياجاتهم بمنتج ثقافي أصيل ومتميز.

وكثيرون يتساءلون: هل يمكننا في المملكة العربية السعودية القيام بعمل يجمع بين الثقافة والاقتصاد، وجعلهما يسيران معًا في اتجاه واحد، يستثمر الفعاليات والمقومات الثقافية المختلفة التي نمتلكها؟

في الواقع الجميع متفائل بالجهود الرائعة التي تبذلها وزارة الثقافة، وعلى رأسها صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود؛ فهذه الوزارة الواعدة تقوم تحت قيادته بجهود كبيرة للاستثمار الاقتصادي فيما تمتلكه مملكتنا الحبيبة من مقومات وإمكانات ثقافية كثيرة، وبما ينعكس إيجابيًّا في عجلة التنمية الاقتصادية في المجتمع كله.

بقي أن أشير - أخيرًا - إلى نقطة يثيرها بعض المهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي، هي التخوف من فكرة ترك الشأن الثقافي لمحددات ومتغيرات السوق. ويبدي البعض شكوكهم في القدرة على عقد مواءمة منصفة بين الاقتصاد والثقافة دون أن يجور أحدهما على الآخر.

وحتى لا تصبح الثقافة تحت رحمة الاقتصاد يمكن إيجاد طرق عديدة لدعم جانب من جوانب أنشطة الاقتصاد الثقافي؛ فيمكن إنشاء شركات مساهمة، تخوض مجالات ثقافية عدة، كالإنتاج السينمائي، والمعارض الثقافية المتنوعة، كمعارض الكتاب والمتاحف. كما يمكن أن تُسهم البنوك في تنمية اقتصاد الثقافة ودعمه، ولاسيما في مراحله الأولى؛ إذ بإمكانها أن تخصص نسبة محددة - تقررها معطيات السوق - لدعم الإنتاج الثقافي، أو دعم الجمعيات والأندية الثقافية؛ لتتمكن بنفسها من القيام بإنتاجها الثقافي، وتسويقه، والارتقاء به من الناحيتَيْن الثقافية والاقتصادية.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020