الميت أبقى من الحي..!

ما زال بعضنا يردد المثل المصري الشهير (الحي أبقى من الميت) كلما أردنا مواساة شخص فَقَد إنسانًا غاليًا عليه ظنًّا منا أن الاهتمام بالأحياء والحرص عليهم مقدَّم على الاهتمام بالموتى، وأن الحي يحظى بالنصيب الأوفر من الرعاية بما يؤمِّن له الحياة الكريمة، في حين أن الواقع الذي نعيشه على النقيض تمامًا، وكل يوم يثبت لنا أن الميت أوفر حظًّا؛ فحتى أشد الخصوم ضراوة له يتركون مصالحهم فور سماع خبر وفاته، ويتهيؤون لحضور مراسم الدفن والعزاء متضرعين إلى الله سبحانه بالدعاء الصادق "اللهم نوِّر قبره، وآنس وحشته، وسامحه، وتجاوز عنه".

حتى الوسط الثقافي والاجتماعي الذي طالما غذّاه بأعماله الأدبية وأفعاله الخيّرة، ولم يتلقَّ عنها بحياته أي درع تكريم، ما إن يُذاع خبر وفاته حتى يتصدر اسمه ترند (الهاشتاق)، وتُفرد له المانشتات العريضة بالجرائد، ويتسابق المشاهير والإعلاميون وعامة الناس إلى تأبينه، وذكر محاسنه!

حتى (ساهر) الذي يلاحق السائق بالمخالفات المروية طوال حياته، ولا يتأخر عن إبلاغه حين يتجاوز رصيده العشرين ألفًا بإحالته للمحكمة للنظر بإيقاف خدماته، ما إن ينمو لعلمه خبر مفارقته الحياة حتى يرق وميضه، ويبادر بتطبيق المادة الـ79 الفقرة الـ2 من نظام المرور بإسقاط المخالفات المرورية كافة التي لم يسددها!

وحتى معاش التقاعد الذي طالما تمناه بحياته ليرتاح من العمل يظل مقيدًا بمدة الخدمة التي يجب أن لا تقل عن 20 و25 سنة، وبمجرد أن تصعد روحه للسماء يتم إبلاغ حرمه ومَن يعولهم بأنه يستحق معاشًا مهما كانت مدة الخدمة، سواء عبر مؤسسة التقاعد أو التأمينات الاجتماعية، وذلك بنسبة ٤٠ % من آخر راتب تقاضاه، أو بنسبة ٨٠ % إذا كانت الوفاة أثناء العمل أو بسببه!

والبنك الذي اقترض منه، الذي كان ينتظر منه في حياته التأخر فقط عن سداد قسط واحد لينفذ عليه كامل المديونية، ما إن يُشعره الورثة بموت (المدين) حتى يُسقط عنه كامل المبلغ المتبقي (ويعود على شركة التأمين) ما لم تكن وفاته عائدة لانتحاره أو إلحاقه الأذى بنفسه!

حتى ذلك الابن العاق الذي فشلت معه كل الحلول لتقويمه ما إن يُصعق بخبر الوفاة حتى يستحيل إنسانًا آخر منطويًا على نفسه، كل طموحه بالحياة بناء مسجد يحمل اسم الفقيد. حتى تلك الزوجة النكدية التي لا يستريح لسانها من الطلبات والشكاوى ما إن ترى جثمانه مسجى على الأرض حتى تنهار نائحة مرتدية الأسود حزنًا على فقدانه واستعدادًا لفترة الحداد عليه 4 أشهر وعشرًا!

حتى الأصدقاء الذين هجروه يبكونه.. حتى الشركة التي رفضت طلبه سلفة من الراتب تبادر بتحمُّل تكاليف نقل جثمانه ومصاريف عزائه.. حتى صندوق التنمية العقاري الذي عاش عمره يحلم به (وما مداه يفرح فيه) ما إن تُعلَن وفاته حتى يعفيه من بقية الأقساط.. حتى ذلك الإنسان المبتلى الذي قدَّر الله عليه أن يتسبب بجريمة، ويكون الأمل ضعيفًا بتخفيف مدة العقوبة، بمجرد وفاته تنقضي الدعوى الجزائية العامة، ولا يعاقَب بدنيًّا ولا ماليًّا لتعذر ذلك بوفاته!

ألم يكن الأجدر تقديم كل هذه التنازلات والعطايا بحياة الإنسان، بما يخفف عنه الضغوط المادية والنفسية التي عرَّضته للأمراض المزمنة، وعجَّلت بوفاته؟! ألم يكن الأولى الحد من ملاحقته حيًّا بدلاً من (قتل القتيل والمشي في جنازته)؟! ألم يكن الأفضل ونحن نلقي النظرة الأخيرة على الميت أن نواسيه على حال أحبته الذين قدر الله عليهم - ولا يزالون على قيد الحياة - بأن نتمتم بأنفسنا قائلين (الميت أبقى من الحي)؟!!

أحمد عجب

20

05 يوليو 2020 - 14 ذو القعدة 1441 11:40 PM

الميت أبقى من الحي..!

أحمد عجب - الرياض
3 5,131

ما زال بعضنا يردد المثل المصري الشهير (الحي أبقى من الميت) كلما أردنا مواساة شخص فَقَد إنسانًا غاليًا عليه ظنًّا منا أن الاهتمام بالأحياء والحرص عليهم مقدَّم على الاهتمام بالموتى، وأن الحي يحظى بالنصيب الأوفر من الرعاية بما يؤمِّن له الحياة الكريمة، في حين أن الواقع الذي نعيشه على النقيض تمامًا، وكل يوم يثبت لنا أن الميت أوفر حظًّا؛ فحتى أشد الخصوم ضراوة له يتركون مصالحهم فور سماع خبر وفاته، ويتهيؤون لحضور مراسم الدفن والعزاء متضرعين إلى الله سبحانه بالدعاء الصادق "اللهم نوِّر قبره، وآنس وحشته، وسامحه، وتجاوز عنه".

حتى الوسط الثقافي والاجتماعي الذي طالما غذّاه بأعماله الأدبية وأفعاله الخيّرة، ولم يتلقَّ عنها بحياته أي درع تكريم، ما إن يُذاع خبر وفاته حتى يتصدر اسمه ترند (الهاشتاق)، وتُفرد له المانشتات العريضة بالجرائد، ويتسابق المشاهير والإعلاميون وعامة الناس إلى تأبينه، وذكر محاسنه!

حتى (ساهر) الذي يلاحق السائق بالمخالفات المروية طوال حياته، ولا يتأخر عن إبلاغه حين يتجاوز رصيده العشرين ألفًا بإحالته للمحكمة للنظر بإيقاف خدماته، ما إن ينمو لعلمه خبر مفارقته الحياة حتى يرق وميضه، ويبادر بتطبيق المادة الـ79 الفقرة الـ2 من نظام المرور بإسقاط المخالفات المرورية كافة التي لم يسددها!

وحتى معاش التقاعد الذي طالما تمناه بحياته ليرتاح من العمل يظل مقيدًا بمدة الخدمة التي يجب أن لا تقل عن 20 و25 سنة، وبمجرد أن تصعد روحه للسماء يتم إبلاغ حرمه ومَن يعولهم بأنه يستحق معاشًا مهما كانت مدة الخدمة، سواء عبر مؤسسة التقاعد أو التأمينات الاجتماعية، وذلك بنسبة ٤٠ % من آخر راتب تقاضاه، أو بنسبة ٨٠ % إذا كانت الوفاة أثناء العمل أو بسببه!

والبنك الذي اقترض منه، الذي كان ينتظر منه في حياته التأخر فقط عن سداد قسط واحد لينفذ عليه كامل المديونية، ما إن يُشعره الورثة بموت (المدين) حتى يُسقط عنه كامل المبلغ المتبقي (ويعود على شركة التأمين) ما لم تكن وفاته عائدة لانتحاره أو إلحاقه الأذى بنفسه!

حتى ذلك الابن العاق الذي فشلت معه كل الحلول لتقويمه ما إن يُصعق بخبر الوفاة حتى يستحيل إنسانًا آخر منطويًا على نفسه، كل طموحه بالحياة بناء مسجد يحمل اسم الفقيد. حتى تلك الزوجة النكدية التي لا يستريح لسانها من الطلبات والشكاوى ما إن ترى جثمانه مسجى على الأرض حتى تنهار نائحة مرتدية الأسود حزنًا على فقدانه واستعدادًا لفترة الحداد عليه 4 أشهر وعشرًا!

حتى الأصدقاء الذين هجروه يبكونه.. حتى الشركة التي رفضت طلبه سلفة من الراتب تبادر بتحمُّل تكاليف نقل جثمانه ومصاريف عزائه.. حتى صندوق التنمية العقاري الذي عاش عمره يحلم به (وما مداه يفرح فيه) ما إن تُعلَن وفاته حتى يعفيه من بقية الأقساط.. حتى ذلك الإنسان المبتلى الذي قدَّر الله عليه أن يتسبب بجريمة، ويكون الأمل ضعيفًا بتخفيف مدة العقوبة، بمجرد وفاته تنقضي الدعوى الجزائية العامة، ولا يعاقَب بدنيًّا ولا ماليًّا لتعذر ذلك بوفاته!

ألم يكن الأجدر تقديم كل هذه التنازلات والعطايا بحياة الإنسان، بما يخفف عنه الضغوط المادية والنفسية التي عرَّضته للأمراض المزمنة، وعجَّلت بوفاته؟! ألم يكن الأولى الحد من ملاحقته حيًّا بدلاً من (قتل القتيل والمشي في جنازته)؟! ألم يكن الأفضل ونحن نلقي النظرة الأخيرة على الميت أن نواسيه على حال أحبته الذين قدر الله عليهم - ولا يزالون على قيد الحياة - بأن نتمتم بأنفسنا قائلين (الميت أبقى من الحي)؟!!

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020