العنصرية والثقافة

شهدت مدينة منيابولس الأمريكية منذ شهر تقربيًا حادثًا عنصريًّا أليمًا؛ إذ قُتل رجل أسود، يُدعى (جورج فلويد)، على يد شرطي أبيض أثناء القبض عليه بسبب ورقة مالية مزورة من فئة العشرين دولارًا. وطرح الشرطي الرجل أرضًا، مع أنه لم يكن يقاوم، وجثم عليه الشرطي بكل ثقله، ووطئ عنقه بقسوة. ورغم توسلاته ليدعه يتنفس كي لا يموت إلا أن الشرطي عامله بمنتهى العنف دون رحمة أو شفقة؛ وهذا ما أدى إلى اجتياح معظم الولايات الأمريكية بموجة من الغضب العارم.

وتقوم أمريكا على أساس التنوع، لكن لماذا تتكرر فيها الأحداث العنصرية بين الفينة والأخرى؟! ولماذا يعتدي البيض على السود في أحداث كثيرة، ويستخدمون ضدهم أساليب عنف مفرطة؟ والسؤال الأكثر أهمية هنا هو: هل انتهت بالفعل ثقافة العبودية في العقلية الأمريكية؟ وهل زالت أشكال العنصرية التي تمارَس انطلاقًا من ذلك؟ الحق إن العنصرية في أمريكا وفي غيرها من الدول هي قضية ثقافية في المقام الأول؛ فهي ثقافة مغروسة في اللاوعي عند بعض الشعوب. فمثلاً العرق الأبيض يؤمن إيمانًا عميقًا بتفوقه وتميزه العقلي؛ ومن هنا يتملك الشخص المنحدر من هذا العرق شعورًا عميقًا بالتفوق على غيره.

وقد شاعت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي نظرية تزعم تفوق الشخص المنحدر من العرق الآري. وبناء على هذه النظرية شعر الألمان والأوروبيون الشماليون بالتفوق على الآخرين. وانتشرت هذه الفكرة على نطاق واسع في الثقافة الشعبية في أوائل القرن العشرين الميلادي، وتردد صداها بقوة في كتاب (أجناس أوروبا) الذي ألّفه الكاتب (كارلتون ستيفنز كون) عام 1939م، وتم توظيف هذه النظرية بشكل عنصري لدوافع سياسية معينة، وتم حشد الشعوب الأوروبية المنتمية للعرق الآري لخوض الحرب العالمية الثانية لتحقيق مصالح هذا العرق.

إذن، العنصرية ذلك المرض المقيت الذي تعاني منه البشرية، وتظهر آثاره المؤلمة في جميع أنحاء العالم، وإن كان بصور ودرجات متفاوتة، نجدها متجذرة في أعماق ثقافات الشعوب المختلفة، ويترتب على ذلك وجود الممارسات العنصرية المخالفة للقانون بشكل مؤثر في مختلف المجتمعات.

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي قدم حلاً ناجعًا لمشكلة العنصرية؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي حجة الوداع قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب".

إن العنصرية مرض خطير متجذر في أعماق النفس البشرية، وينبغي علاج هذا المرض بشكل علمي، ولا يُكتفى بعلاج أعراضه بالمسكنات فقط، بل يجب أن تتكاتف كل الجهود لمكافحة العنصرية، ومعالجتها معالجة حقيقية، تضمن حفظ مصلحة الجميع، وحماية حقوقهم. وعلاج مشكلة العنصرية لا يمكن أن يكون بشكل أمني فقط، ولن تنتهي هذه المشكلة إلا إذا تم التعامل معها كقضية ثقافية، تشكّل خطرًا داهمًا على البشر جميعًا.

غسان عسيلان

1

22 يونيو 2020 - 1 ذو القعدة 1441 01:38 AM

العنصرية والثقافة

غسان محمد عسيلان - الرياض
0 847

شهدت مدينة منيابولس الأمريكية منذ شهر تقربيًا حادثًا عنصريًّا أليمًا؛ إذ قُتل رجل أسود، يُدعى (جورج فلويد)، على يد شرطي أبيض أثناء القبض عليه بسبب ورقة مالية مزورة من فئة العشرين دولارًا. وطرح الشرطي الرجل أرضًا، مع أنه لم يكن يقاوم، وجثم عليه الشرطي بكل ثقله، ووطئ عنقه بقسوة. ورغم توسلاته ليدعه يتنفس كي لا يموت إلا أن الشرطي عامله بمنتهى العنف دون رحمة أو شفقة؛ وهذا ما أدى إلى اجتياح معظم الولايات الأمريكية بموجة من الغضب العارم.

وتقوم أمريكا على أساس التنوع، لكن لماذا تتكرر فيها الأحداث العنصرية بين الفينة والأخرى؟! ولماذا يعتدي البيض على السود في أحداث كثيرة، ويستخدمون ضدهم أساليب عنف مفرطة؟ والسؤال الأكثر أهمية هنا هو: هل انتهت بالفعل ثقافة العبودية في العقلية الأمريكية؟ وهل زالت أشكال العنصرية التي تمارَس انطلاقًا من ذلك؟ الحق إن العنصرية في أمريكا وفي غيرها من الدول هي قضية ثقافية في المقام الأول؛ فهي ثقافة مغروسة في اللاوعي عند بعض الشعوب. فمثلاً العرق الأبيض يؤمن إيمانًا عميقًا بتفوقه وتميزه العقلي؛ ومن هنا يتملك الشخص المنحدر من هذا العرق شعورًا عميقًا بالتفوق على غيره.

وقد شاعت في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي نظرية تزعم تفوق الشخص المنحدر من العرق الآري. وبناء على هذه النظرية شعر الألمان والأوروبيون الشماليون بالتفوق على الآخرين. وانتشرت هذه الفكرة على نطاق واسع في الثقافة الشعبية في أوائل القرن العشرين الميلادي، وتردد صداها بقوة في كتاب (أجناس أوروبا) الذي ألّفه الكاتب (كارلتون ستيفنز كون) عام 1939م، وتم توظيف هذه النظرية بشكل عنصري لدوافع سياسية معينة، وتم حشد الشعوب الأوروبية المنتمية للعرق الآري لخوض الحرب العالمية الثانية لتحقيق مصالح هذا العرق.

إذن، العنصرية ذلك المرض المقيت الذي تعاني منه البشرية، وتظهر آثاره المؤلمة في جميع أنحاء العالم، وإن كان بصور ودرجات متفاوتة، نجدها متجذرة في أعماق ثقافات الشعوب المختلفة، ويترتب على ذلك وجود الممارسات العنصرية المخالفة للقانون بشكل مؤثر في مختلف المجتمعات.

إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي قدم حلاً ناجعًا لمشكلة العنصرية؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. وفي حجة الوداع قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا عجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى. إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب".

إن العنصرية مرض خطير متجذر في أعماق النفس البشرية، وينبغي علاج هذا المرض بشكل علمي، ولا يُكتفى بعلاج أعراضه بالمسكنات فقط، بل يجب أن تتكاتف كل الجهود لمكافحة العنصرية، ومعالجتها معالجة حقيقية، تضمن حفظ مصلحة الجميع، وحماية حقوقهم. وعلاج مشكلة العنصرية لا يمكن أن يكون بشكل أمني فقط، ولن تنتهي هذه المشكلة إلا إذا تم التعامل معها كقضية ثقافية، تشكّل خطرًا داهمًا على البشر جميعًا.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020