(مهايط) ومنان ومديون..!

زارني قبل عامَين، وذبحت له خروفَين! قابلته قبل 30 عامًا وسكن في منزلي! لولا جهودي لما تمكن فلان من الحصول على الترقية! تعطلت سيارته فأعطيته سيارتي قبل 15 عامًا، حضرت زواجه وقدمت له 500 ريال مساعدة.. عبارات سخيفة ومزعجة، نسمعها من وقت لآخر من فئة المنانين الذين أزعجوا المجالس التي يوجَدون فيها بقصص وروايات، معظمها وهمية، يتحدثون فيها عن كرمهم غير الحقيقي، وما قدموه لفلان وفلان، وكيف أنهم أسهموا في تغيير حياة فلان، ولم يتبقَّ لهم سوى أن يدعي بعضهم أنه كان سببًا في نهضة اليابان، وأن (فعوله وجمايله!) أسهمت في استمرار الأبحاث في جامعة هارفارد! وهو مَن حل المشاكل الاقتصادية في اليونان! وعالج أزمة الفقر في إفريقيا! وهو من قدم قرضًا لستيف جوبز حتى ينهض بشركة أبل!

يزعجني فئة من فئات المجتمع، ومن مختلف الأعمار، الذين يفتتحون كل لقاء، وفي أي مجلس، بسلسلة من الشتائم لبعض أقاربهم أو معارفهم، ويصفونهم بالبخل، وبأن مجالسهم مغلقة، ولا يعرف الضيف أبواب بيوتهم. وهذه حيلة نفسية، يفعلونها حتى يوهموا الحضور بأن تلك الصفات ليست فيهم، وبعيدة عنهم. علمًا بأن كل تلك الصفات السيئة تنطبق عليهم، ولكنهم يسبون ويشتمون في الآخرين حتى يُبعدوا تلك التهم عنهم بطريقة غير مباشرة.

أصبحوا أضحوكة في المجتمع الذي يسمح لهم بأن يهرفوا بما لا يعرفون؛ حتى يمكّنهم من إشباع نفوسهم المريضة من خلال الأحاديث المزيفة، والغيبة المقيتة، والادعاءات الكاذبة.

صاحب المعروف الحقيقي لا يتكلم عما قدمه للآخرين، سواء في الماضي أو الحاضر، بل إنه يرفض أن يقال إنه أسهم في تقديم خدمة لأي شخص، ويؤكد أن أمر ذلك الشخص تيسر وتحقق بفضل الله، ولم يكن له أي دور، رغبة منه في الأجر من الله سبحانه وتعالى.

الكريم الحقيقي لا يذكر مناسباته، ولا يعددها، ولا يحرص على أن يتكلم عنها؛ لأنه يفعل ذلك من أجل أن يرضى الله عنه من خلال تطبيق تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بإكرام الضيف.

الشهم الأصيل لا يشتم، ولا يتهكم، ولا يسخر من الآخرين، ولا يسبهم، ولاينعتهم بصفات غير مناسبة؛ لأن جيناته وطبيعته أصيلة، ومنبعها أصيل.. أصحاب الجينات المشوهة والتربية الوضيعة يتلذذون بالقبح والأفعال السيئة والشتيمة، بل إن الألفاظ البذيئة تعد جزءًا أساسيًّا من هويتهم، وتجري في عروقهم.

ومن سوء حظ المنان أنه ينقص من ماله ولا يحصل على أجر ولا حمد على ذلك؛ لذا ذم الله هذا الفعل، وأخبرنا بأنه يحبط العمل، فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}. وقد أثنى الباري -عز وجل- على المنفقين الباذلين للخير، الذين لا يمنون على من أحسنوا إليهم، وينسون معروفهم في الدنيا راجين من الله الأجر والثواب؛ فقال سبحانه {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

كم أحزن وأتأسف على الذين يقومون بفعل الخير للآخرين، ويصبحون يذكرون ما فعلوه للناس أمام الجميع؛ ليحملوا صاحب الموقف (الجميل)، بل إن وقاحة بعضهم تصل إلى أن يقول (لولاي لما تحقق كذا وكذا لفلان وفلان!).

ولا يعلم ذلك الضعيف أن ما فعله كان توفيقًا من الله له، وليس حكمة وتميزًا منه.

كان الأولى أن يسجد لله سجود الشكر الذي مكّنه من أن يفعل الخير لمن حوله.

للأسف، أصبح بعض أبناء المجتمع يرفض قبول عزيمة من الآخر خشية أن يمنها عليه في يوم من الأيام، أو أن يذكرها في مجلس من المجالس.. ويسعى البعض لإنجاز أموره بنفسه، ولا يطلب مساعدة أقرب الناس له خشية أن يؤذيه بالحديث عن تلك الخدمة؛ لأنه ينتظر ردها، ولا يرجو الله في أجرها.

لنفعل الخير، ونمد يد المساعدة للآخرين، ونكرم ضيوفنا، ونبذل الجهد لوجه الله -عز وجل- دون انتظار الرد وترقب فعل الآخرين تجاهنا.

شريعتنا الإسلامية جعلت أعمال الخير المقبولة هي تلك الأعمال التي لا يُقصد منها سوى وجه الله -عز وجل-.

حسن آل عمير

15

12 نوفمبر 2020 - 26 ربيع الأول 1442 01:26 AM

(مهايط) ومنان ومديون..!

حسن آل عمير - الرياض
2 5,032

زارني قبل عامَين، وذبحت له خروفَين! قابلته قبل 30 عامًا وسكن في منزلي! لولا جهودي لما تمكن فلان من الحصول على الترقية! تعطلت سيارته فأعطيته سيارتي قبل 15 عامًا، حضرت زواجه وقدمت له 500 ريال مساعدة.. عبارات سخيفة ومزعجة، نسمعها من وقت لآخر من فئة المنانين الذين أزعجوا المجالس التي يوجَدون فيها بقصص وروايات، معظمها وهمية، يتحدثون فيها عن كرمهم غير الحقيقي، وما قدموه لفلان وفلان، وكيف أنهم أسهموا في تغيير حياة فلان، ولم يتبقَّ لهم سوى أن يدعي بعضهم أنه كان سببًا في نهضة اليابان، وأن (فعوله وجمايله!) أسهمت في استمرار الأبحاث في جامعة هارفارد! وهو مَن حل المشاكل الاقتصادية في اليونان! وعالج أزمة الفقر في إفريقيا! وهو من قدم قرضًا لستيف جوبز حتى ينهض بشركة أبل!

يزعجني فئة من فئات المجتمع، ومن مختلف الأعمار، الذين يفتتحون كل لقاء، وفي أي مجلس، بسلسلة من الشتائم لبعض أقاربهم أو معارفهم، ويصفونهم بالبخل، وبأن مجالسهم مغلقة، ولا يعرف الضيف أبواب بيوتهم. وهذه حيلة نفسية، يفعلونها حتى يوهموا الحضور بأن تلك الصفات ليست فيهم، وبعيدة عنهم. علمًا بأن كل تلك الصفات السيئة تنطبق عليهم، ولكنهم يسبون ويشتمون في الآخرين حتى يُبعدوا تلك التهم عنهم بطريقة غير مباشرة.

أصبحوا أضحوكة في المجتمع الذي يسمح لهم بأن يهرفوا بما لا يعرفون؛ حتى يمكّنهم من إشباع نفوسهم المريضة من خلال الأحاديث المزيفة، والغيبة المقيتة، والادعاءات الكاذبة.

صاحب المعروف الحقيقي لا يتكلم عما قدمه للآخرين، سواء في الماضي أو الحاضر، بل إنه يرفض أن يقال إنه أسهم في تقديم خدمة لأي شخص، ويؤكد أن أمر ذلك الشخص تيسر وتحقق بفضل الله، ولم يكن له أي دور، رغبة منه في الأجر من الله سبحانه وتعالى.

الكريم الحقيقي لا يذكر مناسباته، ولا يعددها، ولا يحرص على أن يتكلم عنها؛ لأنه يفعل ذلك من أجل أن يرضى الله عنه من خلال تطبيق تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بإكرام الضيف.

الشهم الأصيل لا يشتم، ولا يتهكم، ولا يسخر من الآخرين، ولا يسبهم، ولاينعتهم بصفات غير مناسبة؛ لأن جيناته وطبيعته أصيلة، ومنبعها أصيل.. أصحاب الجينات المشوهة والتربية الوضيعة يتلذذون بالقبح والأفعال السيئة والشتيمة، بل إن الألفاظ البذيئة تعد جزءًا أساسيًّا من هويتهم، وتجري في عروقهم.

ومن سوء حظ المنان أنه ينقص من ماله ولا يحصل على أجر ولا حمد على ذلك؛ لذا ذم الله هذا الفعل، وأخبرنا بأنه يحبط العمل، فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى}. وقد أثنى الباري -عز وجل- على المنفقين الباذلين للخير، الذين لا يمنون على من أحسنوا إليهم، وينسون معروفهم في الدنيا راجين من الله الأجر والثواب؛ فقال سبحانه {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

كم أحزن وأتأسف على الذين يقومون بفعل الخير للآخرين، ويصبحون يذكرون ما فعلوه للناس أمام الجميع؛ ليحملوا صاحب الموقف (الجميل)، بل إن وقاحة بعضهم تصل إلى أن يقول (لولاي لما تحقق كذا وكذا لفلان وفلان!).

ولا يعلم ذلك الضعيف أن ما فعله كان توفيقًا من الله له، وليس حكمة وتميزًا منه.

كان الأولى أن يسجد لله سجود الشكر الذي مكّنه من أن يفعل الخير لمن حوله.

للأسف، أصبح بعض أبناء المجتمع يرفض قبول عزيمة من الآخر خشية أن يمنها عليه في يوم من الأيام، أو أن يذكرها في مجلس من المجالس.. ويسعى البعض لإنجاز أموره بنفسه، ولا يطلب مساعدة أقرب الناس له خشية أن يؤذيه بالحديث عن تلك الخدمة؛ لأنه ينتظر ردها، ولا يرجو الله في أجرها.

لنفعل الخير، ونمد يد المساعدة للآخرين، ونكرم ضيوفنا، ونبذل الجهد لوجه الله -عز وجل- دون انتظار الرد وترقب فعل الآخرين تجاهنا.

شريعتنا الإسلامية جعلت أعمال الخير المقبولة هي تلك الأعمال التي لا يُقصد منها سوى وجه الله -عز وجل-.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020