زير العظـام..!!

في الفترة بين المغرب والعشاء كنتُ في جلسة خاصة قبل أعوام مضت مع بعض الإخوة، ودار بيننا حديث عن الكثير من الأمور الشخصية والاجتماعية والاقتـصادية والرياضية، حتى وصلنا لمفهوم يفضي في النهاية إلى أن الحق يظهر مهما حاول البعض إخفاءه أكثر من مرة وبكل الطرق.. وقد حكى لنا أحـد الحضور قصة الإخوة الثلاثة بعد موت أبيهم، وقد ترك لهم ثلاثة أزيار من الفخار، لكل واحد منهم واحد منها كنصيب من التركة. وتعمد والدهم أن يكون تقسيم الإرث عن طريق وضع تلك الطريقـة في توزيـعه فيما بينهم بعد موته. وقد كتـب في الوصية أن لا تُفتح هذه الأزيار أبــــدًا إلا بعد أن يفضي لخالقـه، ويترك لهــم كل ما كان يملك من مـال وأملاك كثيرة على مستــوى القرية التي يسكنونها، وتلك والقرى القريبة منها أيضًا..!!

بعد رحيل أبيهم إلى مثواه الأخير فتح كل واحد منهم الزير الخاص به فوجد الابن الأكبر المال والذهـب والفضة.. أما الثاني فوجد أن الزيــــــر مليء بالتراب، والابن الصغير وجد مجموعة من العظام.. عندها احتاروا كثيرًا في الأمر، وأخذوا يبحثون عن مخرج لهذا الأمر، مخــــــــــرج لتلك الحيرة التي سكنت الوجوه جميعًا، وقرروا في النهاية عرض الأمر على أهل القرية، ونصحهم، الذين بدورهم عجزوا عن حل مثل هذا اللغز وتلك الورطة. وأمام هذه الورطة بالفعل، وعجز أهل القرية عن مساعـدتهم، قام رجل مسن وأخبرهم بأن عليهم الذهاب للقـرية التي تبعد عنهم مسيرة ثلاث ليالٍ واصفًا لهم مكانها، وأخبرهم بأن فيها رجلاً حكيمًا، سيفصل فيما بينهم بخصوص توزيع الميراث وتركة أبيهم..!!

في صباح اليوم التالي توجَّـه الأبناء الثلاثة نحو القريــــة لمقابلة الرجــل؛ لعل وعسى أن يجدوا لديه تفسيرًا لهذه المعضلـة. وبينما هم يقطعون الفيافي مرة، والأودية مرات، وجـدوا في طريقهم نجرًا مطـليًّا بالذهب الخالص، فقاموا بحفر حفرة؛ لكي يدفنوه ويعودوا لأخذه أثنــــاء عودتهم. وما إن انتهوا من دفنه وابتعدوا عنه سبع خطوات حتى وجدوه مرميًّا أمامهم من جديد.. فحاولوا دفنه مرة أخرى لكي لا يستطيع الخروج من الحفرة.. ومع ابتعادهم خطـوات قليلة طلع بقوة من الحفرة، وظهر لهم مرة ثانية، وكذا في المرة الثالثة، وخرج هو كما في المرات الأولى..!! عندها قال أخوهم الأكبر اتركوه، وبالفعل قاموا بتركه خلفهم حيث وجدوه. وبعد جهد جهيد من طول الرحلة قرروا المبيت في أحد الأودية حتى يستريحوا. وفي الصباح يواصلون رحلتهم. ناموا ليلتـــهم مجهدين، وراحـوا في سبات عميق. ومع إطلالة خيوط الفجر الأولى نهضوا على عجل، تسابقهم الخطى نحو القرية للوصول للرجل الحكيم. وعندما امتد بهم المسير ازداد لهيب الشمس فتلفتوا يمينًا ويسارًا لعلهم يجدون ظلالاً أو أشجارًا ظليلة تؤويهم من الحرارة فلم يجدوا سوى بعير لا يكاد يسير من الشحم والنعمة التي بدت ظاهرة عليه رغم أنه لا يوجد حوله أي أثر للحياة؛ فالوادي مجدب، ولا توجد نباتات تُذكر قريبة منه أو بعيدة..!! وهنا زادت الدهشة والحيرة؛ فكيف لهذا البعيــــــر أن يكون بهذه الصورة والنعمة ولا وجـود للأكل قريبًا منه.. لكنهم واصلوا المسير لعلهم يجدون مــكانًا آخر قريبًا يستظلون به، ويأخذون نصيبهم منه. وما إن نزلوا الوادي الآخر حتى شاهدوا الكثير من أشجار السدر والنخل والتين والزرع يملأ المكان..!! فارتاحت نفوسهم. وأثناء نزولهــــــم مروا على جمل آخر، يكاد يهلك من الجوع، وكان هزيلاً.. شاحبًا.. عكس الجمل الأول.. فاستغربوا كيف يكون هذا هزيلاً، وذاك متينًا، والمكانان متناقضان. هنا خير، وهناك قفر..!! وبعد أن أخذوا من الراحة الكفاية، وقبل أن تغيب الشمس، شارفوا عـلـى الوصول للقرية، فوجدوا شخصًا صغيرًا في السن، فقالوا له: أيها الشاب، أتينا من قريتنا البعيدة نبحث عن رجـــل حكيم لديكم، فصف لنا أين نجده؟.. فقال إنه أنا إن كنتم باحثين. فقالوا. فسِّـر لنا ما وضعه والدنا في الجرار الثلاث لنا. فالأكبر منا وضع له مالاً ونقـــودًا وذهبًا وفضة، ونحن أحدنا وضع له ترابًا، والآخر عظامًا. فقال المال من دراهم وفضة للأكبر فيكم، والتراب هي الأرض للثاني، والعظام بمنزلة الأنعام من إبل وغنم وبقـر ومواشٍ أخرى وخيول. قالوا له: يا شيخنا، ونحن في الطريق إليك وجدنا نجرًا أصفر، كلما حفرنا له حفرة خرج منها بقـــوة، فماذا يعني كل هذا. فقال: إن النجر مثل الحقيقــة، لا يمكـــن إخفاؤها مهما حاول الإنسان، ومهما اتخذ سبيلاً لذلك. فقالوا: أيضًا وجدنا جملاً صحيح الجسم، ملآن بالشحم واللحم وهو في أرض فضاء قاحلة، لا وجود للرعي فيها أو الماء. فأجابهم بأن هذا هو الرجل الكريــم الذي يعطي بسخاء، ويمنح الآخرين كل ما لديه؛ لـذا فهــو يظهر حتى وإن كان لا يملك شيئًا، ويكون كبيرًا في نظر النــاس. عندها أدركوا من أنفسهم أن البعير الآخر الهزيل ما هــو إلا مجرد رجل بخيل رغم الخير مــن حوله إلا أنه محــروم منه، وسيظل في نظر الناس هزيلاً شاحبًا، لا تبدو عليه آثار النعمة. وأدركوا أن الحقيقة تظهر وإن تعمد البعض إخفاءها..!!

محمد الصيعري

7

16 يونيو 2020 - 24 شوّال 1441 12:57 AM

زير العظـام..!!

محمد الصيـعري - الرياض
1 2,047

في الفترة بين المغرب والعشاء كنتُ في جلسة خاصة قبل أعوام مضت مع بعض الإخوة، ودار بيننا حديث عن الكثير من الأمور الشخصية والاجتماعية والاقتـصادية والرياضية، حتى وصلنا لمفهوم يفضي في النهاية إلى أن الحق يظهر مهما حاول البعض إخفاءه أكثر من مرة وبكل الطرق.. وقد حكى لنا أحـد الحضور قصة الإخوة الثلاثة بعد موت أبيهم، وقد ترك لهم ثلاثة أزيار من الفخار، لكل واحد منهم واحد منها كنصيب من التركة. وتعمد والدهم أن يكون تقسيم الإرث عن طريق وضع تلك الطريقـة في توزيـعه فيما بينهم بعد موته. وقد كتـب في الوصية أن لا تُفتح هذه الأزيار أبــــدًا إلا بعد أن يفضي لخالقـه، ويترك لهــم كل ما كان يملك من مـال وأملاك كثيرة على مستــوى القرية التي يسكنونها، وتلك والقرى القريبة منها أيضًا..!!

بعد رحيل أبيهم إلى مثواه الأخير فتح كل واحد منهم الزير الخاص به فوجد الابن الأكبر المال والذهـب والفضة.. أما الثاني فوجد أن الزيــــــر مليء بالتراب، والابن الصغير وجد مجموعة من العظام.. عندها احتاروا كثيرًا في الأمر، وأخذوا يبحثون عن مخرج لهذا الأمر، مخــــــــــرج لتلك الحيرة التي سكنت الوجوه جميعًا، وقرروا في النهاية عرض الأمر على أهل القرية، ونصحهم، الذين بدورهم عجزوا عن حل مثل هذا اللغز وتلك الورطة. وأمام هذه الورطة بالفعل، وعجز أهل القرية عن مساعـدتهم، قام رجل مسن وأخبرهم بأن عليهم الذهاب للقـرية التي تبعد عنهم مسيرة ثلاث ليالٍ واصفًا لهم مكانها، وأخبرهم بأن فيها رجلاً حكيمًا، سيفصل فيما بينهم بخصوص توزيع الميراث وتركة أبيهم..!!

في صباح اليوم التالي توجَّـه الأبناء الثلاثة نحو القريــــة لمقابلة الرجــل؛ لعل وعسى أن يجدوا لديه تفسيرًا لهذه المعضلـة. وبينما هم يقطعون الفيافي مرة، والأودية مرات، وجـدوا في طريقهم نجرًا مطـليًّا بالذهب الخالص، فقاموا بحفر حفرة؛ لكي يدفنوه ويعودوا لأخذه أثنــــاء عودتهم. وما إن انتهوا من دفنه وابتعدوا عنه سبع خطوات حتى وجدوه مرميًّا أمامهم من جديد.. فحاولوا دفنه مرة أخرى لكي لا يستطيع الخروج من الحفرة.. ومع ابتعادهم خطـوات قليلة طلع بقوة من الحفرة، وظهر لهم مرة ثانية، وكذا في المرة الثالثة، وخرج هو كما في المرات الأولى..!! عندها قال أخوهم الأكبر اتركوه، وبالفعل قاموا بتركه خلفهم حيث وجدوه. وبعد جهد جهيد من طول الرحلة قرروا المبيت في أحد الأودية حتى يستريحوا. وفي الصباح يواصلون رحلتهم. ناموا ليلتـــهم مجهدين، وراحـوا في سبات عميق. ومع إطلالة خيوط الفجر الأولى نهضوا على عجل، تسابقهم الخطى نحو القرية للوصول للرجل الحكيم. وعندما امتد بهم المسير ازداد لهيب الشمس فتلفتوا يمينًا ويسارًا لعلهم يجدون ظلالاً أو أشجارًا ظليلة تؤويهم من الحرارة فلم يجدوا سوى بعير لا يكاد يسير من الشحم والنعمة التي بدت ظاهرة عليه رغم أنه لا يوجد حوله أي أثر للحياة؛ فالوادي مجدب، ولا توجد نباتات تُذكر قريبة منه أو بعيدة..!! وهنا زادت الدهشة والحيرة؛ فكيف لهذا البعيــــــر أن يكون بهذه الصورة والنعمة ولا وجـود للأكل قريبًا منه.. لكنهم واصلوا المسير لعلهم يجدون مــكانًا آخر قريبًا يستظلون به، ويأخذون نصيبهم منه. وما إن نزلوا الوادي الآخر حتى شاهدوا الكثير من أشجار السدر والنخل والتين والزرع يملأ المكان..!! فارتاحت نفوسهم. وأثناء نزولهــــــم مروا على جمل آخر، يكاد يهلك من الجوع، وكان هزيلاً.. شاحبًا.. عكس الجمل الأول.. فاستغربوا كيف يكون هذا هزيلاً، وذاك متينًا، والمكانان متناقضان. هنا خير، وهناك قفر..!! وبعد أن أخذوا من الراحة الكفاية، وقبل أن تغيب الشمس، شارفوا عـلـى الوصول للقرية، فوجدوا شخصًا صغيرًا في السن، فقالوا له: أيها الشاب، أتينا من قريتنا البعيدة نبحث عن رجـــل حكيم لديكم، فصف لنا أين نجده؟.. فقال إنه أنا إن كنتم باحثين. فقالوا. فسِّـر لنا ما وضعه والدنا في الجرار الثلاث لنا. فالأكبر منا وضع له مالاً ونقـــودًا وذهبًا وفضة، ونحن أحدنا وضع له ترابًا، والآخر عظامًا. فقال المال من دراهم وفضة للأكبر فيكم، والتراب هي الأرض للثاني، والعظام بمنزلة الأنعام من إبل وغنم وبقـر ومواشٍ أخرى وخيول. قالوا له: يا شيخنا، ونحن في الطريق إليك وجدنا نجرًا أصفر، كلما حفرنا له حفرة خرج منها بقـــوة، فماذا يعني كل هذا. فقال: إن النجر مثل الحقيقــة، لا يمكـــن إخفاؤها مهما حاول الإنسان، ومهما اتخذ سبيلاً لذلك. فقالوا: أيضًا وجدنا جملاً صحيح الجسم، ملآن بالشحم واللحم وهو في أرض فضاء قاحلة، لا وجود للرعي فيها أو الماء. فأجابهم بأن هذا هو الرجل الكريــم الذي يعطي بسخاء، ويمنح الآخرين كل ما لديه؛ لـذا فهــو يظهر حتى وإن كان لا يملك شيئًا، ويكون كبيرًا في نظر النــاس. عندها أدركوا من أنفسهم أن البعير الآخر الهزيل ما هــو إلا مجرد رجل بخيل رغم الخير مــن حوله إلا أنه محــروم منه، وسيظل في نظر الناس هزيلاً شاحبًا، لا تبدو عليه آثار النعمة. وأدركوا أن الحقيقة تظهر وإن تعمد البعض إخفاءها..!!

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020