أمير القيم.. هل رحل طلال بن عبدالعزيز؟

"كنا في روضة أطفال في هيوستن لا كاميرات أو إعلام، جلس الأمير طلال ونسي نفسه مع الأطفال، كنت أسمع عن "أجفند" وبرامج الطفولة، لكن الصدفة وحدها قادتني لأرى صدق محبة الأمير للأطفال وشغفه بأن يحظى كل طفل بتعليم متميز ونظام صحي متطور، عشت الإيمان بالقيم وتطبيقها".

هذه القصة القصيرة رواها د. معتصم السدمي الموظف السابق في الملحقية الثقافية السعودية عندما كانت في هيوستن سمعتها عنه قبل أربعة أعوام مضت. هذه التفاصيل الحقيقية تختصر الكثير من الكلام عن الراحل الكبير. لكن السؤال الذي بقي: هل حقًا رحل طلال بن عبدالعزيز؟

كتب عن رحيل "الأمير المختلف" كتاب كبار، لرجل صاحب تاريخ طويل بين تفاصيل السياسة والإدارة والعمل الإنساني، الصديق القريب من المثقفين والصحافيين داخل وخارج المملكة والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السبعينات والوزير المؤسس في وضع لبنات الدولة الأولى، وأمير القيم الخالدة، وفوق هذا كله كان الأب طلال، لماذا الأب؟ لأن صناعة القدوة تبدأ بالنفس والأسرة.

بقاء طلال حيًا في الوجدان السعودي والعربي وحتى العالمي لن يكون بإرثه الذي ترك، ومشاريعه الحية بعد رحيله وأمنياته التي لامست الواقع منجزًا، بل أبناؤه وحاملو اسمه وسيرته، وهنا أود أن أتحدث كإنسان يتحدث عن صديق يعرفه، وهو الأمير عبدالعزيز بن طلال صاحب الصورة الأشهر في وداع والده محتضًا عباءته "بشته"، مجهشًا بالبكاء كأي ابن محب صادق أودع جزءًا غاليًا من قلب، روحه وذاكرته في التراب.

عرفت الأمير عبدالعزيز، في مجلس والد زوجته الأمير الفاضل سعود بن سعود أوآخر عام 2009م، ثم جمعنا القدر في منطقة العاصمة واشنطن لمدة أربعة أعوام، إبان دراسة عقيلته الأميرة سرى، ونشاطه في حضور الندوات السياسية والثقافية متحدثًا عن المملكة تاريخًا وإنسانًا. واستمرت صداقًا مغلفة بالمحبة والاحترام المتبادل، إلا أن مرض والده كان منعطفًا مهمًا لأعرف أكثر عبدالعزيز الإنسان الذي تخرج من مدرسة طلال.

للحق وشهادة للتاريخ كان جميع أبناء وبنات الأمير طلال وأحفاده قريبين جدًا منه لفترة قاربت العام أثناء مكوثه في المستشفى، لكن ربما لمعرفتي بالأمير عبدالعزيز كنت شاهدًا على بر حقيقي، ومثال رائع للأسرة القدوة، حيث اعتزل الحياة العامة والخروج بشكل شبه نهائي ملازمًا لوالده ولم يكن يخرج إلا لمواعيد أسرية مهمة وتمثيل وحيد لتقديم جائزة "أجفند" في جيف.

أصدقاء الأمير عبدالعزيز، كانوا يجدون صعوبة في اللقاء به، وكان المستشفى المقر الدائم والفرصة الممكنة للزيارة، لذا كان الدرس كما يقول أحد أصدقائه: "علمنا هذا الرجل أن البر بالوالدين عمل تلقائي طبيعي من القلب للقلب، لا يمكن أن يوصف ومن المعيب أن يقول الشخص أنا مشغول أو لدي أولوية في الحياة عندما يتعلق الأمر بوالديه، أيًا كان مكانه أو مكانته".

لن يرحل الأمير طلال وسيبقى بما ترك، إرثًا معنويًا وماديًا، والأهم الأرث التربوي: حاملو اسمه ودمه وقيمه. وكل ذلك مستوحى من مدرسة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله، وترجمة لذلك كانت الزيارة الأولى لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لأسرة الأمير طلال بعد أن صلى عليه وودعه فكان أخًا، ثم عمًا ووالدًا قبل أن يكون ملكًا.. إنها دروس المحبة بين أسرة مالكة قدوة وشعب وفي مخلص.

22

06 يناير 2019 - 30 ربيع الآخر 1440 04:05 PM

أمير القيم.. هل رحل طلال بن عبدالعزيز؟

هادي الفقيه - الرياض
0 7,407

"كنا في روضة أطفال في هيوستن لا كاميرات أو إعلام، جلس الأمير طلال ونسي نفسه مع الأطفال، كنت أسمع عن "أجفند" وبرامج الطفولة، لكن الصدفة وحدها قادتني لأرى صدق محبة الأمير للأطفال وشغفه بأن يحظى كل طفل بتعليم متميز ونظام صحي متطور، عشت الإيمان بالقيم وتطبيقها".

هذه القصة القصيرة رواها د. معتصم السدمي الموظف السابق في الملحقية الثقافية السعودية عندما كانت في هيوستن سمعتها عنه قبل أربعة أعوام مضت. هذه التفاصيل الحقيقية تختصر الكثير من الكلام عن الراحل الكبير. لكن السؤال الذي بقي: هل حقًا رحل طلال بن عبدالعزيز؟

كتب عن رحيل "الأمير المختلف" كتاب كبار، لرجل صاحب تاريخ طويل بين تفاصيل السياسة والإدارة والعمل الإنساني، الصديق القريب من المثقفين والصحافيين داخل وخارج المملكة والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السبعينات والوزير المؤسس في وضع لبنات الدولة الأولى، وأمير القيم الخالدة، وفوق هذا كله كان الأب طلال، لماذا الأب؟ لأن صناعة القدوة تبدأ بالنفس والأسرة.

بقاء طلال حيًا في الوجدان السعودي والعربي وحتى العالمي لن يكون بإرثه الذي ترك، ومشاريعه الحية بعد رحيله وأمنياته التي لامست الواقع منجزًا، بل أبناؤه وحاملو اسمه وسيرته، وهنا أود أن أتحدث كإنسان يتحدث عن صديق يعرفه، وهو الأمير عبدالعزيز بن طلال صاحب الصورة الأشهر في وداع والده محتضًا عباءته "بشته"، مجهشًا بالبكاء كأي ابن محب صادق أودع جزءًا غاليًا من قلب، روحه وذاكرته في التراب.

عرفت الأمير عبدالعزيز، في مجلس والد زوجته الأمير الفاضل سعود بن سعود أوآخر عام 2009م، ثم جمعنا القدر في منطقة العاصمة واشنطن لمدة أربعة أعوام، إبان دراسة عقيلته الأميرة سرى، ونشاطه في حضور الندوات السياسية والثقافية متحدثًا عن المملكة تاريخًا وإنسانًا. واستمرت صداقًا مغلفة بالمحبة والاحترام المتبادل، إلا أن مرض والده كان منعطفًا مهمًا لأعرف أكثر عبدالعزيز الإنسان الذي تخرج من مدرسة طلال.

للحق وشهادة للتاريخ كان جميع أبناء وبنات الأمير طلال وأحفاده قريبين جدًا منه لفترة قاربت العام أثناء مكوثه في المستشفى، لكن ربما لمعرفتي بالأمير عبدالعزيز كنت شاهدًا على بر حقيقي، ومثال رائع للأسرة القدوة، حيث اعتزل الحياة العامة والخروج بشكل شبه نهائي ملازمًا لوالده ولم يكن يخرج إلا لمواعيد أسرية مهمة وتمثيل وحيد لتقديم جائزة "أجفند" في جيف.

أصدقاء الأمير عبدالعزيز، كانوا يجدون صعوبة في اللقاء به، وكان المستشفى المقر الدائم والفرصة الممكنة للزيارة، لذا كان الدرس كما يقول أحد أصدقائه: "علمنا هذا الرجل أن البر بالوالدين عمل تلقائي طبيعي من القلب للقلب، لا يمكن أن يوصف ومن المعيب أن يقول الشخص أنا مشغول أو لدي أولوية في الحياة عندما يتعلق الأمر بوالديه، أيًا كان مكانه أو مكانته".

لن يرحل الأمير طلال وسيبقى بما ترك، إرثًا معنويًا وماديًا، والأهم الأرث التربوي: حاملو اسمه ودمه وقيمه. وكل ذلك مستوحى من مدرسة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله، وترجمة لذلك كانت الزيارة الأولى لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لأسرة الأمير طلال بعد أن صلى عليه وودعه فكان أخًا، ثم عمًا ووالدًا قبل أن يكون ملكًا.. إنها دروس المحبة بين أسرة مالكة قدوة وشعب وفي مخلص.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019