كيف يكون الصفر أكبر مورد للدولة؟

إذا كان الوطن طموحاً، والقيادة طموحة، وتحقيق الرؤيا مطلبهم؛ فإن أقصر الطرق لمساندة ذلك الوطن، وتلك الأرض، وتلك المساحات الآمنة، والأهداف بعيدة المدى، والآمال العالية؛ هو البداية من الصفر.

قد يثير قولي هذا دهشتكم ويستجدي فضولكم؛ فالمنطق أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، والتطور لا يبدأ من الصفر؛ فكيف يكون ذلك؟!

الصفر هنا يا سادة هو صفر ذهبي متفرد بذاته، صفر قادر على تحقيق المعجزات وأخذ الدولة في طرق مختصرة نحو مصافّ الدول العالمية بإذن واحد أحد!

صفر يختلف عن جميع الأصفار المالية، تنتج منه الدولة مئات الآلاف في الدقيقة الواحدة، هو صفر إنساني بحت، وهو أكبر مورد للدولة.

إنه الطفل الذي يخلق في عقله مسارات عقلية بالمليارات بل وأكثر، تبحث عن خبرات وتجارب ثرية لتخلب لبه، ولتحيك عقلاً قوياً مبدعاً معطاءً للوطن وأرضه. أصفار لا تتكرر؛ فكل نسخة منها هي حكاية متفردة بالتميز بحد ذاتها.

هذا الصفر -بعد توفيق الله- هو حكاية المجد لو أُحسِن صياغةُ محتواه من البداية!

فمن البداية يبدأ تحقيق الرؤيا، وليس من النهايات البالية.

وكما وُضع في كل وزارة مكتب تحقيق للرؤيا؛ فإنه من الأجدى أن تكون الأسرة هي أول وزارة يوضع فيها مثل هذا المكتب.

مكتبٌ تُحاك فيه الخطط لإنتاج جيل صالح، ترنو فيه القيم لمسارها الصحيح، جراء أساليب مبنية على وعي ودراسة ونور، فلا محل للتطور في العتمة.

إنه العلم يا سادة عندما تُبنى عليه التربية، إنه الفهم عندما يكون سيد الموقف؛ فلا تكون مجرد تجارب فطرية وخبرات قديمة عفا عليها الزمن، تستنزف ثروات الوطن وتنهك جسده.

حان الوقت لينحسر الغطاء عن تلك الترهات القديمة في التربية والمقولات المغلوطة.

حان الوقت لتكون التربية مشروعاً يُخَطَّط له، وبحثاً يُحَضَّر له؛ ليكون يراعها خصباً يخضر الوطن معه ويزهر.

عزيزي الأب.. عزيزتي الأم.. عزيزي المربي.. عزيزتي وزارة التعليم.. أعزائي المسؤولين في كل القطاعات:

إن أحسنتم رعاية ذلك الطفل فسيكون ما يقدمه للوطن أكبر بكثير من مخزون النفط والطاقة؛ فقدرات عقله لا حدود لها، إنها هبة من الله، وبأيديكم إثراء ذاك العقل أو إطفاء شعلته للأبد؛ وذلك بتسخير الإمكانات واستجداء جميع السبل لتطوير كل ما يتعلق بالطفل.

ما نريده هو آباء واعون يعرفون ما يفعلون، وأمهات حاضرات بأذهانهن، هدفهن الأول في الحياة استثمار ذلك الطفل حتى يصبح عملة نادرةً تُضيف للوطن ولا تأخذ منه فقط.

ما نحتاجه، هو أن تُمنح رخصة لمن أتم شيئاً من القراءة والاطلاع لإدارة مكتب الرؤية الخاص بأسرتهم، حتى نخفف العبء عن البلاد فلا تتحول تلك الأصفار الجديدة إلى شخصيات مهزوزة سطحية؛ بل حتى مجرمة، تفتك بالوطن وأمنه، وتشيع الفوضى والكسل والإحباط، وتعيق مسيرة التقدم.

ما نريده هو وزارة تعليم تضع مرحلة رياض الأطفال كمشروع طارئ للتحسين والتطوير، بجلب أبرز الكفاءات واستحداث أفضل المناهج والمعلمين المتخصصين، وتهيئة البيئات التربوية المحفزة للمعلم والطالب على حد سواء، وأن يتم إعادة هيكلة مرحلة رياض الأطفال؛ لتكون معاييرها ذات جودة وكفاءة عالية في جميع المدن والمناطق، وأن تعيّن ذوات التخصص الأكفاء لتعليم تلك الثروات العظيمة بدلاً من الاستعانة بتخصصات مختلفة والتعذر بالعجز.

الاستثمار في الطفولة مهما بلغت تكاليفه؛ فإن عوائده ذات دخل مضمون مستقبلاً، وبنسب أرباح مرتفعة، فحري بالمسؤولين أن يضعوا ضمن أولوياتهم استثمار تلك الفئة تعليمياً وتربوياً.

الطفولة يا سادة هي أقوى قطاع ستخدم مخرجاته البلاد، فالاستثمار فيها هو الاستثمار في الإنسان منذ بداية خلقته وهو غض طري قبل أن يعوج فكره وتباغت فطرته!

وذاك الإنسان هو الحجر الأساسي في أي قطاع آخر؛ فإن نهض نهضت معه الهمم حتى نصل القمم بإذن الله.

10

14 فبراير 2019 - 9 جمادى الآخر 1440 10:25 AM

كيف يكون الصفر أكبر مورد للدولة؟

مها عبدالله الحقباني - الرياض
0 1,102

إذا كان الوطن طموحاً، والقيادة طموحة، وتحقيق الرؤيا مطلبهم؛ فإن أقصر الطرق لمساندة ذلك الوطن، وتلك الأرض، وتلك المساحات الآمنة، والأهداف بعيدة المدى، والآمال العالية؛ هو البداية من الصفر.

قد يثير قولي هذا دهشتكم ويستجدي فضولكم؛ فالمنطق أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، والتطور لا يبدأ من الصفر؛ فكيف يكون ذلك؟!

الصفر هنا يا سادة هو صفر ذهبي متفرد بذاته، صفر قادر على تحقيق المعجزات وأخذ الدولة في طرق مختصرة نحو مصافّ الدول العالمية بإذن واحد أحد!

صفر يختلف عن جميع الأصفار المالية، تنتج منه الدولة مئات الآلاف في الدقيقة الواحدة، هو صفر إنساني بحت، وهو أكبر مورد للدولة.

إنه الطفل الذي يخلق في عقله مسارات عقلية بالمليارات بل وأكثر، تبحث عن خبرات وتجارب ثرية لتخلب لبه، ولتحيك عقلاً قوياً مبدعاً معطاءً للوطن وأرضه. أصفار لا تتكرر؛ فكل نسخة منها هي حكاية متفردة بالتميز بحد ذاتها.

هذا الصفر -بعد توفيق الله- هو حكاية المجد لو أُحسِن صياغةُ محتواه من البداية!

فمن البداية يبدأ تحقيق الرؤيا، وليس من النهايات البالية.

وكما وُضع في كل وزارة مكتب تحقيق للرؤيا؛ فإنه من الأجدى أن تكون الأسرة هي أول وزارة يوضع فيها مثل هذا المكتب.

مكتبٌ تُحاك فيه الخطط لإنتاج جيل صالح، ترنو فيه القيم لمسارها الصحيح، جراء أساليب مبنية على وعي ودراسة ونور، فلا محل للتطور في العتمة.

إنه العلم يا سادة عندما تُبنى عليه التربية، إنه الفهم عندما يكون سيد الموقف؛ فلا تكون مجرد تجارب فطرية وخبرات قديمة عفا عليها الزمن، تستنزف ثروات الوطن وتنهك جسده.

حان الوقت لينحسر الغطاء عن تلك الترهات القديمة في التربية والمقولات المغلوطة.

حان الوقت لتكون التربية مشروعاً يُخَطَّط له، وبحثاً يُحَضَّر له؛ ليكون يراعها خصباً يخضر الوطن معه ويزهر.

عزيزي الأب.. عزيزتي الأم.. عزيزي المربي.. عزيزتي وزارة التعليم.. أعزائي المسؤولين في كل القطاعات:

إن أحسنتم رعاية ذلك الطفل فسيكون ما يقدمه للوطن أكبر بكثير من مخزون النفط والطاقة؛ فقدرات عقله لا حدود لها، إنها هبة من الله، وبأيديكم إثراء ذاك العقل أو إطفاء شعلته للأبد؛ وذلك بتسخير الإمكانات واستجداء جميع السبل لتطوير كل ما يتعلق بالطفل.

ما نريده هو آباء واعون يعرفون ما يفعلون، وأمهات حاضرات بأذهانهن، هدفهن الأول في الحياة استثمار ذلك الطفل حتى يصبح عملة نادرةً تُضيف للوطن ولا تأخذ منه فقط.

ما نحتاجه، هو أن تُمنح رخصة لمن أتم شيئاً من القراءة والاطلاع لإدارة مكتب الرؤية الخاص بأسرتهم، حتى نخفف العبء عن البلاد فلا تتحول تلك الأصفار الجديدة إلى شخصيات مهزوزة سطحية؛ بل حتى مجرمة، تفتك بالوطن وأمنه، وتشيع الفوضى والكسل والإحباط، وتعيق مسيرة التقدم.

ما نريده هو وزارة تعليم تضع مرحلة رياض الأطفال كمشروع طارئ للتحسين والتطوير، بجلب أبرز الكفاءات واستحداث أفضل المناهج والمعلمين المتخصصين، وتهيئة البيئات التربوية المحفزة للمعلم والطالب على حد سواء، وأن يتم إعادة هيكلة مرحلة رياض الأطفال؛ لتكون معاييرها ذات جودة وكفاءة عالية في جميع المدن والمناطق، وأن تعيّن ذوات التخصص الأكفاء لتعليم تلك الثروات العظيمة بدلاً من الاستعانة بتخصصات مختلفة والتعذر بالعجز.

الاستثمار في الطفولة مهما بلغت تكاليفه؛ فإن عوائده ذات دخل مضمون مستقبلاً، وبنسب أرباح مرتفعة، فحري بالمسؤولين أن يضعوا ضمن أولوياتهم استثمار تلك الفئة تعليمياً وتربوياً.

الطفولة يا سادة هي أقوى قطاع ستخدم مخرجاته البلاد، فالاستثمار فيها هو الاستثمار في الإنسان منذ بداية خلقته وهو غض طري قبل أن يعوج فكره وتباغت فطرته!

وذاك الإنسان هو الحجر الأساسي في أي قطاع آخر؛ فإن نهض نهضت معه الهمم حتى نصل القمم بإذن الله.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019