إعلام.. (هياط)

** ارتبطت بدايات الصحافة السعودية بالأدب ارتباطًا وثيقًا، واصطبغت صحف الأفراد في البدايات بصبغة أدبية مميزة، وكان الاهتمام بالأدب هدفًا رئيسًا لصدور بعض الصحف، منها: جريدة صوت الحجاز 1350هـ؛ إذ يقول عبدالوهاب آشي أول رئيس لتحريرها: إن الجريدة أُنشئت لتكون رابطة أدبية بيننا نحن أبناء هذه البلاد، توحِّد بين أفكارنا وميولنا وثقافتنا.

** استمر الاهتمام بالأدب في الصحف التي تلت (صوت الحجاز)، وكانت في معالجتها للقضايا الأدبية تُعنى بفنون المقال النقدي والتحليلي، بل إن افتتاحيات بعض الصحف خُصصت لتناول قضايا الأدب؛ وهذا دليل على الاهتمام الكبير الذي أولته الصحافة لهذا الجانب، إذا ما علمنا أن افتتاحية الصحيفة تعبِّر دائمًا عن التوجُّه الذي يشغلها، أو القضايا الكبيرة التي تشغل الرأي العام.

** قبل ذلك اعتنت صحيفة أم القرى 1343هـ بالقضايا الأدبية رغم صدورها الرسمي؛ وفي ذلك إشارة إلى أن المنتسبين لتلك الصحف كانوا على قدر عالٍ من الثقافة والاطلاع الواسع الذي يمكنهم من الخوض في تلك القضايا، والكتابة عنها.

** لقد أولى الملك عبدالعزيز -رحمه الله - عناية كبيرة للصحافة؛ إذ صدر في عهده - طيب الله ثراه - نظام المطابع والمطبوعات 1347 - 1358هـ لتنظيم العمل الصحفي في السعودية، ثم تلا ذلك اندماجُ بعض الصحف كصحيفتَي "البلاد" و"عرفات"، ونشأةُ المؤسسات الصحفية، وتعدُّد الصحف اليومية التي اضطلعت بمهمتها الوطنية والاجتماعية، وأسهمت بشكل كبير في تنوير المجتمع، ومده بالأخبار العامة، ومناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، وأسهم الكتّاب بطرح الأفكار والرؤى في مختلف القضايا.

** لستُ هنا في تتبُّع تاريخي لبدايات العمل الصحفي في السعودية، بقدر ما هي توطئة لما أريد قوله؛ إذ إن الإعلام كما يقال (مهنة المتاعب)، ولهذا دلالاته المتعددة؛ فالإعلامي يحمل رسالة الكلمة، وقلم النزاهة، والحيادية.. وهذا معناه أن الإعلام مهنة شريفة، لها أخلاقياتها ومبادئها التي يجب أن يتحلى بها كل من يحمل هذه الرسالة.

** مع الثورة التقنية والمعلوماتية، وانفتاح الفضاء، وازدياد الاهتمام بالنشر الإلكتروني، تعددت الصحف ومواقع وتطبيقات النشر لسهولة الاستخدام، وسرعة الانتشار، وبدأت معها الصحافة الإلكترونية، وحصلت بعض الصحف على تصريح وزارة الإعلام كوسيلة عصرية للنشر، وتجاوز عدد الصحف الإلكترونية (120) صحيفة تقريبًا، بين عامة، ومناطقية، وأثبت بعضها مهنية ومسؤولية إعلامية، واختطت لها مسارًا واضحًا، وسياسات نشر، لا تقل عن الصحافة التقليدية، بل تفوقت عليها بفعل ما أُتيح لها من وسائل سريعة، وتكلفة أقل، وسهولة تفاعل المتلقي مع ما يُنشر فيها.. وفي المقابل هناك أسماء لمئات الصحف الغارقة في المناطقية والقبائلية، غير مصرحة، ولا تمت للصحافة بصلة.

** يضاف لما يُنشر في الصحف الإلكترونية ما تعج به مئات التطبيقات، وملايين المواقع الإلكترونية؛ إذ يتجاوز عدد الصفحات الإلكترونية على محركات البحث مليارًا وستمائة مليون موقع حول العالم، وفق بعض الإحصائيات.

** وفي ظل استهلاك المتلقي المعلومات من وسائل الإعلام المختلفة، وانتشار القيل والقال عبر وسائل السوشيال ميديا الحديثة، والترويج للشائعات في منصات مختلفة.. ومع التداخل الكبير بين الإعلام الحقيقي الذي يحمل الرسالة التنويرية لتنمية وعي المجتمع، والمحافظة على فكره من التشتت، والتحجر، أصبح (الكل يدعي وصلاً بليلى)؛ فالكل إعلامي حتى لو لم يكتب سوى رسالة في تطبيق من برامج التواصل، بل أصبح بعضهم لا يرضى بأقل من صفة إدارية بمسمى (رئيس، مشرف)، أو مهنية بمسمى (محرر، كاتب)؛ ليتصدر بذلك الخواء والتهريج، في حين تنعدم أي خلفية إعلامية أو صحفية لكثير من المنتفخين في وسائل التواصل، وأي حضور أو صفة إعلامية.

** وهنا لا بد من الإشارة إلى الفَرْق الدقيق بين المسمى الإعلامي والصحفي؛ فالإعلامي أكثر شمولاً من الصحفي؛ إذ يفترض أن يكون قد مرّ بكثير من التجارب التي بلورت لديه التفكير والقدرة العالية على الإبداع.

** ختامًا.. أرجو ألا يُفهم أنني ضد استخدام التقنية الحديثة؛ فلهذه الوسائل متابعوها، وأثبتت بعض الصحف الإلكترونية نفسها، ومهنيتها، وبعض ممن برز في وسائل التواصل يحمل رسالة إعلامية، وكانت لهم كلمتهم عندما تعرضت السعودية لهجمة إعلامية غير مبررة خلال الفترة الماضية، لكني أردت أن أشير إلى أنه يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها؛ فالصحافة مهنة لها أخلاقياتها المهنية، ومسؤولياتها في خدمة المجتمع، والكتابة مأوى يعبِّر الشخص من خلاله عن أحلامه وآماله، ولا بد أن تكون لدى المتلقي قراءة تحليلية لما يصله عبر هذه الوسائل، في ظل رواج الشائعات، وانتشار ثقافة (الهياط).

14

22 يوليو 2019 - 19 ذو القعدة 1440 12:45 AM

إعلام.. (هياط)

عبدالله بن خميس العمري - الرياض
0 1,157

** ارتبطت بدايات الصحافة السعودية بالأدب ارتباطًا وثيقًا، واصطبغت صحف الأفراد في البدايات بصبغة أدبية مميزة، وكان الاهتمام بالأدب هدفًا رئيسًا لصدور بعض الصحف، منها: جريدة صوت الحجاز 1350هـ؛ إذ يقول عبدالوهاب آشي أول رئيس لتحريرها: إن الجريدة أُنشئت لتكون رابطة أدبية بيننا نحن أبناء هذه البلاد، توحِّد بين أفكارنا وميولنا وثقافتنا.

** استمر الاهتمام بالأدب في الصحف التي تلت (صوت الحجاز)، وكانت في معالجتها للقضايا الأدبية تُعنى بفنون المقال النقدي والتحليلي، بل إن افتتاحيات بعض الصحف خُصصت لتناول قضايا الأدب؛ وهذا دليل على الاهتمام الكبير الذي أولته الصحافة لهذا الجانب، إذا ما علمنا أن افتتاحية الصحيفة تعبِّر دائمًا عن التوجُّه الذي يشغلها، أو القضايا الكبيرة التي تشغل الرأي العام.

** قبل ذلك اعتنت صحيفة أم القرى 1343هـ بالقضايا الأدبية رغم صدورها الرسمي؛ وفي ذلك إشارة إلى أن المنتسبين لتلك الصحف كانوا على قدر عالٍ من الثقافة والاطلاع الواسع الذي يمكنهم من الخوض في تلك القضايا، والكتابة عنها.

** لقد أولى الملك عبدالعزيز -رحمه الله - عناية كبيرة للصحافة؛ إذ صدر في عهده - طيب الله ثراه - نظام المطابع والمطبوعات 1347 - 1358هـ لتنظيم العمل الصحفي في السعودية، ثم تلا ذلك اندماجُ بعض الصحف كصحيفتَي "البلاد" و"عرفات"، ونشأةُ المؤسسات الصحفية، وتعدُّد الصحف اليومية التي اضطلعت بمهمتها الوطنية والاجتماعية، وأسهمت بشكل كبير في تنوير المجتمع، ومده بالأخبار العامة، ومناقشة القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، وأسهم الكتّاب بطرح الأفكار والرؤى في مختلف القضايا.

** لستُ هنا في تتبُّع تاريخي لبدايات العمل الصحفي في السعودية، بقدر ما هي توطئة لما أريد قوله؛ إذ إن الإعلام كما يقال (مهنة المتاعب)، ولهذا دلالاته المتعددة؛ فالإعلامي يحمل رسالة الكلمة، وقلم النزاهة، والحيادية.. وهذا معناه أن الإعلام مهنة شريفة، لها أخلاقياتها ومبادئها التي يجب أن يتحلى بها كل من يحمل هذه الرسالة.

** مع الثورة التقنية والمعلوماتية، وانفتاح الفضاء، وازدياد الاهتمام بالنشر الإلكتروني، تعددت الصحف ومواقع وتطبيقات النشر لسهولة الاستخدام، وسرعة الانتشار، وبدأت معها الصحافة الإلكترونية، وحصلت بعض الصحف على تصريح وزارة الإعلام كوسيلة عصرية للنشر، وتجاوز عدد الصحف الإلكترونية (120) صحيفة تقريبًا، بين عامة، ومناطقية، وأثبت بعضها مهنية ومسؤولية إعلامية، واختطت لها مسارًا واضحًا، وسياسات نشر، لا تقل عن الصحافة التقليدية، بل تفوقت عليها بفعل ما أُتيح لها من وسائل سريعة، وتكلفة أقل، وسهولة تفاعل المتلقي مع ما يُنشر فيها.. وفي المقابل هناك أسماء لمئات الصحف الغارقة في المناطقية والقبائلية، غير مصرحة، ولا تمت للصحافة بصلة.

** يضاف لما يُنشر في الصحف الإلكترونية ما تعج به مئات التطبيقات، وملايين المواقع الإلكترونية؛ إذ يتجاوز عدد الصفحات الإلكترونية على محركات البحث مليارًا وستمائة مليون موقع حول العالم، وفق بعض الإحصائيات.

** وفي ظل استهلاك المتلقي المعلومات من وسائل الإعلام المختلفة، وانتشار القيل والقال عبر وسائل السوشيال ميديا الحديثة، والترويج للشائعات في منصات مختلفة.. ومع التداخل الكبير بين الإعلام الحقيقي الذي يحمل الرسالة التنويرية لتنمية وعي المجتمع، والمحافظة على فكره من التشتت، والتحجر، أصبح (الكل يدعي وصلاً بليلى)؛ فالكل إعلامي حتى لو لم يكتب سوى رسالة في تطبيق من برامج التواصل، بل أصبح بعضهم لا يرضى بأقل من صفة إدارية بمسمى (رئيس، مشرف)، أو مهنية بمسمى (محرر، كاتب)؛ ليتصدر بذلك الخواء والتهريج، في حين تنعدم أي خلفية إعلامية أو صحفية لكثير من المنتفخين في وسائل التواصل، وأي حضور أو صفة إعلامية.

** وهنا لا بد من الإشارة إلى الفَرْق الدقيق بين المسمى الإعلامي والصحفي؛ فالإعلامي أكثر شمولاً من الصحفي؛ إذ يفترض أن يكون قد مرّ بكثير من التجارب التي بلورت لديه التفكير والقدرة العالية على الإبداع.

** ختامًا.. أرجو ألا يُفهم أنني ضد استخدام التقنية الحديثة؛ فلهذه الوسائل متابعوها، وأثبتت بعض الصحف الإلكترونية نفسها، ومهنيتها، وبعض ممن برز في وسائل التواصل يحمل رسالة إعلامية، وكانت لهم كلمتهم عندما تعرضت السعودية لهجمة إعلامية غير مبررة خلال الفترة الماضية، لكني أردت أن أشير إلى أنه يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها؛ فالصحافة مهنة لها أخلاقياتها المهنية، ومسؤولياتها في خدمة المجتمع، والكتابة مأوى يعبِّر الشخص من خلاله عن أحلامه وآماله، ولا بد أن تكون لدى المتلقي قراءة تحليلية لما يصله عبر هذه الوسائل، في ظل رواج الشائعات، وانتشار ثقافة (الهياط).

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019