"ليوان" المديفر.. وتحصين الشباب!!

حقيقة، لا أعلم ما المغزى من إجراء بعض المقابلات التلفزيونية مع ضيوف، جُل ما يقدمونه لا يتجاوز الإثارة الإعلامية غير المنضبطة، وتمرير بعض المفاهيم القاصرة، والشبهات حول الإسلام وتاريخه، دون طرح علمي ونقاش منهجي!! حتى أصبح الإسلام وتاريخه كلأ مباحًا للقاصي والداني!!

الجميل في الأمر أن الحراك في منصات التواصل الاجتماعي يُشعرك بوجود نضج فكري وعقدي عالٍ لدى الكثير من شبابنا؛ ما يجعلهم يرفضون ذلك.. لكن تظل شريحة معينة من الشباب، من كلا الجنسين، عُرضة لتلك الشبهات والتشكيك بالثوابت وقيم الوسطية. وسأحاول في هذا المقال إعطاء هذه الفئة حقنة لقاح فعَّال لتفنيد مثل تلك الأطروحات بطريقة سلسة منطقية، تعتمد على ما نسميه بـ"المهارات الحياتية"، التي من المفترض أن يتعلمها الشباب بشكل متعمق متقن.

فالمهارات الحياتية مفهوم تربوي تعليمي قائم على كيفية تعليم الأطفال والمراهقين والشباب عددًا من المهارات التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية؛ لتساعدهم في فهم الحياة من حولهم، والتعايش بشكل إيجابي مع الضغوطات والمصاعب، والحد من السلوكيات الضارة أو المضادة لقيمهم.. وتطالب بتعلمها العديد من المنظمات كمنظمة اليونسكو واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية. ومن أمثلتها مهارات التفكير الناقد، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، ومهارات التفاوض، والرفض، وإدارة النزاع، ومهارات توكيد الذات.. وغيرها. وبشكل مختصر: هي مشابهة للتطعيم الذي يعطَى للشخص؛ لتتشكل لديه مناعة تجاه الجرثومة مهما تعرض لها.. وهي أقرب للمثل الصيني الذي يقول "لا تعطني سمكة كل يوم، ولكن علمني كيف أصطاد".

ولنأخذ مهارة "التفكير الناقد"؛ لنحلل أجزاء من حلقتين، عُرضتا في البرنامج الحواري المثير للجدل "الليوان".

في إحدى الحلقات كان ضيف البرنامج شخصية، انتقلت من غلاة المتطرفين في الدين إلى غلاة المرجئة. ويمكن الرد على الفكر الذي طرحه هذا الضيف، وتجريده بكل بساطة، باستخدام مهارة "التفكير الناقد". فمجرد التفكير في الأحداث التي ذكرها هذا الضيف، وتحليلها، يستطيع الشاب أن يعلم يقينًا مدى التشتت والتفلت الفكري، والتذبذب الكبير في القناعات، وسهولة الانقياد يمنة ويسرة لدى فكر الضيف. يظهر ذلك على سبيل المثال في قصة الحديث الجانبي العابر الذي دار بين الضيف وشيخ ما في منتصف الدرج؛ ليقتنع مباشرة بأن التعليم في المدارس الحكومية منكر، ولا يراد به وجه الله؛ لينقلب على عقبيه؛ فيتوقف عن الدراسة في لحظة عابرة؟!! وجلسة مع بضعة شباب تجعله يشارك في الاعتداء وحرق أحد المحال، مع أنه لم يكن قبل تلك الجلسة مقتنعًا بذلك على حد تعبيره!! هذه التناقضات وسهولة الانقياد تجعلنا نضع علامات استفهام كبيرة حول تلك القناعات.

والتفكير الناقد يقول لنا إن من ينقلب من أحد غلاة المتشددين في الدين إلى شخص يصف نفسه بأنه من "غلاة المرجئة" كفيلٌ بأن تنهار قناعات المتلقي بمنطقه؛ فلا يمكن للفكر المتزن والعقلاني أن يصف نفسه بالغلو؛ فالغلو دائمًا رديف التشدد والعنف وتجاوز العدل والوسطية.. فكأنما يكرر الغلو السابق نفسه، ولكن بطريقة ومدرسة مختلفة.

والمرجئة طوائف متعددة، منهم من يقول إن الإيمان هو التصديق بالقلب ولا حاجة للقول والعمل، ومنهم من يقول إن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط دون الحاجة للعمل.

ولو عدنا مجددًا لمهارة التفكير الناقد المبني على المنطق الإيماني المتأمل للهدي النبوي سنقول: وهل المرجئة أعلم من رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- الذي أمرنا بالإيمان والقول والعمل؟ إذًا لماذا أمرنا الله في كتابه بالصلاة والصوم والزكاة والحج؟ لِمَ لم يفعل ذلك الرسول وصحابته، ويكتفوا بالإيمان في القلب دون العمل؟

والتفكير الناقد سيتساءل: لماذا إذًا أنزل الله 114 سورة تعلِّم الناس أخلاقهم وسلوكياتهم وعباداتهم القلبية والقولية والبدنية؟ ألا يكفينا بضع آيات تعلم الناس الإيمان القلبي؟ تعالى الله عن ذلك. بتأمل وتفكير كهذا يمكن أن تُزلزل كل تلك الشبهات.. وبالطبع فلا غنى مطلقًا عن ضرورة قراءة ما كتب العلماء الربانيون في الرد على مثل تلك الشبهات.

ولنأخذ - أيها الشباب - ضيفًا آخر، ونفند بعض شبهاته بأداة "التفكير الناقد" نفسها؛ فهذه الأداة ستدلنا على أنه من غير المنطق أن أقبل حديث شخص يتحدث عن التاريخ الإسلامي، وليفتي لنا بأن فتح الأندلس وفتح السند وغيرهما ليست فتوحًا إسلامية، بل حروبًا عربية أوردتنا المهالك، وهو لا يملك سوى شهادة في الإخراج السينمائي، ليس لها في العير ولا في النفير بالتاريخ الإسلامي، مع كل التقدير والاحترام له. فالفكر الناقد سيقول: من أين له بهذا الرأي الذي يخالف فيه علماء ومؤرخين إسلاميين، بل علماء ومؤرخين غربيين، أشادوا بتلك الفتوحات التي كانت سببًا في نشوء حضارة علمية وعدل ومساواة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية؟ وبالتالي فالأمر لا يعدو رأيًا شخصيًّا قاصرًا، لا يستند للغة العلم والدليل، ولا قراءة متجردة للتاريخ الإسلامي.

حديثي هذا لا يلغي أن هذا الضيف يملك عاطفة جياشة للإسلام والمسلمين، لكن مهارة "التفكير الناقد" تدلني على أن العاطفة وحدها لا تكفي إذا لم تستند للعلم والمعرفة والبرهان. وقد جاء الرد العلمي سريعًا في البرنامج نفسه من قِبل أستاذ التاريخ د. محمد العويضي؛ ليفند تلك الاجتهادات الخاطئة.

على كلٍّ، دعواتي لي ولهم جميعًا بالتوفيق والسداد.

ورسالتي للشباب أن حصِّنوا أنفسكم بالمهارات الحياتية، ومهارات التعامل مع الإساءة، ومواجهة الصدمات، وإدارة التعامل مع الضغوط، واقرؤوا أيضًا في مفهوم "التربية الإعلامية"؛ لتعلموا كيف يدار الإعلام، ويسيطر على العقول. عضُّوا على قيمكم وثوابتكم بالنواجذ.

ولنعلم أن المجتمع السعودي ليس بدعًا من المجتمعات الإسلامية، فلا تُصدموا أو تهتز قيمكم بما تسمعون؛ فقد عانت الأمة الإسلامية منذ بزوغ فجرها من الغلاة والمتشددين والمفرطين والجهلاء والخوارج.. وكما سنجد الغلاة في الدين سنجدهم أيضًا في التحرر، والانفلات الفكري، والانسلاخ من قيم المجتمع.

ومن باب الإنصاف، لا شك أن "الليوان" استضاف شخصيات قدَّمت معلومات قيمة وجديدة، وأتحفتنا بمفاهيم قيمة، كاستضافته بعض المفكرين والمؤرخين، أو أساتذة الجامعات والأطباء، وغيرهم من أهل التخصص.

12

27 مايو 2019 - 22 رمضان 1440 11:28 PM

"ليوان" المديفر.. وتحصين الشباب!!

عبدالرحمن القحطاني - الرياض
4 1,884

حقيقة، لا أعلم ما المغزى من إجراء بعض المقابلات التلفزيونية مع ضيوف، جُل ما يقدمونه لا يتجاوز الإثارة الإعلامية غير المنضبطة، وتمرير بعض المفاهيم القاصرة، والشبهات حول الإسلام وتاريخه، دون طرح علمي ونقاش منهجي!! حتى أصبح الإسلام وتاريخه كلأ مباحًا للقاصي والداني!!

الجميل في الأمر أن الحراك في منصات التواصل الاجتماعي يُشعرك بوجود نضج فكري وعقدي عالٍ لدى الكثير من شبابنا؛ ما يجعلهم يرفضون ذلك.. لكن تظل شريحة معينة من الشباب، من كلا الجنسين، عُرضة لتلك الشبهات والتشكيك بالثوابت وقيم الوسطية. وسأحاول في هذا المقال إعطاء هذه الفئة حقنة لقاح فعَّال لتفنيد مثل تلك الأطروحات بطريقة سلسة منطقية، تعتمد على ما نسميه بـ"المهارات الحياتية"، التي من المفترض أن يتعلمها الشباب بشكل متعمق متقن.

فالمهارات الحياتية مفهوم تربوي تعليمي قائم على كيفية تعليم الأطفال والمراهقين والشباب عددًا من المهارات التي يحتاجون إليها في حياتهم اليومية؛ لتساعدهم في فهم الحياة من حولهم، والتعايش بشكل إيجابي مع الضغوطات والمصاعب، والحد من السلوكيات الضارة أو المضادة لقيمهم.. وتطالب بتعلمها العديد من المنظمات كمنظمة اليونسكو واليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية. ومن أمثلتها مهارات التفكير الناقد، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، ومهارات التفاوض، والرفض، وإدارة النزاع، ومهارات توكيد الذات.. وغيرها. وبشكل مختصر: هي مشابهة للتطعيم الذي يعطَى للشخص؛ لتتشكل لديه مناعة تجاه الجرثومة مهما تعرض لها.. وهي أقرب للمثل الصيني الذي يقول "لا تعطني سمكة كل يوم، ولكن علمني كيف أصطاد".

ولنأخذ مهارة "التفكير الناقد"؛ لنحلل أجزاء من حلقتين، عُرضتا في البرنامج الحواري المثير للجدل "الليوان".

في إحدى الحلقات كان ضيف البرنامج شخصية، انتقلت من غلاة المتطرفين في الدين إلى غلاة المرجئة. ويمكن الرد على الفكر الذي طرحه هذا الضيف، وتجريده بكل بساطة، باستخدام مهارة "التفكير الناقد". فمجرد التفكير في الأحداث التي ذكرها هذا الضيف، وتحليلها، يستطيع الشاب أن يعلم يقينًا مدى التشتت والتفلت الفكري، والتذبذب الكبير في القناعات، وسهولة الانقياد يمنة ويسرة لدى فكر الضيف. يظهر ذلك على سبيل المثال في قصة الحديث الجانبي العابر الذي دار بين الضيف وشيخ ما في منتصف الدرج؛ ليقتنع مباشرة بأن التعليم في المدارس الحكومية منكر، ولا يراد به وجه الله؛ لينقلب على عقبيه؛ فيتوقف عن الدراسة في لحظة عابرة؟!! وجلسة مع بضعة شباب تجعله يشارك في الاعتداء وحرق أحد المحال، مع أنه لم يكن قبل تلك الجلسة مقتنعًا بذلك على حد تعبيره!! هذه التناقضات وسهولة الانقياد تجعلنا نضع علامات استفهام كبيرة حول تلك القناعات.

والتفكير الناقد يقول لنا إن من ينقلب من أحد غلاة المتشددين في الدين إلى شخص يصف نفسه بأنه من "غلاة المرجئة" كفيلٌ بأن تنهار قناعات المتلقي بمنطقه؛ فلا يمكن للفكر المتزن والعقلاني أن يصف نفسه بالغلو؛ فالغلو دائمًا رديف التشدد والعنف وتجاوز العدل والوسطية.. فكأنما يكرر الغلو السابق نفسه، ولكن بطريقة ومدرسة مختلفة.

والمرجئة طوائف متعددة، منهم من يقول إن الإيمان هو التصديق بالقلب ولا حاجة للقول والعمل، ومنهم من يقول إن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان فقط دون الحاجة للعمل.

ولو عدنا مجددًا لمهارة التفكير الناقد المبني على المنطق الإيماني المتأمل للهدي النبوي سنقول: وهل المرجئة أعلم من رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- الذي أمرنا بالإيمان والقول والعمل؟ إذًا لماذا أمرنا الله في كتابه بالصلاة والصوم والزكاة والحج؟ لِمَ لم يفعل ذلك الرسول وصحابته، ويكتفوا بالإيمان في القلب دون العمل؟

والتفكير الناقد سيتساءل: لماذا إذًا أنزل الله 114 سورة تعلِّم الناس أخلاقهم وسلوكياتهم وعباداتهم القلبية والقولية والبدنية؟ ألا يكفينا بضع آيات تعلم الناس الإيمان القلبي؟ تعالى الله عن ذلك. بتأمل وتفكير كهذا يمكن أن تُزلزل كل تلك الشبهات.. وبالطبع فلا غنى مطلقًا عن ضرورة قراءة ما كتب العلماء الربانيون في الرد على مثل تلك الشبهات.

ولنأخذ - أيها الشباب - ضيفًا آخر، ونفند بعض شبهاته بأداة "التفكير الناقد" نفسها؛ فهذه الأداة ستدلنا على أنه من غير المنطق أن أقبل حديث شخص يتحدث عن التاريخ الإسلامي، وليفتي لنا بأن فتح الأندلس وفتح السند وغيرهما ليست فتوحًا إسلامية، بل حروبًا عربية أوردتنا المهالك، وهو لا يملك سوى شهادة في الإخراج السينمائي، ليس لها في العير ولا في النفير بالتاريخ الإسلامي، مع كل التقدير والاحترام له. فالفكر الناقد سيقول: من أين له بهذا الرأي الذي يخالف فيه علماء ومؤرخين إسلاميين، بل علماء ومؤرخين غربيين، أشادوا بتلك الفتوحات التي كانت سببًا في نشوء حضارة علمية وعدل ومساواة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية؟ وبالتالي فالأمر لا يعدو رأيًا شخصيًّا قاصرًا، لا يستند للغة العلم والدليل، ولا قراءة متجردة للتاريخ الإسلامي.

حديثي هذا لا يلغي أن هذا الضيف يملك عاطفة جياشة للإسلام والمسلمين، لكن مهارة "التفكير الناقد" تدلني على أن العاطفة وحدها لا تكفي إذا لم تستند للعلم والمعرفة والبرهان. وقد جاء الرد العلمي سريعًا في البرنامج نفسه من قِبل أستاذ التاريخ د. محمد العويضي؛ ليفند تلك الاجتهادات الخاطئة.

على كلٍّ، دعواتي لي ولهم جميعًا بالتوفيق والسداد.

ورسالتي للشباب أن حصِّنوا أنفسكم بالمهارات الحياتية، ومهارات التعامل مع الإساءة، ومواجهة الصدمات، وإدارة التعامل مع الضغوط، واقرؤوا أيضًا في مفهوم "التربية الإعلامية"؛ لتعلموا كيف يدار الإعلام، ويسيطر على العقول. عضُّوا على قيمكم وثوابتكم بالنواجذ.

ولنعلم أن المجتمع السعودي ليس بدعًا من المجتمعات الإسلامية، فلا تُصدموا أو تهتز قيمكم بما تسمعون؛ فقد عانت الأمة الإسلامية منذ بزوغ فجرها من الغلاة والمتشددين والمفرطين والجهلاء والخوارج.. وكما سنجد الغلاة في الدين سنجدهم أيضًا في التحرر، والانفلات الفكري، والانسلاخ من قيم المجتمع.

ومن باب الإنصاف، لا شك أن "الليوان" استضاف شخصيات قدَّمت معلومات قيمة وجديدة، وأتحفتنا بمفاهيم قيمة، كاستضافته بعض المفكرين والمؤرخين، أو أساتذة الجامعات والأطباء، وغيرهم من أهل التخصص.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019