منع الجوالات.. الإيجابيات تفوق السلبيات

حسنًا فعلت وزارة التعليم بإصدار قرارها القاضي بمنع استخدام الهواتف الذكية نهائيًّا داخل المدارس؛ وهو ما وضع حدًّا لحالة الجدل التي كانت سائدة خلال الفترة الماضية، والمخاوف التي اعترت كثيرًا من أولياء الأمور مما يمكن أن يسببه سوء استخدام تلك الأجهزة في المدارس من مشكلات كثيرة، قد لا تستطيع إدارات المدارس أو الآباء تحمُّل الآثار المترتبة عليها؛ وهو ما أعاد إليهم السكينة والاطمئنان بعد أسبوع من التوتر والشد العصبي الذي كان مسيطرًا عليهم.

بدءًا، فإن مساوئ استخدام تلك الأجهزة ليست مقصورة على التجاوزات التي يمكن أن يرتكبها الطلاب والطالبات بتصوير زملائهم، وبث مقاطع مصوَّرة لهم على وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات التعامل معها من أساسيات حياتهم اليومية، شئنا أم أبينا، بل إن الخطر الأكبر – من وجهة نظري – كان يتمثل في صرف انتباههم عن التحصيل الدراسي، وتحويله إلى الانشغال بالهواتف، والتباهي بها أمام أقرانهم؛ وهو ما يقلل نسبة تركيزهم.

كذلك فإن استخدام تلك الأجهزة يجهض الجهود الكبيرة التي تبذلها الوزارة لإنجاح اليوم الدراسي، وتركيز انتباه الطلاب لاستيعاب المقررات الدراسية.. وهي العوامل التي راعتها الوزارة بالتعديلات الكثيرة التي تم إجراؤها مؤخرًا، التي شملت إقرار ثلاثة فصول دراسية بدلاً من فصلين، وإدراج مناهج جديدة وأساليب تعليم متطورة.. وهي خطوات موفقة، لا بد من دعمها وتركيزها، وعدم تشتيت الجهود بأشياء انصرافية لا تسمن ولا تغني من جوع.

من المساوئ كذلك أن الاستخدام المتواصل لتلك الأجهزة لساعات طويلة بات مشكلة كبيرة، تؤرق بال المختصين التربويين؛ فقد وصل الأمر إلى حد الإدمان؛ وهو ما يهدد أولئك الأطفال بمشكلات صحية ونفسية خطيرة، تصل إلى حد الانعزال عن المحيط العائلي، وعدم التواصل مع أفراد الأسرة، وبناء عوالم افتراضية يعيشون فيها.

كذلك فإن المدارس هي أماكن تربوية مخصصة لتلقي العلم فقط. وتحقيق هذه الغاية يتطلب عدم وجود مؤثرات خارجية، قد تسهم في إيصال رسائل سالبة، تتعارض معها. ولا شك أن مواقع الإنترنت ووسائط التواصل مليئة بتلك الرسائل. فإذا كان الآباء يراقبون استخدام أبنائهم الجوالات والمواقع التي يرتادونها فبالتأكيد لا يمكنهم فعل ذلك عندما يكونون بعيدين عنهم.

هناك أيضًا مخاوف لا يمكن إنكارها، تتمثل فيما يمكن أن يحدث من انتهاك للحياة الخاصة، والتعدي على الأمور الشخصية، ولاسيما للفتيات والمعلمات. فالجميع يعلم الخصوصية التي يتصف بها مجتمعنا، والحرص على التعامل في أشياء معينة، فإذا ما حدث تجاوز لتلك العادات والتقاليد فإن هناك عقوبات مقررة شرعًا وقانونًا على مرتكبيها، حتى وإن كانوا أحداثًا أو صغارًا في السن. وقد شاهدنا جميعًا الارتباك الكبير الذي حدث خلال الأسبوع الماضي لكثير من الطالبات والمعلمات بسبب وجود تلك الأجهزة؛ لذلك فقد هدف القرار بصورة رئيسية إلى حماية الطلاب وأسرهم من الوقوع في بعض الأخطاء التي قد لا يتوقعونها، أو المخالفات القانونية التي قد تُحمِّلهم الكثير من المتاعب، إضافة إلى إشغال المحاكم والقضاة، ولاسيما عندما نستصحب في الأذهان أن هناك أكثر من 6 ملايين طالب وطالبة بمدارس السعودية، فضلاً عن عدد المعلمين والمعلمات.

أما أصحاب الآراء الذين يرون ضرورة وجود الجوالات بحوزة الطلاب أثناء اليوم الدراسي فإن لهم أسبابًا قد تبدو منطقية وصحيحة، مثل الفائدة التي يمكن أن يحققها الطلاب عن طريق الاستخدام الأمثل لوسائل التقنية التي يمكن أن تعينهم على تحصيل العلوم النافعة، لكني أعتقد أن هناك مسافة كبيرة بين تلك التطلعات والواقع الفعلي.

فالمعلمون والمعلمات يقومون بتدريس الطلاب مناهجهم من كتب قامت الوزارة بطباعتها وتوفيرها لهم، وإذا كانت هناك حاجة فعلية لإضافة بعض المعلومات من مواقع الإنترنت فإن إمكانهم فعل ذلك عقب انتهاء اليوم الدراسي، على أن يكون ذلك ضمن الواجبات الدراسية التي يقومون بأدائها في منازلهم.

أما من يشيرون إلى كيفية التأكد من الحالة الصحية للطلاب فإن إدارات المدارس يمكنها تخصيص رقم واتساب؛ ليقوم أولياء الأمور بإرسال صورة يومية للحالة من تطبيق (توكلنا)، تؤكد سلامة أبنائهم. كما أن الوزارة راعت بعض الظروف الخارجة عن الإرادة، ووضعت لها استثناءات، تسمح للبعض باصطحاب جوالاتهم معهم للمدارس، على أن يتم تسليمها لإدارة المدرسة بمجرد دخول أصحابها الذين يتسلمونها بعد نهاية اليوم الدراسي.

ما أود قوله في الختام هو أننا لسنا بحاجة إلى المزيد من المماحكات والدخول في جدالات بيزنطية، لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا، وضمان حصولهم على العلم النافع.. فلا داعي لفتح نوافذ قد تعود علينا بمشكلات نحن في غنى عنها، وأتمنى من الجميع مساعدة المعلمين والتربويين على توجيه اهتمامهم وتركيزهم لإنجاح العملية التربوية، وعدم إلقاء مزيد من الأعباء عليهم؛ فهم الذين يقودون فلذات أكبادنا نحو مراقي النجاح وآفاق التطور.

علي آل شرمة

7

04 سبتمبر 2021 - 27 محرّم 1443 08:41 PM

منع الجوالات.. الإيجابيات تفوق السلبيات

علي آل شرمة - الرياض
4 1,522

حسنًا فعلت وزارة التعليم بإصدار قرارها القاضي بمنع استخدام الهواتف الذكية نهائيًّا داخل المدارس؛ وهو ما وضع حدًّا لحالة الجدل التي كانت سائدة خلال الفترة الماضية، والمخاوف التي اعترت كثيرًا من أولياء الأمور مما يمكن أن يسببه سوء استخدام تلك الأجهزة في المدارس من مشكلات كثيرة، قد لا تستطيع إدارات المدارس أو الآباء تحمُّل الآثار المترتبة عليها؛ وهو ما أعاد إليهم السكينة والاطمئنان بعد أسبوع من التوتر والشد العصبي الذي كان مسيطرًا عليهم.

بدءًا، فإن مساوئ استخدام تلك الأجهزة ليست مقصورة على التجاوزات التي يمكن أن يرتكبها الطلاب والطالبات بتصوير زملائهم، وبث مقاطع مصوَّرة لهم على وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات التعامل معها من أساسيات حياتهم اليومية، شئنا أم أبينا، بل إن الخطر الأكبر – من وجهة نظري – كان يتمثل في صرف انتباههم عن التحصيل الدراسي، وتحويله إلى الانشغال بالهواتف، والتباهي بها أمام أقرانهم؛ وهو ما يقلل نسبة تركيزهم.

كذلك فإن استخدام تلك الأجهزة يجهض الجهود الكبيرة التي تبذلها الوزارة لإنجاح اليوم الدراسي، وتركيز انتباه الطلاب لاستيعاب المقررات الدراسية.. وهي العوامل التي راعتها الوزارة بالتعديلات الكثيرة التي تم إجراؤها مؤخرًا، التي شملت إقرار ثلاثة فصول دراسية بدلاً من فصلين، وإدراج مناهج جديدة وأساليب تعليم متطورة.. وهي خطوات موفقة، لا بد من دعمها وتركيزها، وعدم تشتيت الجهود بأشياء انصرافية لا تسمن ولا تغني من جوع.

من المساوئ كذلك أن الاستخدام المتواصل لتلك الأجهزة لساعات طويلة بات مشكلة كبيرة، تؤرق بال المختصين التربويين؛ فقد وصل الأمر إلى حد الإدمان؛ وهو ما يهدد أولئك الأطفال بمشكلات صحية ونفسية خطيرة، تصل إلى حد الانعزال عن المحيط العائلي، وعدم التواصل مع أفراد الأسرة، وبناء عوالم افتراضية يعيشون فيها.

كذلك فإن المدارس هي أماكن تربوية مخصصة لتلقي العلم فقط. وتحقيق هذه الغاية يتطلب عدم وجود مؤثرات خارجية، قد تسهم في إيصال رسائل سالبة، تتعارض معها. ولا شك أن مواقع الإنترنت ووسائط التواصل مليئة بتلك الرسائل. فإذا كان الآباء يراقبون استخدام أبنائهم الجوالات والمواقع التي يرتادونها فبالتأكيد لا يمكنهم فعل ذلك عندما يكونون بعيدين عنهم.

هناك أيضًا مخاوف لا يمكن إنكارها، تتمثل فيما يمكن أن يحدث من انتهاك للحياة الخاصة، والتعدي على الأمور الشخصية، ولاسيما للفتيات والمعلمات. فالجميع يعلم الخصوصية التي يتصف بها مجتمعنا، والحرص على التعامل في أشياء معينة، فإذا ما حدث تجاوز لتلك العادات والتقاليد فإن هناك عقوبات مقررة شرعًا وقانونًا على مرتكبيها، حتى وإن كانوا أحداثًا أو صغارًا في السن. وقد شاهدنا جميعًا الارتباك الكبير الذي حدث خلال الأسبوع الماضي لكثير من الطالبات والمعلمات بسبب وجود تلك الأجهزة؛ لذلك فقد هدف القرار بصورة رئيسية إلى حماية الطلاب وأسرهم من الوقوع في بعض الأخطاء التي قد لا يتوقعونها، أو المخالفات القانونية التي قد تُحمِّلهم الكثير من المتاعب، إضافة إلى إشغال المحاكم والقضاة، ولاسيما عندما نستصحب في الأذهان أن هناك أكثر من 6 ملايين طالب وطالبة بمدارس السعودية، فضلاً عن عدد المعلمين والمعلمات.

أما أصحاب الآراء الذين يرون ضرورة وجود الجوالات بحوزة الطلاب أثناء اليوم الدراسي فإن لهم أسبابًا قد تبدو منطقية وصحيحة، مثل الفائدة التي يمكن أن يحققها الطلاب عن طريق الاستخدام الأمثل لوسائل التقنية التي يمكن أن تعينهم على تحصيل العلوم النافعة، لكني أعتقد أن هناك مسافة كبيرة بين تلك التطلعات والواقع الفعلي.

فالمعلمون والمعلمات يقومون بتدريس الطلاب مناهجهم من كتب قامت الوزارة بطباعتها وتوفيرها لهم، وإذا كانت هناك حاجة فعلية لإضافة بعض المعلومات من مواقع الإنترنت فإن إمكانهم فعل ذلك عقب انتهاء اليوم الدراسي، على أن يكون ذلك ضمن الواجبات الدراسية التي يقومون بأدائها في منازلهم.

أما من يشيرون إلى كيفية التأكد من الحالة الصحية للطلاب فإن إدارات المدارس يمكنها تخصيص رقم واتساب؛ ليقوم أولياء الأمور بإرسال صورة يومية للحالة من تطبيق (توكلنا)، تؤكد سلامة أبنائهم. كما أن الوزارة راعت بعض الظروف الخارجة عن الإرادة، ووضعت لها استثناءات، تسمح للبعض باصطحاب جوالاتهم معهم للمدارس، على أن يتم تسليمها لإدارة المدرسة بمجرد دخول أصحابها الذين يتسلمونها بعد نهاية اليوم الدراسي.

ما أود قوله في الختام هو أننا لسنا بحاجة إلى المزيد من المماحكات والدخول في جدالات بيزنطية، لا تقدِّم ولا تؤخِّر، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بمستقبل أبنائنا، وضمان حصولهم على العلم النافع.. فلا داعي لفتح نوافذ قد تعود علينا بمشكلات نحن في غنى عنها، وأتمنى من الجميع مساعدة المعلمين والتربويين على توجيه اهتمامهم وتركيزهم لإنجاح العملية التربوية، وعدم إلقاء مزيد من الأعباء عليهم؛ فهم الذين يقودون فلذات أكبادنا نحو مراقي النجاح وآفاق التطور.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021