"سلطنة مساطيل" يريدها "أردوغان".. كيف نشر العثمانيون الحشيش بين العرب؟

تحدّث عن تقنين زراعة القنب.. والتاريخ يتنقل بين سوريا ومصر وقرار حاكمها القوي

فيما بدا أنها محاولة لاستعادة تاريخ الأجداد في "سلطنة الحشيش"، تحدّث الرئيس التركي رجب أردوغان في يناير 2019، عن ضرورة تقنين زراعة القنب؛ معيدًا للأذهان كيف عاش أجداده العثمانيون على تجارة "الحشيش" وكيف نشروا وباءه في العالم العربي؛ إذ قنن العثمانيون زراعة وتجارة الحشيش في دولتهم طوال ستمائة عام، ويعود إليهم السبب في انتشار النبتة المخدرة الشهيرة بين الشعوب العربية حتى اليوم.

وانتشر تعاطي الحشيش بين التركمان في الأناضول منذ القرن الرابع عشر الميلادي؛ ولا سيما في عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني، وقام سلاطين آل عثمان بتقنين زراعة الحشيش؛ لا سيما في منطقة البحر الأسود؛ حيث زرع في مقاطعات سامسون، وسينوب، وقسطمونية، وأماسيا، وتشوروم، وبوردو، وأورفة، ومالاطيا.. وكانت عمليات زراعة الحشيش وصناعاته التحويلية تتم على أيدي عائلات صغيرة تمتلك الأراضي وكذلك الورش المصنعة.

وبحسب موقع "عثمانلي" المهتم بالشأن التركي، رصدت الوثائق العثمانية حجم تجارة الحشيش في التاريخ العثماني؛ حيث أنتج حوالى 90.981 كيلوجرامًا من الحشيش في طاشكوبرو عام 1520، وحوالى 354.794 كيلوجرامًا في طرابزون عام 1554، وأنتج المزارعون نحو 349.858 كيلوجرامًا في أقش آباد عام 1554، وحوالى 20.484 كيلوجرامًا في توقات عام 1574.

وكانت الدولة العثمانية تحصّل ضرائب من مزارعي القنب الهندي في منطقة البحر الأسود، كما حصّلت جزءًا من تلك الضرائب عينيًّا في صورة "حشيش"؛ حيث كانت "سامسون" التي صدرت، أحد أجود أنواع الحشيش تقدم نحو 1600 كيلوجرام من النبتة المخدرة إلى السلطات العثمانية كضريبة، وساهم في جمع تلك الضريبة نحو 5612 عائلة من مزارعي الحشيش في المدينة.

وسمح العثمانيون بزراعة الحشيش في الأراضي العربية، وغدت المدائن الكبرى في المشرق مثل القاهرة ودمشق وحلب، تعج بالبيوت التي يرتادها الناس يوميًّا لتعاطي الحشيش، دون أدنى مساءلة من الشرع أو القانون.

وقد أضيف في العصر العثماني إلى سوءة الحشيش، سوءات أخرى عرفها العرب عبر الوسيط العثماني؛ مثل الأفيون الذي أنتجه أتراك الأناضول أيضًا من نبات الخشخاش وصدروه إلى الأقاليم العربية، وكذلك التبغ الذي يُقِر مؤرخو مصر العثمانية أن القاهرة عرفته للمرة الأولى في عصر والٍ تركي يدعى "إبراهيم باشا" في القرن السابع عشر.

ولم تبرأ مصر من آفة الحشيش المشرعن إلا بعد وصول محمد علي باشا إلى سدة الحكم فيها أوائل القرن التاسع عشر؛ حيث كان الباشا في موضع قوة مكّنته من فرض إرادته بتحريم الحشيش دون العودة إلى السلطنة العثمانية في إسطنبول، وقرر تحريم زراعة الحشيش، بعد أن لاحظ تأثيره السلبي على الأوضاع الصحية للفلاحين.

وبينما انقطع الوجود الشرعي للحشيش في العالم العربي بابتعاد ذلك العالم عن القبضة المركزية العثمانية؛ فإن تركيا نفسها لم تبرأ من تلك المسألة حتى بعد انهيار الدولة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية؛ حيث ظلت الأناضول واحدة من أهم مراكز زراعة وإنتاج المخدرات بأنواعها في العالم (حشيش، أفيون، هيروين)، وبصورة رسمية تمامًا كما كانت في العصر العثماني.

64

14 يوليو 2019 - 11 ذو القعدة 1440 12:00 PM

تحدّث عن تقنين زراعة القنب.. والتاريخ يتنقل بين سوريا ومصر وقرار حاكمها القوي

"سلطنة مساطيل" يريدها "أردوغان".. كيف نشر العثمانيون الحشيش بين العرب؟

8 16,482

فيما بدا أنها محاولة لاستعادة تاريخ الأجداد في "سلطنة الحشيش"، تحدّث الرئيس التركي رجب أردوغان في يناير 2019، عن ضرورة تقنين زراعة القنب؛ معيدًا للأذهان كيف عاش أجداده العثمانيون على تجارة "الحشيش" وكيف نشروا وباءه في العالم العربي؛ إذ قنن العثمانيون زراعة وتجارة الحشيش في دولتهم طوال ستمائة عام، ويعود إليهم السبب في انتشار النبتة المخدرة الشهيرة بين الشعوب العربية حتى اليوم.

وانتشر تعاطي الحشيش بين التركمان في الأناضول منذ القرن الرابع عشر الميلادي؛ ولا سيما في عهد السلطان العثماني بايزيد الثاني، وقام سلاطين آل عثمان بتقنين زراعة الحشيش؛ لا سيما في منطقة البحر الأسود؛ حيث زرع في مقاطعات سامسون، وسينوب، وقسطمونية، وأماسيا، وتشوروم، وبوردو، وأورفة، ومالاطيا.. وكانت عمليات زراعة الحشيش وصناعاته التحويلية تتم على أيدي عائلات صغيرة تمتلك الأراضي وكذلك الورش المصنعة.

وبحسب موقع "عثمانلي" المهتم بالشأن التركي، رصدت الوثائق العثمانية حجم تجارة الحشيش في التاريخ العثماني؛ حيث أنتج حوالى 90.981 كيلوجرامًا من الحشيش في طاشكوبرو عام 1520، وحوالى 354.794 كيلوجرامًا في طرابزون عام 1554، وأنتج المزارعون نحو 349.858 كيلوجرامًا في أقش آباد عام 1554، وحوالى 20.484 كيلوجرامًا في توقات عام 1574.

وكانت الدولة العثمانية تحصّل ضرائب من مزارعي القنب الهندي في منطقة البحر الأسود، كما حصّلت جزءًا من تلك الضرائب عينيًّا في صورة "حشيش"؛ حيث كانت "سامسون" التي صدرت، أحد أجود أنواع الحشيش تقدم نحو 1600 كيلوجرام من النبتة المخدرة إلى السلطات العثمانية كضريبة، وساهم في جمع تلك الضريبة نحو 5612 عائلة من مزارعي الحشيش في المدينة.

وسمح العثمانيون بزراعة الحشيش في الأراضي العربية، وغدت المدائن الكبرى في المشرق مثل القاهرة ودمشق وحلب، تعج بالبيوت التي يرتادها الناس يوميًّا لتعاطي الحشيش، دون أدنى مساءلة من الشرع أو القانون.

وقد أضيف في العصر العثماني إلى سوءة الحشيش، سوءات أخرى عرفها العرب عبر الوسيط العثماني؛ مثل الأفيون الذي أنتجه أتراك الأناضول أيضًا من نبات الخشخاش وصدروه إلى الأقاليم العربية، وكذلك التبغ الذي يُقِر مؤرخو مصر العثمانية أن القاهرة عرفته للمرة الأولى في عصر والٍ تركي يدعى "إبراهيم باشا" في القرن السابع عشر.

ولم تبرأ مصر من آفة الحشيش المشرعن إلا بعد وصول محمد علي باشا إلى سدة الحكم فيها أوائل القرن التاسع عشر؛ حيث كان الباشا في موضع قوة مكّنته من فرض إرادته بتحريم الحشيش دون العودة إلى السلطنة العثمانية في إسطنبول، وقرر تحريم زراعة الحشيش، بعد أن لاحظ تأثيره السلبي على الأوضاع الصحية للفلاحين.

وبينما انقطع الوجود الشرعي للحشيش في العالم العربي بابتعاد ذلك العالم عن القبضة المركزية العثمانية؛ فإن تركيا نفسها لم تبرأ من تلك المسألة حتى بعد انهيار الدولة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية؛ حيث ظلت الأناضول واحدة من أهم مراكز زراعة وإنتاج المخدرات بأنواعها في العالم (حشيش، أفيون، هيروين)، وبصورة رسمية تمامًا كما كانت في العصر العثماني.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019