"فيالق الحمقى"

من أشهر المقولات حول وسائل التواصل الاجتماعي ما يذكره "إيكو" أن "مواقع التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لفيالق الحمقى الذين كانوا يتكلمون في الحانات دون أن يسببوا ضررًا للمجتمع. أما الآن فيتكلمون مثل من يحمل جائزة نوبل". فيالق الحمقى موجودون في كل وقت وزمان، كما أنهم يسعون جاهدين لتصدُّر المشاهد بأي طريقة كانت، وإن كانت على حساب ظهورهم بشكل غير لطيف وغبي أحيانًا. وهم ذاتهم السفهاء الذين قرؤوا كتابين، وصاروا يقاتلون لإبراز ذواتهم من خلال تصنُّع الاطلاع والثقافة. هم الموجودون في كل مجال ومسار، فإذا تحدثت في المجال الثقافي تجدهم يحاولون إقحام أسماء كبار المثقفين وأمهات الكتب في أحاديثهم في إشارة إلى أنهم مدركون ما سبقهم به الرواد، وإذا نظرت للمجال الديني تجد بعضهم يفاخر بأنه خريج حلقات تحفيظ، ويتصنع التدين، كما يتعمد الإشارة إلى الفتاوى الدينية والأحاديث التي لو سألته عن إيضاحها لم يجد جوابًا؛ لأن علمه لم يتجاوز لسانه، وحفظه لم يتعدَّ حلقه. وإن حاولت معهم في أمتع وأيسر مجالين، وهما الترفيهي والسياحي، ستجدهم لا يفقهون فيهما شيئًا، ورغم ذلك يشعرون بأن لهم الحظوة في إدراك ما لم يدركه غيرهم، ويحاولون إقحام أنفسهم واستعراض آرائهم بكل ثقة!

مصيبة أولئك ليست فيما نسميه ثقة الأغبياء ـ فقط ـ بل مصيبتهم أعظم وأشنع؛ فهم بحاجة إلى كاتالوج استخدام جملة "لا أعرف"، وهي الجملة التي لا يجرؤ على استخدامها إلا مَن امتلك قدرًا من العلم والاطلاع وحُسن الأدب؛ فأصبح أكثر ثقة بذاته وبمخزونه، ولم يعد بحاجة لإثبات نفسه وقدراته للآخرين، أو حماية نفسه بدرع وهمي من الادعاء؛ لأنه يدرك افتقاره لبعض العلوم، وحاجته للاستزادة..

مع وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد الحماس يسهم في التعلم، بل أصبح سلاحًا من الممكن أن يُهلك صاحبه نتيجة سوء الاستخدام.

مها الجبر

8

29 ديسمبر 2021 - 25 جمادى الأول 1443 08:10 PM

"فيالق الحمقى"

مها الجبر - الرياض
1 1,759

من أشهر المقولات حول وسائل التواصل الاجتماعي ما يذكره "إيكو" أن "مواقع التواصل الاجتماعي منحت حق الكلام لفيالق الحمقى الذين كانوا يتكلمون في الحانات دون أن يسببوا ضررًا للمجتمع. أما الآن فيتكلمون مثل من يحمل جائزة نوبل". فيالق الحمقى موجودون في كل وقت وزمان، كما أنهم يسعون جاهدين لتصدُّر المشاهد بأي طريقة كانت، وإن كانت على حساب ظهورهم بشكل غير لطيف وغبي أحيانًا. وهم ذاتهم السفهاء الذين قرؤوا كتابين، وصاروا يقاتلون لإبراز ذواتهم من خلال تصنُّع الاطلاع والثقافة. هم الموجودون في كل مجال ومسار، فإذا تحدثت في المجال الثقافي تجدهم يحاولون إقحام أسماء كبار المثقفين وأمهات الكتب في أحاديثهم في إشارة إلى أنهم مدركون ما سبقهم به الرواد، وإذا نظرت للمجال الديني تجد بعضهم يفاخر بأنه خريج حلقات تحفيظ، ويتصنع التدين، كما يتعمد الإشارة إلى الفتاوى الدينية والأحاديث التي لو سألته عن إيضاحها لم يجد جوابًا؛ لأن علمه لم يتجاوز لسانه، وحفظه لم يتعدَّ حلقه. وإن حاولت معهم في أمتع وأيسر مجالين، وهما الترفيهي والسياحي، ستجدهم لا يفقهون فيهما شيئًا، ورغم ذلك يشعرون بأن لهم الحظوة في إدراك ما لم يدركه غيرهم، ويحاولون إقحام أنفسهم واستعراض آرائهم بكل ثقة!

مصيبة أولئك ليست فيما نسميه ثقة الأغبياء ـ فقط ـ بل مصيبتهم أعظم وأشنع؛ فهم بحاجة إلى كاتالوج استخدام جملة "لا أعرف"، وهي الجملة التي لا يجرؤ على استخدامها إلا مَن امتلك قدرًا من العلم والاطلاع وحُسن الأدب؛ فأصبح أكثر ثقة بذاته وبمخزونه، ولم يعد بحاجة لإثبات نفسه وقدراته للآخرين، أو حماية نفسه بدرع وهمي من الادعاء؛ لأنه يدرك افتقاره لبعض العلوم، وحاجته للاستزادة..

مع وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد الحماس يسهم في التعلم، بل أصبح سلاحًا من الممكن أن يُهلك صاحبه نتيجة سوء الاستخدام.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2022