كيف نصبر على النعيم؟!

من المعاني الأخلاقية التي تغيب مفهومًا وتطبيقًا في المشهد التربوي: الصبر في السراء والنجاة، وذلك في مقابل التركيز الشديد على قضية الصبر في الشدائد والمصائب؛ وذلك أن الناس تعتقد أن التنعم بنعم الله من الملذات والمفرحات والمسرات يستوجب الشكر اللساني عليها فحسب، فيما من موجبات استدامة هذه النعم الصبر عليها بعدم الإسراف منها، وعدم تجاوز الحد والطغيان في التمتع بها.

ولهذا نُقل عن بعض السلف كأبي بكر الصديق أنه كان يقول: إن العافية مع الشكر خير من البلاء مع الصبر. ولأن مفهوم الصبر على النعمة أخفى وأدق من أن يسترعي أذهان الناس فإنه لم يحظَ بالمكانة الأخلاقية التي يستحقها من الالتزام والذيوع، لكنه لم يكن خافيًا على أذهان الصحابة ودقة ملاحظتهم لهذه المعاني الأخلاقية؛ لهذا قال عبدالرحمن بن عوف: "ابتُلينا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسراء فلم نصبر"؛ وذلك لأن الناس اعتادت العافية حتى اعتقدت أنها حالة ثابتة واستحقاق دائم لا يجب أن يغيب أو يزول! والواقع أنها ليست سُنة كونية أو قانونًا ثابتًا، وإنما هي منحة ربانية، تستوجب الشكر كي تستحق الدوام.

ولعل من أسرار هذا النوع من الصبر على ما فيه من دقة معناه، وخفاء دلالته، هو الغفلة التي تصاحب المتنعم، سواء في أمان نفسه، أو صحة جسده، أو بركة ماله، فإن المرء إذا غاص في الملذات لا يطرق سمعه شيء، ولا يسترعي سمعه حديث مآلات النعمة وتقلباتها. ويكمن باعث هذه الإشكالية -كما تطرق لها ابن مفلح في (الآداب الشرعية)- في قدرة وتمكن المتنعم في حال العافية خلافًا للمصاب في نفسه وماله وأهله فإنه يشعر بضعف الحيلة، وقلة ذات اليد. يقول: "والمصاب في نفسه وماله وأهله يشعر بضعف الحيلة، وقلة ذات اليد، وإنما كان الصبر على السراء شديدًا لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضور الطعام اللذيذ"([1]).

وقد يزيغ الإنسان عن المنطق أحيانًا لرغبته في الخروج من ربقة الإلف والاعتياد كما حدث مع بني إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى -عليه الصلاة والسلام- استبدال أفضل ما أنزله الله من المن والسلوى إلى مأكولات أخرى تنبتها الأرض، وتباع في الأسواق {يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ}. ومن المظاهر التي تستحق النظر والاعتبار التي تتعارض مع هذا المبدأ السكوني في هذا العصر: حالة السيولة الجارفة لكل قيمة صلبة، والشعور بالرغبة العارمة في كسر رتابة الحياة.. وما يكشف تهافت هذه الرغبة أن الإنسان قد يتعرض إلى موقف بسيط، يشعر فيه بضائقةٍ ما، تجعله يتمنى العودة إلى حالته الأولى، عندها تتجلى له حقيقة النعمة التي كان يتمتع بها، ولم يستشعرها جيدًا، كما في حكاية الصوفي سمنون المحب حينما امتلأ عافية، وأنشد اغترارًا بفضل الله عليه:

وليس لي في سواك حظ
فكيف ما شئت فامتحني

فابتلاه الله بعسر البول؛ فظل يتلوى ويشكو للأطفال، ويقول لهم: ادعوا لعمكم الكذاب.. حتى فرّج الله عنه، على الرغم من التقوى والزهد اللذين كان يتحلى بهما.

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى طريقة جامعة في السلامة في الدين: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا"([2]).

فالأصل سؤال السلامة من الآفات والشرور؛ لأنها لا يعدلها شيء، وأن مفارقة حال طمأنينة مضمونة العواقب أفضل من التعرُّض للبلاء في تطلب حال غير مأمونة النتائج.

= = = = =

[1] - ابن مفلح، الآداب الشرعية، (1/ 9).

[2] - صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث (1742).

حامد الإقبالي

1

08 يونيو 2021 - 27 شوّال 1442 09:51 PM

كيف نصبر على النعيم؟!

حامد الإقبالي - الرياض
2 1,064

من المعاني الأخلاقية التي تغيب مفهومًا وتطبيقًا في المشهد التربوي: الصبر في السراء والنجاة، وذلك في مقابل التركيز الشديد على قضية الصبر في الشدائد والمصائب؛ وذلك أن الناس تعتقد أن التنعم بنعم الله من الملذات والمفرحات والمسرات يستوجب الشكر اللساني عليها فحسب، فيما من موجبات استدامة هذه النعم الصبر عليها بعدم الإسراف منها، وعدم تجاوز الحد والطغيان في التمتع بها.

ولهذا نُقل عن بعض السلف كأبي بكر الصديق أنه كان يقول: إن العافية مع الشكر خير من البلاء مع الصبر. ولأن مفهوم الصبر على النعمة أخفى وأدق من أن يسترعي أذهان الناس فإنه لم يحظَ بالمكانة الأخلاقية التي يستحقها من الالتزام والذيوع، لكنه لم يكن خافيًا على أذهان الصحابة ودقة ملاحظتهم لهذه المعاني الأخلاقية؛ لهذا قال عبدالرحمن بن عوف: "ابتُلينا بالضراء فصبرنا، وابتُلينا بالسراء فلم نصبر"؛ وذلك لأن الناس اعتادت العافية حتى اعتقدت أنها حالة ثابتة واستحقاق دائم لا يجب أن يغيب أو يزول! والواقع أنها ليست سُنة كونية أو قانونًا ثابتًا، وإنما هي منحة ربانية، تستوجب الشكر كي تستحق الدوام.

ولعل من أسرار هذا النوع من الصبر على ما فيه من دقة معناه، وخفاء دلالته، هو الغفلة التي تصاحب المتنعم، سواء في أمان نفسه، أو صحة جسده، أو بركة ماله، فإن المرء إذا غاص في الملذات لا يطرق سمعه شيء، ولا يسترعي سمعه حديث مآلات النعمة وتقلباتها. ويكمن باعث هذه الإشكالية -كما تطرق لها ابن مفلح في (الآداب الشرعية)- في قدرة وتمكن المتنعم في حال العافية خلافًا للمصاب في نفسه وماله وأهله فإنه يشعر بضعف الحيلة، وقلة ذات اليد. يقول: "والمصاب في نفسه وماله وأهله يشعر بضعف الحيلة، وقلة ذات اليد، وإنما كان الصبر على السراء شديدًا لأنه مقرون بالقدرة، والجائع عند غيبة الطعام أقدر منه على الصبر عند حضور الطعام اللذيذ"([1]).

وقد يزيغ الإنسان عن المنطق أحيانًا لرغبته في الخروج من ربقة الإلف والاعتياد كما حدث مع بني إسرائيل الذين طلبوا من نبيهم موسى -عليه الصلاة والسلام- استبدال أفضل ما أنزله الله من المن والسلوى إلى مأكولات أخرى تنبتها الأرض، وتباع في الأسواق {يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ}. ومن المظاهر التي تستحق النظر والاعتبار التي تتعارض مع هذا المبدأ السكوني في هذا العصر: حالة السيولة الجارفة لكل قيمة صلبة، والشعور بالرغبة العارمة في كسر رتابة الحياة.. وما يكشف تهافت هذه الرغبة أن الإنسان قد يتعرض إلى موقف بسيط، يشعر فيه بضائقةٍ ما، تجعله يتمنى العودة إلى حالته الأولى، عندها تتجلى له حقيقة النعمة التي كان يتمتع بها، ولم يستشعرها جيدًا، كما في حكاية الصوفي سمنون المحب حينما امتلأ عافية، وأنشد اغترارًا بفضل الله عليه:

وليس لي في سواك حظ
فكيف ما شئت فامتحني

فابتلاه الله بعسر البول؛ فظل يتلوى ويشكو للأطفال، ويقول لهم: ادعوا لعمكم الكذاب.. حتى فرّج الله عنه، على الرغم من التقوى والزهد اللذين كان يتحلى بهما.

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى طريقة جامعة في السلامة في الدين: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا"([2]).

فالأصل سؤال السلامة من الآفات والشرور؛ لأنها لا يعدلها شيء، وأن مفارقة حال طمأنينة مضمونة العواقب أفضل من التعرُّض للبلاء في تطلب حال غير مأمونة النتائج.

= = = = =

[1] - ابن مفلح، الآداب الشرعية، (1/ 9).

[2] - صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، رقم الحديث (1742).

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021