القائد الحكومي والتأثير المحدود

إذا اتفقنا بأن القيادة في أبسط معانيها هي التأثير فإن القائد في الجهاز الحكومي - حسبما نلامسه على أرض الواقع - محدود التأثير. هذه الإفادة التي تبدو صادمة لم أُدلِ بها من باب الرأي الانطباعي أو القراءات البسيطة، إنما من باب المتخصص والمتابع للشأن القيادي لدينا في القطاع الحكومي.

وإذا اتفقنا أيضًا أن ممارسة القيادة تتمحور حول قيادة الذات، قيادة الآخرين، قيادة المهام وقيادة المنظمة.. فإن المجالات الثلاثة الأخيرة لا تقع في دائرة تأثير القائد الحكومي بشكل مباشر، وإن وقعت فإن هذا التأثير يعتبر محدودًا.

في الواقع، محدودية التأثر تقع نتيجة الكثير من العوامل والتحديات المرتبطة بالجهاز الحكومي بعكس القطاع الخاص؛ وهذا ما يجعلني أقول بأن ممارسة القيادة في القطاع الخاص تختلف تمامًا وبشكل كبير عنها في القطاع العام؛ فالقطاع الخاص يعتبر بيئة خصبة لنجاح أي قائد يمتلك المقومات الأساسية للقيادة، بعكس القطاع الحكومي. وكلنا شاهد الكثير من قيادات القطاع الخاص، ما إن تنتقل للقطاع العام إلا وسرعان ما يتضاءل تأثيرها القيادي، وفي بعض الأحيان تفشل.

نتساءل هنا عن العوامل التي تجعل الكفاءات نفسها، وأحيانًا الشخص نفسه، تحقق نجاحات مبهرة على مستوى المنظمات في القطاع الخاص، وما إن تنتقل إلى القطاع الحكومي تكون نجاحاتها محدودة؟

باعتقادي، إن التحديات التي تحجم من تأثير القيادات الحكومية، خاصة على مستوى المنظمة، تعود للنظام الإداري نفسه الذي يحتوي على الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت للتعامل معها.

التحدي الأكبر في اعتقادي هو عدم تكافؤ الصلاحيات والمسؤوليات؛ إذ إنه إذا وضعنا الصلاحيات والمسؤوليات على كفتَي ميزان فإن كفة المسؤوليات سترجح بالتأكيد؛ وهذا ما يجعل القائد الحكومي مكبلاً في الكثير من الأحيان، ويتحرك في دائرة تأثير محدودة.

العكس تمامًا في القطاع الخاص الذي تتعادل فيه كفتا الصلاحيات والمسؤوليات، ومن الممكن أن ترجح كفة الصلاحيات؛ وهذا كفيل بتوسيع دائرة التأثير للقائد؛ وبالتالي تحقيق الكثير من النجاحات.

في الحقيقة، عامل عدم التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات يرتبط به أيضًا تعقيد وطول الإجراءات؛ فالقائد الذي تملؤه روح التحسين والتطوير سيجد نفسه يغرق في كم كبير من الإجراءات والأنظمة التي لا تساعد على التطوير. ويزداد الأمر سوءًا عندما ترتبط هذه الإجراءات بجهات خارج منظمته التي يديرها.

عامل آخر لا يقل أهمية عن العامل الأول، هو ما أسميه بالمفهوم القيادي الغائب في الجهات الحكومية حتى وإن تغنت به قيادات تلك المنظمات، ألا وهو "التمكين".. يظل غير موجود على أرض الواقع.

في الحقيقة مفهوم التمكين في الجهاز الحكومي غير موجود في الغالب، وما يوجد في الجهاز الحكومي هو فقط التفويض، وليس التفويض الكامل، بل التفويض المقيد.

وللأسف، جزء كبير من قيادات الجهاز الحكومي يعمل بمفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)، وهو هنا أقرب إلى التوجيه منه إلى التمكين.

في مجمل القول: القيادة في القطاع العام أكثر تعقيدًا وصعوبة منها في القطاع الخاص، والقيادات في هذا القطاع يواجهون الكثير من التحديات التي يمكن تلخيصها في: الأنظمة والتشريعات، عدم تكافؤ الصلاحيات والمسؤوليات، وعدم خلق بيئة تطبق التمكين بشكله الكامل.

يحيى فقيهي

7

27 أكتوبر 2019 - 28 صفر 1441 09:22 PM

القائد الحكومي والتأثير المحدود

يحيى فقيهي - الرياض
1 609

إذا اتفقنا بأن القيادة في أبسط معانيها هي التأثير فإن القائد في الجهاز الحكومي - حسبما نلامسه على أرض الواقع - محدود التأثير. هذه الإفادة التي تبدو صادمة لم أُدلِ بها من باب الرأي الانطباعي أو القراءات البسيطة، إنما من باب المتخصص والمتابع للشأن القيادي لدينا في القطاع الحكومي.

وإذا اتفقنا أيضًا أن ممارسة القيادة تتمحور حول قيادة الذات، قيادة الآخرين، قيادة المهام وقيادة المنظمة.. فإن المجالات الثلاثة الأخيرة لا تقع في دائرة تأثير القائد الحكومي بشكل مباشر، وإن وقعت فإن هذا التأثير يعتبر محدودًا.

في الواقع، محدودية التأثر تقع نتيجة الكثير من العوامل والتحديات المرتبطة بالجهاز الحكومي بعكس القطاع الخاص؛ وهذا ما يجعلني أقول بأن ممارسة القيادة في القطاع الخاص تختلف تمامًا وبشكل كبير عنها في القطاع العام؛ فالقطاع الخاص يعتبر بيئة خصبة لنجاح أي قائد يمتلك المقومات الأساسية للقيادة، بعكس القطاع الحكومي. وكلنا شاهد الكثير من قيادات القطاع الخاص، ما إن تنتقل للقطاع العام إلا وسرعان ما يتضاءل تأثيرها القيادي، وفي بعض الأحيان تفشل.

نتساءل هنا عن العوامل التي تجعل الكفاءات نفسها، وأحيانًا الشخص نفسه، تحقق نجاحات مبهرة على مستوى المنظمات في القطاع الخاص، وما إن تنتقل إلى القطاع الحكومي تكون نجاحاتها محدودة؟

باعتقادي، إن التحديات التي تحجم من تأثير القيادات الحكومية، خاصة على مستوى المنظمة، تعود للنظام الإداري نفسه الذي يحتوي على الكثير من المشاكل التي تحتاج إلى مزيد من الجهد والوقت للتعامل معها.

التحدي الأكبر في اعتقادي هو عدم تكافؤ الصلاحيات والمسؤوليات؛ إذ إنه إذا وضعنا الصلاحيات والمسؤوليات على كفتَي ميزان فإن كفة المسؤوليات سترجح بالتأكيد؛ وهذا ما يجعل القائد الحكومي مكبلاً في الكثير من الأحيان، ويتحرك في دائرة تأثير محدودة.

العكس تمامًا في القطاع الخاص الذي تتعادل فيه كفتا الصلاحيات والمسؤوليات، ومن الممكن أن ترجح كفة الصلاحيات؛ وهذا كفيل بتوسيع دائرة التأثير للقائد؛ وبالتالي تحقيق الكثير من النجاحات.

في الحقيقة، عامل عدم التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات يرتبط به أيضًا تعقيد وطول الإجراءات؛ فالقائد الذي تملؤه روح التحسين والتطوير سيجد نفسه يغرق في كم كبير من الإجراءات والأنظمة التي لا تساعد على التطوير. ويزداد الأمر سوءًا عندما ترتبط هذه الإجراءات بجهات خارج منظمته التي يديرها.

عامل آخر لا يقل أهمية عن العامل الأول، هو ما أسميه بالمفهوم القيادي الغائب في الجهات الحكومية حتى وإن تغنت به قيادات تلك المنظمات، ألا وهو "التمكين".. يظل غير موجود على أرض الواقع.

في الحقيقة مفهوم التمكين في الجهاز الحكومي غير موجود في الغالب، وما يوجد في الجهاز الحكومي هو فقط التفويض، وليس التفويض الكامل، بل التفويض المقيد.

وللأسف، جزء كبير من قيادات الجهاز الحكومي يعمل بمفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)، وهو هنا أقرب إلى التوجيه منه إلى التمكين.

في مجمل القول: القيادة في القطاع العام أكثر تعقيدًا وصعوبة منها في القطاع الخاص، والقيادات في هذا القطاع يواجهون الكثير من التحديات التي يمكن تلخيصها في: الأنظمة والتشريعات، عدم تكافؤ الصلاحيات والمسؤوليات، وعدم خلق بيئة تطبق التمكين بشكله الكامل.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019