هيئة الغذاء والدواء وإطعام الفقراء!!

سيقول قائل: وما علاقة هيئة الغذاء والدواء بإطعام الفقراء؟ فلا هي جمعية أهلية، ولا مؤسسة مانحة. وللإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى أن نبدأ القصة بتقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، صدر عام 2011م، يشير إلى أن ما يقدَّر بنحو ثلث المواد الغذائية المنتجة على مستوى العالم تُفقد أو تُهدر سنويًّا.

أما على مستوى السعودية فقد أبانت نتائج دراسة حديثة، نشرتها المؤسسة العامة للحبوب هذا العام 2019، أن معدل الفقد والهدر الغذائي بالسعودية بلغ 33.1 %، وهو ما يعادل هدر وفقد ما يربو على أربعة ملايين طن من الأطعمة (محل الدراسة) سنويًّا!!

ولمعالجة ذلك الهدر والفَقْد الغذائي فقد نص أحد أهداف التنمية المستدامة العالمية على العمل على خفض نصيب الفرد من الهدر الغذائي العالمي إلى النصف على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلكين بحلول عام 2030، وكذلك تقليل فَقْد الأغذية على طول سلاسل الإنتاج والإمداد.

ووضعت الفاو عددًا من الاستراتيجيات والإجراءات التي يمكن للدول اتخاذها لمواجهة فَقْد الأغذية وهدرها من خلال "المبادرة العالمية بشأن الحد من الفاقد والمهدر من الأغذية"، بما في ذلك إيجاد آلية للاستفادة من الأطعمة الفائضة.

وللحد من الفاقد والهدر الغذائي هناك العديد من المنظمات التي تطالب بالاستفادة من الأطعمة التي ينتهي تاريخ استخدامها وفق ضوابط محددة، وذلك استنادًا إلى الأبحاث العلمية التي تشير إلى أن انقضاء التاريخ المحدد على "معظم" الأطعمة لا يعني فساد الطعام وعدم قابليته للاستهلاك الآدمي، بل يعني فقط انخفاض جودته مع إمكانية تناوله.

وعلى سبيل المثال: تؤكد وكالة خدمات سلامة الأغذية والتفتيش التابعة لإدارة الزراعة الأمريكية (USDA) أن معظم الأطعمة ذات العمر التخزيني المستقر (Shelf Stable) يمكن استخدامها بعد انتهاء التاريخ المحدد عليها، ولا توجد خطورة على سلامة الغذاء، وكل ما في الأمر أن جودة تلك الأطعمة قد تقل بعد التاريخ المحدد، لكن لا يعني ذلك أنها غير قابلة للاستهلاك.

وتشمل تلك الأطعمة ذات العمر التخزيني المستقر: المنتجات التي تصنف بأنها غير قابلة للتلف، كمعظم الأطعمة المعلبة والمغلفة آليًّا، وكذلك الأرز والمكرونة والدقيق والسكر والتوابل والزيوت، وغيرها من المنتجات التي لا تتطلب التبريد، ويمكن حفظها في درجة حرارة الغرفة، باستثناء حليب الأطفال وبعض الأطعمة المخصصة للمواليد.

وينطبق ذلك أيضًا على العديد من الأطعمة المجمدة.

وتسمح أنظمة الوكالة بالتبرع بتلك الأطعمة إلى جمعيات بنوك الأطعمة التي تشابه جمعيات إطعام لدينا، وفق ضوابط ومعايير، تضمن تقييم سلامة المنتج قبل توزيعه واستهلاكه.

ولا تقتصر تلك التجربة على الولايات المتحدة فحسب، بل هناك تجارب دولية متعددة في كندا وبريطانيا، وغيرهما من الدول الأوروبية، كإيرلندا وهولندا والسويد، التي يتم فيها التبرع بتلك الأطعمة منتهية التواريخ إلى جمعيات بنوك الأطعمة والجمعيات الأهلية الأخرى وفق ضوابط ومعايير تضمن سلامة المستهلك.

وهنا يأتي مربط الفرس حول دور هيئة الغذاء والدواء بالتنسيق مع شركائها لإيجاد آلية مقننة للسماح بالتبرع بالأطعمة منتهية التواريخ للجمعيات، وعلى رأسها جمعيات إطعام وجمعيات البر.

وفي السياق ذاته، يمتلك الاتحاد الأوروبي مبادرة باسم "منصة الاتحاد الأوروبي بشأن فاقد الأغذية والهدر الغذائي " (FLW)؛ إذ تضع هذه المنصة عددًا من التدابير للتبرع بأنواع محددة من الأطعمة بعد انتهاء التواريخ المسجلة على المنتج.

فهل نسمع بمبادرة وطنية من رئيس هيئة الغذاء والدواء، بالتنسيق مع المؤسسة العامة للحبوب، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الزراعة، تضمن الاستفادة من تلك الأطعمة وفق ضوابط وشروط مقننة؟ وبالتالي نسهم في الحد من الفاقد الغذائي في السعودية، ونعمل على سد احتياج بعض فئات المحتاجين والفقراء، وكذلك نحقق جزءًا من أهداف التنمية المستدامة العالمية، وقبل هذا وذاك نسعى للأجر والمثوبة من هذه المبادرة؟ وهنا اصطدنا أربعة عصافير بحجر واحد!!

عبدالرحمن القحطاني

8

27 أكتوبر 2019 - 28 صفر 1441 12:03 AM

هيئة الغذاء والدواء وإطعام الفقراء!!

عبدالرحمن القحطاني - الرياض
0 659

سيقول قائل: وما علاقة هيئة الغذاء والدواء بإطعام الفقراء؟ فلا هي جمعية أهلية، ولا مؤسسة مانحة. وللإجابة عن هذا السؤال نحتاج إلى أن نبدأ القصة بتقرير لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، صدر عام 2011م، يشير إلى أن ما يقدَّر بنحو ثلث المواد الغذائية المنتجة على مستوى العالم تُفقد أو تُهدر سنويًّا.

أما على مستوى السعودية فقد أبانت نتائج دراسة حديثة، نشرتها المؤسسة العامة للحبوب هذا العام 2019، أن معدل الفقد والهدر الغذائي بالسعودية بلغ 33.1 %، وهو ما يعادل هدر وفقد ما يربو على أربعة ملايين طن من الأطعمة (محل الدراسة) سنويًّا!!

ولمعالجة ذلك الهدر والفَقْد الغذائي فقد نص أحد أهداف التنمية المستدامة العالمية على العمل على خفض نصيب الفرد من الهدر الغذائي العالمي إلى النصف على مستوى البيع بالتجزئة والمستهلكين بحلول عام 2030، وكذلك تقليل فَقْد الأغذية على طول سلاسل الإنتاج والإمداد.

ووضعت الفاو عددًا من الاستراتيجيات والإجراءات التي يمكن للدول اتخاذها لمواجهة فَقْد الأغذية وهدرها من خلال "المبادرة العالمية بشأن الحد من الفاقد والمهدر من الأغذية"، بما في ذلك إيجاد آلية للاستفادة من الأطعمة الفائضة.

وللحد من الفاقد والهدر الغذائي هناك العديد من المنظمات التي تطالب بالاستفادة من الأطعمة التي ينتهي تاريخ استخدامها وفق ضوابط محددة، وذلك استنادًا إلى الأبحاث العلمية التي تشير إلى أن انقضاء التاريخ المحدد على "معظم" الأطعمة لا يعني فساد الطعام وعدم قابليته للاستهلاك الآدمي، بل يعني فقط انخفاض جودته مع إمكانية تناوله.

وعلى سبيل المثال: تؤكد وكالة خدمات سلامة الأغذية والتفتيش التابعة لإدارة الزراعة الأمريكية (USDA) أن معظم الأطعمة ذات العمر التخزيني المستقر (Shelf Stable) يمكن استخدامها بعد انتهاء التاريخ المحدد عليها، ولا توجد خطورة على سلامة الغذاء، وكل ما في الأمر أن جودة تلك الأطعمة قد تقل بعد التاريخ المحدد، لكن لا يعني ذلك أنها غير قابلة للاستهلاك.

وتشمل تلك الأطعمة ذات العمر التخزيني المستقر: المنتجات التي تصنف بأنها غير قابلة للتلف، كمعظم الأطعمة المعلبة والمغلفة آليًّا، وكذلك الأرز والمكرونة والدقيق والسكر والتوابل والزيوت، وغيرها من المنتجات التي لا تتطلب التبريد، ويمكن حفظها في درجة حرارة الغرفة، باستثناء حليب الأطفال وبعض الأطعمة المخصصة للمواليد.

وينطبق ذلك أيضًا على العديد من الأطعمة المجمدة.

وتسمح أنظمة الوكالة بالتبرع بتلك الأطعمة إلى جمعيات بنوك الأطعمة التي تشابه جمعيات إطعام لدينا، وفق ضوابط ومعايير، تضمن تقييم سلامة المنتج قبل توزيعه واستهلاكه.

ولا تقتصر تلك التجربة على الولايات المتحدة فحسب، بل هناك تجارب دولية متعددة في كندا وبريطانيا، وغيرهما من الدول الأوروبية، كإيرلندا وهولندا والسويد، التي يتم فيها التبرع بتلك الأطعمة منتهية التواريخ إلى جمعيات بنوك الأطعمة والجمعيات الأهلية الأخرى وفق ضوابط ومعايير تضمن سلامة المستهلك.

وهنا يأتي مربط الفرس حول دور هيئة الغذاء والدواء بالتنسيق مع شركائها لإيجاد آلية مقننة للسماح بالتبرع بالأطعمة منتهية التواريخ للجمعيات، وعلى رأسها جمعيات إطعام وجمعيات البر.

وفي السياق ذاته، يمتلك الاتحاد الأوروبي مبادرة باسم "منصة الاتحاد الأوروبي بشأن فاقد الأغذية والهدر الغذائي " (FLW)؛ إذ تضع هذه المنصة عددًا من التدابير للتبرع بأنواع محددة من الأطعمة بعد انتهاء التواريخ المسجلة على المنتج.

فهل نسمع بمبادرة وطنية من رئيس هيئة الغذاء والدواء، بالتنسيق مع المؤسسة العامة للحبوب، ووزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الزراعة، تضمن الاستفادة من تلك الأطعمة وفق ضوابط وشروط مقننة؟ وبالتالي نسهم في الحد من الفاقد الغذائي في السعودية، ونعمل على سد احتياج بعض فئات المحتاجين والفقراء، وكذلك نحقق جزءًا من أهداف التنمية المستدامة العالمية، وقبل هذا وذاك نسعى للأجر والمثوبة من هذه المبادرة؟ وهنا اصطدنا أربعة عصافير بحجر واحد!!

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019