تطوير نظام التعليم والابتعاث الخارجي

‫لا شك أن الابتعاث خارج السعودية إلى الدول المتقدمة من الجوانب الضرورية لتطوير الكوادر الوطنية السعودية في مجالات التنمية التي تحتاج إليها السعودية، وخصوصًا في التخصصات النادرة التي لا توجد في الجامعات السعودية بدرجة عالية من الجودة. ولكن الملاحظ أن الدولة تخسر مئات الملايين من الدولارات سنويًّا في ابتعاث الطلبة في تخصصات موجودة في الجامعات المحلية، وإن كان البعض يرى أن التخصصات المحلية أقل جودة فمن الضروري تدعيمها، وجعلها من أفضل التخصصات في العالم بدلاً من ابتعاث طلاب في التخصصات نفسها إلى الخارج؛ فجزء من تكاليف الابتعاث للخارج في تخصصات مماثلة يمكن الاستفادة منها في تطوير الجامعات العريقة والجامعات الناشئة.

فالابتعاث الحالي للخارج لا يختلف عن الابتعاث في القرن الماضي من حيث النظام والتخصصات، بالرغم من التطور السريع والمستمر في المجتمع، وبروز تحديات خارجية غير موجودة في السابق، لا يمكن مواجهتها والتغلب عليها بطرق نظام الابتعاث والتعليم التقليدي الحالي؛ فمواجهة تلك التحديات لا يمكن أن تتحقق إلا بتعليم قوي، يساعد على الإبداع والابتكار لتحقيق التميز والمنافسة العالمية في مختلف التخصصات التي تضع السعودية في ميزة تنافسية.

وتشير بعض إحصاءات وزارة التعليم إلى أنه في وقت سابق كان عدد الطلبة المبتعثين 130 ألف طالب وطالبة. وقد انخفضت هذه الأعداد مؤخرًا؛ فقد أعلنت وكالة وزارة التعليم لشؤون الابتعاث في نشرة شهر فبراير 2019 لشؤون الابتعاث أن عدد المبتعثين الحاليين بالخارج نحو 93 ألف مبتعث، 55 % منهم في أمريكا، وأكثر من 60 % يدرسون الأعمال التجارية والطب والهندسة.

إنني لا أعترض على دراسة الأعمال التجارية والطب والهندسة في الخارج، بالرغم من وجود تخصصات مماثلة لها في الداخل، ولكن يجب أن يتكيف الابتعاث والتعليم داخل السعودية مع الظروف الحالية التي تواجهها السعودية من الأصدقاء ومن الأعداء على حد سواء؛ فوضع التعليم والابتعاث يحتاج إلى تطوير فعليّ، يتناسب مع ضخامة التحديات. ولا يمكن الحفاظ على الأمن القومي للمملكة بدرجة عالية بالاعتماد على تعليم ونظم وإجراءات لا تستطيع مواكبة الاحتياجات والتطورات المحلية والتحديات الدولية.

فالابتعاث إلى تخصصات موجودة محليًّا، وما يصرف عليه من مبالغ طائلة، يُعتبر هدرًا ماليًّا، يمكن الاستفادة منه في رفع مستوى الجامعات المحلية؛ لترتقي إلى مصاف الجامعات في التصنيفات العالمية.

إنّ تطوير التعليم هو الأساس في تقدُّم الأمم.. فعندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق رجلاً إلى الفضاء في عام 1956م أحدث هذا الخبر أزمة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فلجأت أمريكا لمواجهة هذا التحدي إلى تطوير مناهج العلوم والرياضيات، وبعد عشر سنوات انتصرت أمريكا على الاتحاد السوفييتي في مجال الفضاء بوضع رجل على القمر. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تستعِنْ بخبراء أجانب أو منظمات دولية مثلما هو حاصل الآن في كثير من الدول النامية (التي لم تستفِد من تلك الخبرات)، بل ركزت أمريكا على تطوير التعليم الذي هو أساس التطور في المجالات العلمية والصناعات العسكرية.. فإذا أردنا أن نحقق طموحات السعودية ورؤيتها ٢٠٣٠ للوصول إلى التنافسية العالمية، والحفاظ على أمنها القومي، فإنه لا يوجد خيار آخر غير التطوير الحقيقي للتعليم العام والتعليم الجامعي من خلال جهود المسؤولين في وزارة التعليم، بمساندة خبرات وطنية عالية الجودة خارجها. فالتطوير لا يكمن في شخص المسؤول الأول في التعليم، أو بعض مساعديه، وإنما يكمن بجهود مشتركة من داخل الوزارة وخارجها من أبناء المجتمع الغيورين على وطنهم من ذوي الخبرة في مختلف المجالات. فمسؤولية تطوير التعليم والابتعاث مسؤولية مجتمعية لبناء نظام تعليمي مؤسسي، يرقى لتحقيق الطموحات العالية، ولا يتغير بتغيير مسؤول، وإنما أي مسؤول جديد يعمل على تكملة بناء ما تم عمله من قبل، وليس العمل من جديد.

فقد تم تعيين خمسة وزراء للتعليم في فترة وجيزة، ولكن لم يتحقق التطوير المنشود؛ لأنه لم يتم إكمال البناء الذي بدأ به سابقوهم.. فقد يأتي أحدهم بإلغاء بعض المشاريع لمن سبقه؛ لأن نظام التعليم الحالي ليس مبنيًّا على أسس علمية وأعمال مؤسسية؛ وهذا ما جعل التعليم يتقدم خطوة إلى الأمام، ويتراجع خطوتين إلى الوراء. ولا شك بأنه توجد بعض التغييرات الطفيفة، ولكن حينما أتطرق إلى تطوير التعليم لا أقصد الأمور الجانبية داخل النظام التي لا تقدم ولا تؤخر، أو ما يتعلق فقط باحتياجات سوق العمل، وإنما أقصد بالتطوير الذي يحقق مخرجات وابتكارات علمية، لها نتائج ملموسة على أرض الواقع لمواجهة التحديات العالمية، وطرق التغلب عليها.

إن صدور القرار الملكي السامي مؤخرًا بإنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الوطنية يدل دلالة واضحة على عجز الجامعات عن المبادرة للقيام بهذا المركز الذي يعتبر من مهامها الأساسية. فالحروب الحالية والقادمة هي حروب إلكترونية ومعلوماتية؛ فلم تكن الحروب التقليدية مجدية في عصر الذكاء الاصطناعي المرتكز على التكنولوجيا بكل أنواعها ومواصفاتها. فالتخصصات الجامعية والابتعاث للخارج يجب أن يعكسا الأمر الملكي في التوسع في الذكاء الاصطناعي والتخصصات الأخرى المصاحبة لتحقيق نهضة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. فوراء كل اقتصاد قوي تعليم متميز.

فالمجتمع يريد تخصصات وبرامج تدريب لها نتائج ملموسة في التقدم العلمي، والمساهمة في تطوير أساليب وإجراءات تساعد على التنمية الفعالة في بناء المجتمع السعودي. فالعالم يتغير كل يوم، ويحتاج التعليم لمسايرة تلك التغيرات والتطورات المحلية والتحديات العالمية لإحداث ابتكارات علمية، تتناسب مع حجم وثقل السعودية في العالم.

إن طلابنا وطالباتنا لديهم إمكانات وقدرات هائلة من الإبداع والابتكار التي قد لا توجد في الدول الأخرى، ولكن لم يتم استثمارها؛ لأن البيئة التعليمية الحالية في التعليم العام والجامعي بيئة طاردة لإطلاق تلك القدرات الكامنة لدى أعضاء هيئة التدريس والطلبة على حد سواء؛ وذلك بسبب التقيد بأساليب إدارية روتينية، لا تساير العصر. ويمكن إثبات ذلك بأن بعض المبتعثين والمبتعثات السعوديين في الخارج ليسوا مبدعين فقط في دراستهم، وإنما توصلوا إلى ابتكارات ساعدت البشرية في التطور في معظم المجالات العلمية والطبية؛ وذلك لتوافُر البيئة التعليمية الجاذبة للإبداع والابتكار في الجامعات التي يدرسون بها في الخارج. وهم أنفسهم لو التحقوا بالجامعات السعودية المحلية لما حققوا تلك الإنجازات. فنظام الابتعاث الحالي وما يحتويه من مواد خاصة مضى عليها ما يقارب ربع قرن حسب نص قرار مجلس التعليم العالي رقم (6 / 4 / 1417)؛ إذ يهدف الابتعاث والتدريب (في المادة الأولى) إلى تأهيل منسوبي الجامعات علميًّا للحصول على درجة علمية، أو تطوير مهاراتهم أكاديميًّا وإداريًّا، وفنيًّا عن طريق التدريب حسب ما تقتضيه مصلحة الجامعة.. فالمفترض أن توجد أهداف عدة محددة للابتعاث، يمكن قياس نتائجه عليها بدلاً من اختصاره بهذه العبارة العامة. كما أن هدف الابتعاث في هذه المادة أصبح مقرونًا بالتدريب الذي أيضًا يجب أن يكون له أهداف خاصة محددة، تختلف عن الابتعاث في تخصصات أكاديمية.

وأيضًا إذا كان الابتعاث والتدريب ما زالا مرتبطَين بإدارة واحدة كما كان سابقًا فمن الأفضل فك هذا الارتباط؛ لتصبح إدارة الابتعاث للخارج إدارة منفصلة عن إدارة التدريب. وبالرغم من الجهود المبذولة في تقييم وتطوير الابتعاث، واقتراح بعض التخصصات، فإن نتائج البعثات الخارجية لمعظم التخصصات لم تُحدث تطورًا وابتكارات ملموسة على أرض الواقع، تتناسب مع ما تم إنفاقه من أموال.

كما أن عمليات تطوير التعليم تفتقر إلى وجود معايير الجودة في اختيار القيادات التربوية في التعليم العام والجامعي، وفي اختيار الخبراء الوطنيين خارجها؛ ولذلك فإن وجود نظام جديد للتعليم والابتعاث أصبح ضرورة ملحّة، تمليه الظروف الحالية لتطوير التعليم العام من ناحية، والابتعاث في تخصصات جديدة في الجامعات العالمية ومراكز التدريب الدولية المتقدمة من ناحية أخرى؛ لكي تحقق السعودية تقدمًا على منافسيها من خلال التطوير للوصول إلى أحدث ما توصل إليه الآخرون.

فقد يتركز الابتعاث خارج السعودية في التوسع في تخصصات عديدة، من أبرزها ما يأتي: الذكاء الاصطناعي، الطاقة الشمسية واستخداماتها، هندسة وصناعة الصواريخ الباليستية، البرمجة والواقع الافتراضي، أمن الشبكات، هندسة البرمجيات، إدارة الأعمال والتجارة الإلكترونية، هندسة الطاقة البديلة والمتجددة، علم الروبوتات، تكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني، علم الفلك والفضاء، هندسة الفضاء، الإعلام الرقمي وتقنية النانو.

هذه التخصصات مجرد أمثلة، وبعضها موجود، ويمكن التوسع فيها، وإضافة المزيد من التخصصات الجديدة التي تحتاج إليها السعودية بعيدًا عن التخصصات التقليدية، مع التركيز على تطوير التخصصات العلمية في الجامعات المحلية.

1

21 سبتمبر 2019 - 22 محرّم 1441 12:21 AM

تطوير نظام التعليم والابتعاث الخارجي

محمد المنيع - الرياض
1 2,013

‫لا شك أن الابتعاث خارج السعودية إلى الدول المتقدمة من الجوانب الضرورية لتطوير الكوادر الوطنية السعودية في مجالات التنمية التي تحتاج إليها السعودية، وخصوصًا في التخصصات النادرة التي لا توجد في الجامعات السعودية بدرجة عالية من الجودة. ولكن الملاحظ أن الدولة تخسر مئات الملايين من الدولارات سنويًّا في ابتعاث الطلبة في تخصصات موجودة في الجامعات المحلية، وإن كان البعض يرى أن التخصصات المحلية أقل جودة فمن الضروري تدعيمها، وجعلها من أفضل التخصصات في العالم بدلاً من ابتعاث طلاب في التخصصات نفسها إلى الخارج؛ فجزء من تكاليف الابتعاث للخارج في تخصصات مماثلة يمكن الاستفادة منها في تطوير الجامعات العريقة والجامعات الناشئة.

فالابتعاث الحالي للخارج لا يختلف عن الابتعاث في القرن الماضي من حيث النظام والتخصصات، بالرغم من التطور السريع والمستمر في المجتمع، وبروز تحديات خارجية غير موجودة في السابق، لا يمكن مواجهتها والتغلب عليها بطرق نظام الابتعاث والتعليم التقليدي الحالي؛ فمواجهة تلك التحديات لا يمكن أن تتحقق إلا بتعليم قوي، يساعد على الإبداع والابتكار لتحقيق التميز والمنافسة العالمية في مختلف التخصصات التي تضع السعودية في ميزة تنافسية.

وتشير بعض إحصاءات وزارة التعليم إلى أنه في وقت سابق كان عدد الطلبة المبتعثين 130 ألف طالب وطالبة. وقد انخفضت هذه الأعداد مؤخرًا؛ فقد أعلنت وكالة وزارة التعليم لشؤون الابتعاث في نشرة شهر فبراير 2019 لشؤون الابتعاث أن عدد المبتعثين الحاليين بالخارج نحو 93 ألف مبتعث، 55 % منهم في أمريكا، وأكثر من 60 % يدرسون الأعمال التجارية والطب والهندسة.

إنني لا أعترض على دراسة الأعمال التجارية والطب والهندسة في الخارج، بالرغم من وجود تخصصات مماثلة لها في الداخل، ولكن يجب أن يتكيف الابتعاث والتعليم داخل السعودية مع الظروف الحالية التي تواجهها السعودية من الأصدقاء ومن الأعداء على حد سواء؛ فوضع التعليم والابتعاث يحتاج إلى تطوير فعليّ، يتناسب مع ضخامة التحديات. ولا يمكن الحفاظ على الأمن القومي للمملكة بدرجة عالية بالاعتماد على تعليم ونظم وإجراءات لا تستطيع مواكبة الاحتياجات والتطورات المحلية والتحديات الدولية.

فالابتعاث إلى تخصصات موجودة محليًّا، وما يصرف عليه من مبالغ طائلة، يُعتبر هدرًا ماليًّا، يمكن الاستفادة منه في رفع مستوى الجامعات المحلية؛ لترتقي إلى مصاف الجامعات في التصنيفات العالمية.

إنّ تطوير التعليم هو الأساس في تقدُّم الأمم.. فعندما أطلق الاتحاد السوفييتي السابق رجلاً إلى الفضاء في عام 1956م أحدث هذا الخبر أزمة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ فلجأت أمريكا لمواجهة هذا التحدي إلى تطوير مناهج العلوم والرياضيات، وبعد عشر سنوات انتصرت أمريكا على الاتحاد السوفييتي في مجال الفضاء بوضع رجل على القمر. فالولايات المتحدة الأمريكية لم تستعِنْ بخبراء أجانب أو منظمات دولية مثلما هو حاصل الآن في كثير من الدول النامية (التي لم تستفِد من تلك الخبرات)، بل ركزت أمريكا على تطوير التعليم الذي هو أساس التطور في المجالات العلمية والصناعات العسكرية.. فإذا أردنا أن نحقق طموحات السعودية ورؤيتها ٢٠٣٠ للوصول إلى التنافسية العالمية، والحفاظ على أمنها القومي، فإنه لا يوجد خيار آخر غير التطوير الحقيقي للتعليم العام والتعليم الجامعي من خلال جهود المسؤولين في وزارة التعليم، بمساندة خبرات وطنية عالية الجودة خارجها. فالتطوير لا يكمن في شخص المسؤول الأول في التعليم، أو بعض مساعديه، وإنما يكمن بجهود مشتركة من داخل الوزارة وخارجها من أبناء المجتمع الغيورين على وطنهم من ذوي الخبرة في مختلف المجالات. فمسؤولية تطوير التعليم والابتعاث مسؤولية مجتمعية لبناء نظام تعليمي مؤسسي، يرقى لتحقيق الطموحات العالية، ولا يتغير بتغيير مسؤول، وإنما أي مسؤول جديد يعمل على تكملة بناء ما تم عمله من قبل، وليس العمل من جديد.

فقد تم تعيين خمسة وزراء للتعليم في فترة وجيزة، ولكن لم يتحقق التطوير المنشود؛ لأنه لم يتم إكمال البناء الذي بدأ به سابقوهم.. فقد يأتي أحدهم بإلغاء بعض المشاريع لمن سبقه؛ لأن نظام التعليم الحالي ليس مبنيًّا على أسس علمية وأعمال مؤسسية؛ وهذا ما جعل التعليم يتقدم خطوة إلى الأمام، ويتراجع خطوتين إلى الوراء. ولا شك بأنه توجد بعض التغييرات الطفيفة، ولكن حينما أتطرق إلى تطوير التعليم لا أقصد الأمور الجانبية داخل النظام التي لا تقدم ولا تؤخر، أو ما يتعلق فقط باحتياجات سوق العمل، وإنما أقصد بالتطوير الذي يحقق مخرجات وابتكارات علمية، لها نتائج ملموسة على أرض الواقع لمواجهة التحديات العالمية، وطرق التغلب عليها.

إن صدور القرار الملكي السامي مؤخرًا بإنشاء مركز وطني للذكاء الاصطناعي وإدارة البيانات الوطنية يدل دلالة واضحة على عجز الجامعات عن المبادرة للقيام بهذا المركز الذي يعتبر من مهامها الأساسية. فالحروب الحالية والقادمة هي حروب إلكترونية ومعلوماتية؛ فلم تكن الحروب التقليدية مجدية في عصر الذكاء الاصطناعي المرتكز على التكنولوجيا بكل أنواعها ومواصفاتها. فالتخصصات الجامعية والابتعاث للخارج يجب أن يعكسا الأمر الملكي في التوسع في الذكاء الاصطناعي والتخصصات الأخرى المصاحبة لتحقيق نهضة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. فوراء كل اقتصاد قوي تعليم متميز.

فالمجتمع يريد تخصصات وبرامج تدريب لها نتائج ملموسة في التقدم العلمي، والمساهمة في تطوير أساليب وإجراءات تساعد على التنمية الفعالة في بناء المجتمع السعودي. فالعالم يتغير كل يوم، ويحتاج التعليم لمسايرة تلك التغيرات والتطورات المحلية والتحديات العالمية لإحداث ابتكارات علمية، تتناسب مع حجم وثقل السعودية في العالم.

إن طلابنا وطالباتنا لديهم إمكانات وقدرات هائلة من الإبداع والابتكار التي قد لا توجد في الدول الأخرى، ولكن لم يتم استثمارها؛ لأن البيئة التعليمية الحالية في التعليم العام والجامعي بيئة طاردة لإطلاق تلك القدرات الكامنة لدى أعضاء هيئة التدريس والطلبة على حد سواء؛ وذلك بسبب التقيد بأساليب إدارية روتينية، لا تساير العصر. ويمكن إثبات ذلك بأن بعض المبتعثين والمبتعثات السعوديين في الخارج ليسوا مبدعين فقط في دراستهم، وإنما توصلوا إلى ابتكارات ساعدت البشرية في التطور في معظم المجالات العلمية والطبية؛ وذلك لتوافُر البيئة التعليمية الجاذبة للإبداع والابتكار في الجامعات التي يدرسون بها في الخارج. وهم أنفسهم لو التحقوا بالجامعات السعودية المحلية لما حققوا تلك الإنجازات. فنظام الابتعاث الحالي وما يحتويه من مواد خاصة مضى عليها ما يقارب ربع قرن حسب نص قرار مجلس التعليم العالي رقم (6 / 4 / 1417)؛ إذ يهدف الابتعاث والتدريب (في المادة الأولى) إلى تأهيل منسوبي الجامعات علميًّا للحصول على درجة علمية، أو تطوير مهاراتهم أكاديميًّا وإداريًّا، وفنيًّا عن طريق التدريب حسب ما تقتضيه مصلحة الجامعة.. فالمفترض أن توجد أهداف عدة محددة للابتعاث، يمكن قياس نتائجه عليها بدلاً من اختصاره بهذه العبارة العامة. كما أن هدف الابتعاث في هذه المادة أصبح مقرونًا بالتدريب الذي أيضًا يجب أن يكون له أهداف خاصة محددة، تختلف عن الابتعاث في تخصصات أكاديمية.

وأيضًا إذا كان الابتعاث والتدريب ما زالا مرتبطَين بإدارة واحدة كما كان سابقًا فمن الأفضل فك هذا الارتباط؛ لتصبح إدارة الابتعاث للخارج إدارة منفصلة عن إدارة التدريب. وبالرغم من الجهود المبذولة في تقييم وتطوير الابتعاث، واقتراح بعض التخصصات، فإن نتائج البعثات الخارجية لمعظم التخصصات لم تُحدث تطورًا وابتكارات ملموسة على أرض الواقع، تتناسب مع ما تم إنفاقه من أموال.

كما أن عمليات تطوير التعليم تفتقر إلى وجود معايير الجودة في اختيار القيادات التربوية في التعليم العام والجامعي، وفي اختيار الخبراء الوطنيين خارجها؛ ولذلك فإن وجود نظام جديد للتعليم والابتعاث أصبح ضرورة ملحّة، تمليه الظروف الحالية لتطوير التعليم العام من ناحية، والابتعاث في تخصصات جديدة في الجامعات العالمية ومراكز التدريب الدولية المتقدمة من ناحية أخرى؛ لكي تحقق السعودية تقدمًا على منافسيها من خلال التطوير للوصول إلى أحدث ما توصل إليه الآخرون.

فقد يتركز الابتعاث خارج السعودية في التوسع في تخصصات عديدة، من أبرزها ما يأتي: الذكاء الاصطناعي، الطاقة الشمسية واستخداماتها، هندسة وصناعة الصواريخ الباليستية، البرمجة والواقع الافتراضي، أمن الشبكات، هندسة البرمجيات، إدارة الأعمال والتجارة الإلكترونية، هندسة الطاقة البديلة والمتجددة، علم الروبوتات، تكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني، علم الفلك والفضاء، هندسة الفضاء، الإعلام الرقمي وتقنية النانو.

هذه التخصصات مجرد أمثلة، وبعضها موجود، ويمكن التوسع فيها، وإضافة المزيد من التخصصات الجديدة التي تحتاج إليها السعودية بعيدًا عن التخصصات التقليدية، مع التركيز على تطوير التخصصات العلمية في الجامعات المحلية.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019