هذا المشهد غير مقبول

فجأة، سقطت الطفلة نورا ذات الـ15 ربيعًا أرضًا بعدما فقدت الشعور بقدميها، ولم تعد مشيتها معتدلة كما في السابق. حملها أبوها، وطاف بها على مستشفيات القطاعَيْن العام والخاص على مدار 14 شهرًا بحثًا عن طبيب واحد، سعوديًّا كان أو أجنبيًّا، يصف له علاجًا ناجعًا لحالة ابنته، فلم يجد. الكل أجمع على أن الطفلة مصابة بمرض "التصلب اللويحي"، ولكنهم اختلفوا في أسباب المرض، ووصف العلاج. كل طبيب يجتهد بما لديه من علم وثقافة، وفي نهاية المطاف همس طبيب في أذن الوالد قائلاً له: "علاج ابنتك لن تجده داخل السعودية؛ وعليك بالسفر خارج البلاد اختصارًا للوقت والجهد".

وتلخص همسة الطبيب في أذن والد نورا الحالة الواقعية لمرض "التصلب اللويحي" الذي يعبث بمرضاه كما يحلو له في صمت مطبق من الوزارات والجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة التي فشلت في تعزيز "العدل" و"المساواة" بين الأمراض المزمنة، وكأن الاهتمام الوزاري حكر فقط على الأمراض المنتشرة إعلاميًّا.

"التصلب اللويحي" مرض عصبي مزمن، يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويؤثر على الدماغ والحبل الشوكي، ويسبب تلفًا في الغشاء المحيط بالخلايا العصبية الذي يدعى المايلين؛ ما يؤدي إلى تصلب في الخلايا؛ وبالتالي بطء أو توقف سير السيالات العصبية المتنقلة بين الدماغ وأعضاء الجسم. ورغم خطورة المرض وضراوته إلا أنه لم يلقَ الاهتمام الكافي من وزارة الصحية التي تعاملت معه وكأنه "صداع عابر"، يمكن علاجه بحبات من البنادول.

خريطة انتشار المرض في السعودية مخيفة، بل مرعبة، ورغم ذلك لم نقرأ أن وزارة الصحة أصدرت بيانًا رسميًّا، توضح فيه عدد المصابين بهذا المرض. ولا نعرف سبب هذا التجاهل والتهميش بيد أن تصريحات من هنا وهناك لأطباء معروفين حذرت من أن المرض في يتوغل محليًّا، وأنه أصاب نحو 30 ألف شخص في مناطق السعودية، وما زال المرض يواصل انتشاره السريع.

وفي المقابل، ووسط هذا الرعب، لا توجد خطط أو برامج من الوزارة لمواجهة المرض، بل لا توجد برامج تثقيفية تساعد المرضى وذويهم على مواجهته، وما زال سبب هذا التجاهل أيضًا غير معروف.

أتذكر جيدًا جهود مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الصحة، لمواجهة مرض "كورونا" الذي فرض حالة من الطوارئ في مقام الوزارة، وأشغل مسؤوليها في فترة سابقة. وأتذكر أن الوزارة خصصت أيقونة لمرض كورونا في صفحتها الرسمية على الإنترنت، وكانت تُصدر بيانات يومية، توضح فيها إحصائية دقيقة بعدد المصابين بالمرض ومواقعهم، وعدد المتوفين، وعدد الذين تم شفاؤهم.. ليس هذا فحسب، بل كانت تسدي للمواطنين النصائح في وسائل الإعلام لتجنب الإصابة بـ"كورونا"، وترشد المرضى وذويهم بما يجب عمله عند ظهور علامات الإصابة بالمرض.. فلماذا تفرِّق الوزارة بين مرض "كرونا" ومرض "التصلب اللويحي"؟ علمًا بأن كليهما خطير ومميت، وكليهما يصيب المواطنين؟؟

أعود وأكرر: إنني أشفق كثيرًا على المصابين بمرض "التصلب اللويحي" في السعودية، الذين لا يجدون الاهتمام الكافي بعلاجهم، بل أشفق على ذويهم الذين لا يجدون من يطمئنهم ويساندهم بالتوعية المطلوبة، والتثقيف الصحيح بطبيعة المرض وخطورته وآلية علاجه.. فيجب أن تعي الوزارة أن مرض التصلب اللويحي والمصابين به على كثرتهم يعيشون في الظل؛ لا يراهم أحد، ولا تلتفت إليهم جهة ما.. ومثل هذا المشهد غير مقبول.

9

05 فبراير 2019 - 30 جمادى الأول 1440 09:12 PM

هذا المشهد غير مقبول

ماجد البريكان - الرياض
0 1,783

فجأة، سقطت الطفلة نورا ذات الـ15 ربيعًا أرضًا بعدما فقدت الشعور بقدميها، ولم تعد مشيتها معتدلة كما في السابق. حملها أبوها، وطاف بها على مستشفيات القطاعَيْن العام والخاص على مدار 14 شهرًا بحثًا عن طبيب واحد، سعوديًّا كان أو أجنبيًّا، يصف له علاجًا ناجعًا لحالة ابنته، فلم يجد. الكل أجمع على أن الطفلة مصابة بمرض "التصلب اللويحي"، ولكنهم اختلفوا في أسباب المرض، ووصف العلاج. كل طبيب يجتهد بما لديه من علم وثقافة، وفي نهاية المطاف همس طبيب في أذن الوالد قائلاً له: "علاج ابنتك لن تجده داخل السعودية؛ وعليك بالسفر خارج البلاد اختصارًا للوقت والجهد".

وتلخص همسة الطبيب في أذن والد نورا الحالة الواقعية لمرض "التصلب اللويحي" الذي يعبث بمرضاه كما يحلو له في صمت مطبق من الوزارات والجهات المعنية، وعلى رأسها وزارة الصحة التي فشلت في تعزيز "العدل" و"المساواة" بين الأمراض المزمنة، وكأن الاهتمام الوزاري حكر فقط على الأمراض المنتشرة إعلاميًّا.

"التصلب اللويحي" مرض عصبي مزمن، يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويؤثر على الدماغ والحبل الشوكي، ويسبب تلفًا في الغشاء المحيط بالخلايا العصبية الذي يدعى المايلين؛ ما يؤدي إلى تصلب في الخلايا؛ وبالتالي بطء أو توقف سير السيالات العصبية المتنقلة بين الدماغ وأعضاء الجسم. ورغم خطورة المرض وضراوته إلا أنه لم يلقَ الاهتمام الكافي من وزارة الصحية التي تعاملت معه وكأنه "صداع عابر"، يمكن علاجه بحبات من البنادول.

خريطة انتشار المرض في السعودية مخيفة، بل مرعبة، ورغم ذلك لم نقرأ أن وزارة الصحة أصدرت بيانًا رسميًّا، توضح فيه عدد المصابين بهذا المرض. ولا نعرف سبب هذا التجاهل والتهميش بيد أن تصريحات من هنا وهناك لأطباء معروفين حذرت من أن المرض في يتوغل محليًّا، وأنه أصاب نحو 30 ألف شخص في مناطق السعودية، وما زال المرض يواصل انتشاره السريع.

وفي المقابل، ووسط هذا الرعب، لا توجد خطط أو برامج من الوزارة لمواجهة المرض، بل لا توجد برامج تثقيفية تساعد المرضى وذويهم على مواجهته، وما زال سبب هذا التجاهل أيضًا غير معروف.

أتذكر جيدًا جهود مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة الصحة، لمواجهة مرض "كورونا" الذي فرض حالة من الطوارئ في مقام الوزارة، وأشغل مسؤوليها في فترة سابقة. وأتذكر أن الوزارة خصصت أيقونة لمرض كورونا في صفحتها الرسمية على الإنترنت، وكانت تُصدر بيانات يومية، توضح فيها إحصائية دقيقة بعدد المصابين بالمرض ومواقعهم، وعدد المتوفين، وعدد الذين تم شفاؤهم.. ليس هذا فحسب، بل كانت تسدي للمواطنين النصائح في وسائل الإعلام لتجنب الإصابة بـ"كورونا"، وترشد المرضى وذويهم بما يجب عمله عند ظهور علامات الإصابة بالمرض.. فلماذا تفرِّق الوزارة بين مرض "كرونا" ومرض "التصلب اللويحي"؟ علمًا بأن كليهما خطير ومميت، وكليهما يصيب المواطنين؟؟

أعود وأكرر: إنني أشفق كثيرًا على المصابين بمرض "التصلب اللويحي" في السعودية، الذين لا يجدون الاهتمام الكافي بعلاجهم، بل أشفق على ذويهم الذين لا يجدون من يطمئنهم ويساندهم بالتوعية المطلوبة، والتثقيف الصحيح بطبيعة المرض وخطورته وآلية علاجه.. فيجب أن تعي الوزارة أن مرض التصلب اللويحي والمصابين به على كثرتهم يعيشون في الظل؛ لا يراهم أحد، ولا تلتفت إليهم جهة ما.. ومثل هذا المشهد غير مقبول.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019