المُخْرِجُ الأميركي وتقوية الفُرس..!!

تتلوَّن السياسة الأميركية بألوان الطيف في سماء الشرق الأوسط. بدأ هذا باقتلاع الحكم الملكي في إيران، وخلع شاه إيران محمد رضا بهلوي، وإحلال الحكم الجمهوري، من خلال الثورة الإيرانية، وتنصيب الخميني محلَّه في عام 1979م، بمساعدة أميركية بريطانية وفرنسية. كانت الثورة الإيرانية الخُمينية تحمل الطابع الديني، ضمن أيديولوجية تُؤمن بالمذهب الشيعي الجعفري. وبدأ التحرُّش الإيراني على الحدود العراقيَّة؛ الأمر الذي من خلاله نشبت الحرب العراقية - الإيرانية، التي كانت تحمل في صبغتها تصدير الثورة الإيرانية للبلاد العربية.

لقد باغت صدام حسين هذا التحرُّش وقاومه على مدى ثماني سنوات، وخرج كلا الطرفين منهمكًا من الناحية الاقتصادية والبشرية.

اليوم، وبعد أنْ فاز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، نحنُ أمام شكليات انتخابية، تحمل طعم الديمقراطية، لكنها في حقيقة الأمر سياسة إيرانية ثيوقراطية "حكومة دينيَّة".

ينص الدستور الإيراني في مادته الخامسة على أنَّ أعلى سُلطة في البلاد هي: سُلطة المرشد الأعلى، المُتمثَّلة اليوم في "علي خامنئي"، الذي من صلاحياته: حق تعيين السياسات العامَّة لنظام الجمهوريَّة، والإشراف عليها، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام وقيادة القوات المُسلَّحة، وإعلان الحرب والسلم والنفير العام، كما أعطاه حق عزل رئيس الجمهوريَّة، وتعيين وعزل قادة مجلس صيانة الدستور ورئيس السُّلطة القضائية.

مَن كانت هذه صلاحياته فهي دليل قاطع على أنًّ الانتخابات كرتونيَّة هُلاميَّة، تعتمد على ذر الرماد في العيون.

المُخْرِجُ الأميركي منذُ مُنعطف تغيير السلطة في طهران وهو يحاول أنْ يخلق نوعاً من التوازن في القوى السُّنيَّة الشيعية، خاصَّةً بعد نتائج الحرب العراقية الإيرانية. اشترك معه ككمبارس خلف خشبة المسرح كُل من إسرائيل وبعض القوى الغربيَّة.

الأحداث تتواتر منذ عام 1980م إلى عامنا الحالي 2021م، وكُلُّها تُشير إلى إسقاط بغداد في أيدي حُكام طهران، ولكن بمانشتَّات مُختلفة، منها : توريط صدَّام حسين في غزو الكويت عام 1990م، ثمَّ تجييش الجيوش بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والعالم لإخراج العراق من الكويت وتحريرها. ما لبث المُخرج الأميركي في عام 2003م أن احتل بغداد، وحلَّ الجيش العراقي وحزب البعث؛ بحجَّة استخدامه أسلحة كيماوية في حربه مع إيران، وامتلاكه ترسانة كبيرة من الأسلحة الكيماويَّة.

في هذا الوقت كان السيد جورج بوش الابن يصفُ إيران بأنها محور الشر قبل غزوه العراق، ونُفاجَأ بتسليم أميركا "بغداد" بأيدي الفُرس. هي خُطوة من مجموعة خطوات، تقدَّم بها المُخرج الأميركي تحت ستار خلق التوازن السُّنِّي الشيعي. وقد توجَّس الناس من ذلك، خاصَّةً السُّنِّي منهم، وبعض الشيعة العراقيين. وكما تعلمون، إنَّ شيعة العراق تمثِّل ثُلثَي السكان، وما زالوا متوجِّسين من أنْ تكون الأرض العراقيَّة ساحة القتال بين السُّنَّة والشيعة. إيران دولة سرطانيَّة، استطاعت أن تزرع أذرعها في كل مكان أمام صمت أميركي مُطبق. هذا الصمت الذي لا يخفى على السياسيين أمثال حكيم السياسة السعودية سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية - رحمه الله -، الذي قال: (في حال كان هدف "الغزو" الأميركي إسقاط نظام صدام حسين فإنَّهُ سيحل مشكلة، لكنَّهُ سيخلق خمس مشاكل). وقال أيضاً: (دخول القوات الأميركيَّة إلى العراق سيخلق حالة من الفوضى، لا يُمكن السيطرة عليها).

صمتُ أميركا من أحداث سوريا أيضاً دليلٌ على أنَّ المُخرج الأميركي "عاوز كذا"؛ والهدف هو تزكية الطائفيَّة، ودعم طرف على استحياء، وتهميش ومعاقبة السُّنة أينما وُجِدُوا. ولا ننسَ المُباركة اليهودية لذلك. نَحنُ أمام تلَوُّن السياسة الأميركيَّة، رغم العِداء المُعلن مع إيران، ومن كلا الطرفين. وهناك من التعقيدات -فيما يتعلَّق بالمصالح المُشتركة- الشيء الكثير، الذي يذهب بالمُخرج الأميركي إلى أنْ يتمم طبخته على نار هادئة دون الوقوع في خلطات السياسات ذات النكهات غير المُستساغة.

عبدالمحسن الحارثي

10

22 يونيو 2021 - 12 ذو القعدة 1442 09:51 PM

المُخْرِجُ الأميركي وتقوية الفُرس..!!

عبدالمحسن الحارثي - الرياض
1 1,687

تتلوَّن السياسة الأميركية بألوان الطيف في سماء الشرق الأوسط. بدأ هذا باقتلاع الحكم الملكي في إيران، وخلع شاه إيران محمد رضا بهلوي، وإحلال الحكم الجمهوري، من خلال الثورة الإيرانية، وتنصيب الخميني محلَّه في عام 1979م، بمساعدة أميركية بريطانية وفرنسية. كانت الثورة الإيرانية الخُمينية تحمل الطابع الديني، ضمن أيديولوجية تُؤمن بالمذهب الشيعي الجعفري. وبدأ التحرُّش الإيراني على الحدود العراقيَّة؛ الأمر الذي من خلاله نشبت الحرب العراقية - الإيرانية، التي كانت تحمل في صبغتها تصدير الثورة الإيرانية للبلاد العربية.

لقد باغت صدام حسين هذا التحرُّش وقاومه على مدى ثماني سنوات، وخرج كلا الطرفين منهمكًا من الناحية الاقتصادية والبشرية.

اليوم، وبعد أنْ فاز إبراهيم رئيسي في الانتخابات الإيرانية، نحنُ أمام شكليات انتخابية، تحمل طعم الديمقراطية، لكنها في حقيقة الأمر سياسة إيرانية ثيوقراطية "حكومة دينيَّة".

ينص الدستور الإيراني في مادته الخامسة على أنَّ أعلى سُلطة في البلاد هي: سُلطة المرشد الأعلى، المُتمثَّلة اليوم في "علي خامنئي"، الذي من صلاحياته: حق تعيين السياسات العامَّة لنظام الجمهوريَّة، والإشراف عليها، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام وقيادة القوات المُسلَّحة، وإعلان الحرب والسلم والنفير العام، كما أعطاه حق عزل رئيس الجمهوريَّة، وتعيين وعزل قادة مجلس صيانة الدستور ورئيس السُّلطة القضائية.

مَن كانت هذه صلاحياته فهي دليل قاطع على أنًّ الانتخابات كرتونيَّة هُلاميَّة، تعتمد على ذر الرماد في العيون.

المُخْرِجُ الأميركي منذُ مُنعطف تغيير السلطة في طهران وهو يحاول أنْ يخلق نوعاً من التوازن في القوى السُّنيَّة الشيعية، خاصَّةً بعد نتائج الحرب العراقية الإيرانية. اشترك معه ككمبارس خلف خشبة المسرح كُل من إسرائيل وبعض القوى الغربيَّة.

الأحداث تتواتر منذ عام 1980م إلى عامنا الحالي 2021م، وكُلُّها تُشير إلى إسقاط بغداد في أيدي حُكام طهران، ولكن بمانشتَّات مُختلفة، منها : توريط صدَّام حسين في غزو الكويت عام 1990م، ثمَّ تجييش الجيوش بزعامة الولايات المتحدة الأميركية والعالم لإخراج العراق من الكويت وتحريرها. ما لبث المُخرج الأميركي في عام 2003م أن احتل بغداد، وحلَّ الجيش العراقي وحزب البعث؛ بحجَّة استخدامه أسلحة كيماوية في حربه مع إيران، وامتلاكه ترسانة كبيرة من الأسلحة الكيماويَّة.

في هذا الوقت كان السيد جورج بوش الابن يصفُ إيران بأنها محور الشر قبل غزوه العراق، ونُفاجَأ بتسليم أميركا "بغداد" بأيدي الفُرس. هي خُطوة من مجموعة خطوات، تقدَّم بها المُخرج الأميركي تحت ستار خلق التوازن السُّنِّي الشيعي. وقد توجَّس الناس من ذلك، خاصَّةً السُّنِّي منهم، وبعض الشيعة العراقيين. وكما تعلمون، إنَّ شيعة العراق تمثِّل ثُلثَي السكان، وما زالوا متوجِّسين من أنْ تكون الأرض العراقيَّة ساحة القتال بين السُّنَّة والشيعة. إيران دولة سرطانيَّة، استطاعت أن تزرع أذرعها في كل مكان أمام صمت أميركي مُطبق. هذا الصمت الذي لا يخفى على السياسيين أمثال حكيم السياسة السعودية سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية - رحمه الله -، الذي قال: (في حال كان هدف "الغزو" الأميركي إسقاط نظام صدام حسين فإنَّهُ سيحل مشكلة، لكنَّهُ سيخلق خمس مشاكل). وقال أيضاً: (دخول القوات الأميركيَّة إلى العراق سيخلق حالة من الفوضى، لا يُمكن السيطرة عليها).

صمتُ أميركا من أحداث سوريا أيضاً دليلٌ على أنَّ المُخرج الأميركي "عاوز كذا"؛ والهدف هو تزكية الطائفيَّة، ودعم طرف على استحياء، وتهميش ومعاقبة السُّنة أينما وُجِدُوا. ولا ننسَ المُباركة اليهودية لذلك. نَحنُ أمام تلَوُّن السياسة الأميركيَّة، رغم العِداء المُعلن مع إيران، ومن كلا الطرفين. وهناك من التعقيدات -فيما يتعلَّق بالمصالح المُشتركة- الشيء الكثير، الذي يذهب بالمُخرج الأميركي إلى أنْ يتمم طبخته على نار هادئة دون الوقوع في خلطات السياسات ذات النكهات غير المُستساغة.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021