جزاء سِنِمَّار!!

يُروى أن قصر الخورنق كان أحد أجمل قصور الكوفة للملك النعمان بن المنذر، وقد استغرق بناؤه عشرين عامًا.. وكان "سِنِمَّار" مهندسًا روميًّا، عُرف بإتقانه الشديد في تصاميمه، وروعة الزخرفة والبناء؛ فقد كان رجلاً مبدعًا فريدًا في زمانه، يحب عمله بشدة، ويحرص على تميزه لأبعد الحدود. وبعد أن انتهى من البناء، وعرضه على الملك النعمان، انبهر بن المنذر أشد الانبهار، ودهش الناس لدقة تصميم القصر وزخرفته وألوانه وأركانه وجنباته.. وتحكي الروايات أنه قال للملك: إن هناك قطعة حجرية أو عمودًا بالقصر لو زالت لسقط القصر كله، وإنه لا يعلم مكانها غيره. وقيل إنه قال: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هُدم تداعى القصر بأكمله.. وقال: لقد صممت هذا القصر لك وحدك، ولا يمكن لأي شخص مهما كان أن يشيد مثله. ولقد تركت آجرة (طوبة) في موضع محدد، إن أزحتها من مكانها انهد القصر برمته، فإن تعرضت مملكتك لغزو، أو تمكَّن الأعداء منك، فما عليك إلا أن تزيلها من موضعها فينهد القصر فوق رؤوسهم جميعًا، وتهرب أنت ولن يبقى لهم شيء. فقال النعمان: ومن يعلم بأمر هذه الآجرة؟! قال سنمار: أنا وأنت فقط يا مولاي. فتوجس الملك منه ريبة وخوفًا، وأحاطت به الوساوس والظنون، ورأى أن هذا السر الخطير يجب ألا يعلم به أحد؛ فباغته على حين غرة، ودفعه من على قمة القصر فمات. فيما ذكر بعضهم أنه قال للنعمان: "إني لو شئتَ لجعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت.. وإني أستطيع بناء قصر أفضل منه". فقال الملك: وإنك لتحسن أن تبني ما هو أفضل منه ولم تبنه؟! فأمر به، وألقوه من أعلى قمة القصر، فأرداه قتيلاً؛ فضُرب به المثل حينما يجازَى الإحسان بالإساءة، بل القتل. كان ذلك جزاء سنمار رغم نيته السليمة والصافية التي لا تحمل شرًّا.. إلا أن مهارته اللامتناهية في عمله كانت سببًا في نهايته. وأضف إليها غيرة النعمان بن المنذر التي أعمت عينيه عن كل روية وتفكير؛ فكان جزاء إحسانه أن يكافَأ بالإساءة إليه، ومقابلة المعروف بالنكران والجحود. يقول الشاعر: "جزاني جزاه الله شر جزائه.. جزاء سنمار وما كان ذا ذنب.. سوى رصه البنيان عشرين حجة.. يعل عليها بالقراميد والسكب.. فلما انتهى البنيان يوم تمامه.. وصار كمثل الطود والباذخ الصعب.. وظن سنمار متى تم أنه.. يفوز لديه بالمودة والقرب.. فقال اقذفوا بالعلج من فوق شاهق.. فهذا لعمر الله من أعجب الخطب". وفي ذلك قال زهير بن أبي سلمى في معلقته: "ومن يجعل المعروف في غير أهلـه.. يكـن حمـده ذمًّا عليه وينـدم". ومثله قال المتنبي: "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". وكم من "سنمار" في واقعنا يجازَى شرًّا بعد أن بذل كل ما يملك من ضروب الخير والإحسان، وقدم الكثير من التضحيات لأجل الآخرين. وتلك هي الأيام التي لا يأمن تقلبها العاقل. قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}. فلنحسن لله كما أحسن إلينا. ولنحسن لأحبابنا على ما قدموه لنا من بذل وعطاء قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.. حياتنا قصيرة، ولن يدوم إلا المعروف والذكرى الحسنة..

هجمة.. مرتدة!!

عادت الحياة في بعض دول العالم تدريجيًّا بعد تخفيف القيود التي فُرضت بسبب جائحة كورونا ومواجهة فيروس (كوفيد-19). وقد بذلت قيادتنا الغالي والنفيس خلال الأشهر الماضية للتصدي للجائحة، بمتابعة مستمرة من مقام والدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-. ويأتي دور المواطن والمقيم بضرورة التقيد بالتعليمات، والالتزام بجميع الضوابط التي تفرضها وزارة الصحة والجهات الرسمية أثناء فترة العودة التدريجية حتى تزول هذه الغمة، وينفرج هذا البلاء كليًّا -بإذن الله-، وحتى لا تضاعف أرقام الإصابات بسبب المخالطة وعدم الالتزام بها. فقد أحسنت القيادة في إدارة الأزمة، وجاء الدور علينا للمشاركة في هذا الإحسان، ورد الجميل لجميع القطاعات الحكومية ذات العلاقة.. وحتى لا تتكرر قصة "سنمار"، ولكن بشكل عكسي، فعلينا أن نقابل الإحسان بالإحسان. والمطلوب فقط هو الحرص والتقيد؛ لننجح جميعًا في تجاوز الأزمة.

وحيد بغدادي

6

19 يونيو 2020 - 27 شوّال 1441 08:57 PM

جزاء سِنِمَّار!!

وحيد بغدادي - الرياض
0 1,442

يُروى أن قصر الخورنق كان أحد أجمل قصور الكوفة للملك النعمان بن المنذر، وقد استغرق بناؤه عشرين عامًا.. وكان "سِنِمَّار" مهندسًا روميًّا، عُرف بإتقانه الشديد في تصاميمه، وروعة الزخرفة والبناء؛ فقد كان رجلاً مبدعًا فريدًا في زمانه، يحب عمله بشدة، ويحرص على تميزه لأبعد الحدود. وبعد أن انتهى من البناء، وعرضه على الملك النعمان، انبهر بن المنذر أشد الانبهار، ودهش الناس لدقة تصميم القصر وزخرفته وألوانه وأركانه وجنباته.. وتحكي الروايات أنه قال للملك: إن هناك قطعة حجرية أو عمودًا بالقصر لو زالت لسقط القصر كله، وإنه لا يعلم مكانها غيره. وقيل إنه قال: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هُدم تداعى القصر بأكمله.. وقال: لقد صممت هذا القصر لك وحدك، ولا يمكن لأي شخص مهما كان أن يشيد مثله. ولقد تركت آجرة (طوبة) في موضع محدد، إن أزحتها من مكانها انهد القصر برمته، فإن تعرضت مملكتك لغزو، أو تمكَّن الأعداء منك، فما عليك إلا أن تزيلها من موضعها فينهد القصر فوق رؤوسهم جميعًا، وتهرب أنت ولن يبقى لهم شيء. فقال النعمان: ومن يعلم بأمر هذه الآجرة؟! قال سنمار: أنا وأنت فقط يا مولاي. فتوجس الملك منه ريبة وخوفًا، وأحاطت به الوساوس والظنون، ورأى أن هذا السر الخطير يجب ألا يعلم به أحد؛ فباغته على حين غرة، ودفعه من على قمة القصر فمات. فيما ذكر بعضهم أنه قال للنعمان: "إني لو شئتَ لجعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت.. وإني أستطيع بناء قصر أفضل منه". فقال الملك: وإنك لتحسن أن تبني ما هو أفضل منه ولم تبنه؟! فأمر به، وألقوه من أعلى قمة القصر، فأرداه قتيلاً؛ فضُرب به المثل حينما يجازَى الإحسان بالإساءة، بل القتل. كان ذلك جزاء سنمار رغم نيته السليمة والصافية التي لا تحمل شرًّا.. إلا أن مهارته اللامتناهية في عمله كانت سببًا في نهايته. وأضف إليها غيرة النعمان بن المنذر التي أعمت عينيه عن كل روية وتفكير؛ فكان جزاء إحسانه أن يكافَأ بالإساءة إليه، ومقابلة المعروف بالنكران والجحود. يقول الشاعر: "جزاني جزاه الله شر جزائه.. جزاء سنمار وما كان ذا ذنب.. سوى رصه البنيان عشرين حجة.. يعل عليها بالقراميد والسكب.. فلما انتهى البنيان يوم تمامه.. وصار كمثل الطود والباذخ الصعب.. وظن سنمار متى تم أنه.. يفوز لديه بالمودة والقرب.. فقال اقذفوا بالعلج من فوق شاهق.. فهذا لعمر الله من أعجب الخطب". وفي ذلك قال زهير بن أبي سلمى في معلقته: "ومن يجعل المعروف في غير أهلـه.. يكـن حمـده ذمًّا عليه وينـدم". ومثله قال المتنبي: "إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا". وكم من "سنمار" في واقعنا يجازَى شرًّا بعد أن بذل كل ما يملك من ضروب الخير والإحسان، وقدم الكثير من التضحيات لأجل الآخرين. وتلك هي الأيام التي لا يأمن تقلبها العاقل. قال تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}. فلنحسن لله كما أحسن إلينا. ولنحسن لأحبابنا على ما قدموه لنا من بذل وعطاء قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.. حياتنا قصيرة، ولن يدوم إلا المعروف والذكرى الحسنة..

هجمة.. مرتدة!!

عادت الحياة في بعض دول العالم تدريجيًّا بعد تخفيف القيود التي فُرضت بسبب جائحة كورونا ومواجهة فيروس (كوفيد-19). وقد بذلت قيادتنا الغالي والنفيس خلال الأشهر الماضية للتصدي للجائحة، بمتابعة مستمرة من مقام والدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-. ويأتي دور المواطن والمقيم بضرورة التقيد بالتعليمات، والالتزام بجميع الضوابط التي تفرضها وزارة الصحة والجهات الرسمية أثناء فترة العودة التدريجية حتى تزول هذه الغمة، وينفرج هذا البلاء كليًّا -بإذن الله-، وحتى لا تضاعف أرقام الإصابات بسبب المخالطة وعدم الالتزام بها. فقد أحسنت القيادة في إدارة الأزمة، وجاء الدور علينا للمشاركة في هذا الإحسان، ورد الجميل لجميع القطاعات الحكومية ذات العلاقة.. وحتى لا تتكرر قصة "سنمار"، ولكن بشكل عكسي، فعلينا أن نقابل الإحسان بالإحسان. والمطلوب فقط هو الحرص والتقيد؛ لننجح جميعًا في تجاوز الأزمة.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020