حينما تتجلى الإنسانية في أسمى صورها!

سمعنا بالكثير من قصص التبرع بالأعضاء إلا أن قصة تبرع "عبدالهادي" المشهورة استوقفتني؛

لكونها تعبق بالمعاني الإنسانية، والقيم الراقية، والأخلاق الحسنة.

فقد حدثني عند زيارتي له بعد خروجه من المستشفى مباشرة يوم الجمعة ٣/ ٦ / ١٤٤٠هـ عن قصة تبرعه لبنت يتيمة، ليس لها ولي بعد الله إلا أمها التي أثقلتها السنون.. وهو يتحدث بفرحة وسرور لم تفارق الدمعة جفني طيلة مدة مكوثي عنده، وهو يتحدث وألم فرحته بنجاح العملية يتجاوز ألم جراحه منها.

أما قصة تبرعه فقد بدأت قبل أكثر من سنة ونصف السنة عندما راودته فكرة التبرع بكليته لوجه الله؛ فذهب إلى مركز غسيل الكلى أكثر من ست مرات؛ ليشاهد المرضى، ثم استخار الله -عز وجل-، وطلب منه العون باستمرار لمدة شهرين؛ ليقدم على القرار (التبرع بكليته).

ذهب عبد الهادي إلى مركز غسيل الكلى، وأخبر المسؤول برغبته في التبرع، واشترط أن يكون تبرعه بكليته لطفل صغير (بنت أو ولد)، مع تشديده عليه بأن يبقى ذلك سرًّا بينهما.

بعد فترة اتصل به المسؤول، وأخبره بأنه وجد مبتغاه، وهو فتاة يتيمة، عمرها (٢٣ سنة)، أنهك جسدها الغسيل، وأمها كبيرة في السن، وليس لها أقارب من الدرجة الأولى، وحتى الدرجة الثانية، وتأتي بها والدتها بسيارة أجرة مرتين للمستشفى أسبوعيًّا للغسيل، وهي من الأسر الفقيرة، وتعاني الأمرّين هي ووالدتها.

فوافق مباشرة، وكان همه الكبير أن تكون فصيلة دمه وكليته ملائمتَيْن لها، ثم أبلغ زوجته بالقرار مع تشديده على سرية الأمر. وبينما كان متجهًا لمنزله الجديد للجلوس مع عائلته، والتمتع بمنزله، جاءه اتصال من مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض للحضور في صباح الغد لعمل الفحوصات، واستكمال الإجراءات النظامية.

ومن شدة الفرحة طلب من زوجته التجهيز للسفر، وانطلق بالسيارة مباشرة ودون توقف من محافظة طبرجل في أقصى الشمال إلى العاصمة الرياض (بمسافة ١٢٠٠ كم تقريبًا)؛ ليصل المستشفى في الموعد المحدد. بقي على هذه الحال أكثر من عام وهو يتردد على مستشفى التخصصي بالرياض، ولا أحد يعلم بذلك إلا زوجته ومسؤول المستشفى.

وتلاشت مخاوفه بعدما تطابقت الفحوصات. وقبل العملية بأيام علمت المريضة بأنه هو من سيتبرع لها، وأبلغ إخوته الكبار بقراره، فكانوا خير عون له.

وأُجريت العملية، وبعد نجاحها ذهب للمريضة وأمها مباشرة، وقال للمريضة: لعلك تكونين بارة بأمك بمثل برها وخدمتها لك سنوات طويلة. واستودعهما الله، وخرج من المستشفى.

نحن بخير ما دامت أمتنا فيها أمثال عبدالهادي بن طحيطر النواق الشراري. قصة يجب أن تُروى؛ ليعرف الناس أنه ما زال فينا من أهل الخير، وأن أبواب الخير مفتوحة، ولنفهم ونطبق عمليًّا معنى قوله تعالى: {... وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا...}. ولعلنا نقتدي بهذا الشاب الذي يبحث عن رضا خالقه، ويحتسب الأجر.

قد يكون هذا العمل من أعلى درجات تحقيق الذات الذي يصل له القلة؛ لذا طبيعيًّا سيعيش هذا الشاب سعيدًا بلذة العطاء والإيثار في حياته كلما تذكر قصته وصواب قراره.

ما أجمل أن ينساب القلم لمثل هذه المواقف..

ما أجمل الكتابة عن حاسة لا يمتلكها إلا الأنقياء..

ما أجمل الكتابة عن قصص الإيثار والقيم العالية..

هؤلاء نتعلم منهم دروسًا غالية وثمينة، لا تتيحها أعرق أكاديميات العالم وجامعاتها..

فعن هؤلاء تعجز الكلمات عن إيفائهم حقهم..

‏ولكن يبقى الثواب عند الله أعمق وأكبر..

هي أكبر من قصة تروى..

هي الإنسانية في أبهى صورها..

فجزاك الله أخي عبدالهادي خير الجزاء..

4

24 فبراير 2019 - 19 جمادى الآخر 1440 01:07 AM

حينما تتجلى الإنسانية في أسمى صورها!

حامد الشراري - الرياض
1 979

سمعنا بالكثير من قصص التبرع بالأعضاء إلا أن قصة تبرع "عبدالهادي" المشهورة استوقفتني؛

لكونها تعبق بالمعاني الإنسانية، والقيم الراقية، والأخلاق الحسنة.

فقد حدثني عند زيارتي له بعد خروجه من المستشفى مباشرة يوم الجمعة ٣/ ٦ / ١٤٤٠هـ عن قصة تبرعه لبنت يتيمة، ليس لها ولي بعد الله إلا أمها التي أثقلتها السنون.. وهو يتحدث بفرحة وسرور لم تفارق الدمعة جفني طيلة مدة مكوثي عنده، وهو يتحدث وألم فرحته بنجاح العملية يتجاوز ألم جراحه منها.

أما قصة تبرعه فقد بدأت قبل أكثر من سنة ونصف السنة عندما راودته فكرة التبرع بكليته لوجه الله؛ فذهب إلى مركز غسيل الكلى أكثر من ست مرات؛ ليشاهد المرضى، ثم استخار الله -عز وجل-، وطلب منه العون باستمرار لمدة شهرين؛ ليقدم على القرار (التبرع بكليته).

ذهب عبد الهادي إلى مركز غسيل الكلى، وأخبر المسؤول برغبته في التبرع، واشترط أن يكون تبرعه بكليته لطفل صغير (بنت أو ولد)، مع تشديده عليه بأن يبقى ذلك سرًّا بينهما.

بعد فترة اتصل به المسؤول، وأخبره بأنه وجد مبتغاه، وهو فتاة يتيمة، عمرها (٢٣ سنة)، أنهك جسدها الغسيل، وأمها كبيرة في السن، وليس لها أقارب من الدرجة الأولى، وحتى الدرجة الثانية، وتأتي بها والدتها بسيارة أجرة مرتين للمستشفى أسبوعيًّا للغسيل، وهي من الأسر الفقيرة، وتعاني الأمرّين هي ووالدتها.

فوافق مباشرة، وكان همه الكبير أن تكون فصيلة دمه وكليته ملائمتَيْن لها، ثم أبلغ زوجته بالقرار مع تشديده على سرية الأمر. وبينما كان متجهًا لمنزله الجديد للجلوس مع عائلته، والتمتع بمنزله، جاءه اتصال من مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض للحضور في صباح الغد لعمل الفحوصات، واستكمال الإجراءات النظامية.

ومن شدة الفرحة طلب من زوجته التجهيز للسفر، وانطلق بالسيارة مباشرة ودون توقف من محافظة طبرجل في أقصى الشمال إلى العاصمة الرياض (بمسافة ١٢٠٠ كم تقريبًا)؛ ليصل المستشفى في الموعد المحدد. بقي على هذه الحال أكثر من عام وهو يتردد على مستشفى التخصصي بالرياض، ولا أحد يعلم بذلك إلا زوجته ومسؤول المستشفى.

وتلاشت مخاوفه بعدما تطابقت الفحوصات. وقبل العملية بأيام علمت المريضة بأنه هو من سيتبرع لها، وأبلغ إخوته الكبار بقراره، فكانوا خير عون له.

وأُجريت العملية، وبعد نجاحها ذهب للمريضة وأمها مباشرة، وقال للمريضة: لعلك تكونين بارة بأمك بمثل برها وخدمتها لك سنوات طويلة. واستودعهما الله، وخرج من المستشفى.

نحن بخير ما دامت أمتنا فيها أمثال عبدالهادي بن طحيطر النواق الشراري. قصة يجب أن تُروى؛ ليعرف الناس أنه ما زال فينا من أهل الخير، وأن أبواب الخير مفتوحة، ولنفهم ونطبق عمليًّا معنى قوله تعالى: {... وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا...}. ولعلنا نقتدي بهذا الشاب الذي يبحث عن رضا خالقه، ويحتسب الأجر.

قد يكون هذا العمل من أعلى درجات تحقيق الذات الذي يصل له القلة؛ لذا طبيعيًّا سيعيش هذا الشاب سعيدًا بلذة العطاء والإيثار في حياته كلما تذكر قصته وصواب قراره.

ما أجمل أن ينساب القلم لمثل هذه المواقف..

ما أجمل الكتابة عن حاسة لا يمتلكها إلا الأنقياء..

ما أجمل الكتابة عن قصص الإيثار والقيم العالية..

هؤلاء نتعلم منهم دروسًا غالية وثمينة، لا تتيحها أعرق أكاديميات العالم وجامعاتها..

فعن هؤلاء تعجز الكلمات عن إيفائهم حقهم..

‏ولكن يبقى الثواب عند الله أعمق وأكبر..

هي أكبر من قصة تروى..

هي الإنسانية في أبهى صورها..

فجزاك الله أخي عبدالهادي خير الجزاء..

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019