قرداحي.. وقصة الذئب

رغم أن لبنان بلد المشكلات المتعاقبة والمتأزمة في منطقة الشرق الأوسط بلا منازع إلا أن ما حدث من وزير إعلامه جورج قرداحي، بالحديث الجاهل عن الحرب في اليمن، سيبقى نقطة مهمة، يجب أن يستثمرها هذا البلد الصغير بشكل جيد لتصحيح الأوضاع في وقت مبكر.

لقد أثبت لبنان بالدليل القاطع والمنطق أن ساسته هم العقبة الكبرى في مسيرته؛ وليس أدل على ذلك من أن هذا البلد ظل لشهور طويلة بلا حكومة تُسيِّر أعماله، وما إن هداه الله إلى حكومة توافقية حتى دخلت البلاد في أتون مشكلة سياسية كبرى، فجَّرها هذا القرداحي بجهله البيِّن، الذي حرمه نعمة تبصر الحقائق، ومعرفة بواطن الأمور.

في يوم من الأيام كان قرداحي ملء السمع والبصر، مذيعًا لامعًا على شاشات التلفزيون، وعندما وصله ترشيح حكومة بلاده لتعيينه وزيرًا للإعلام لم يصدق الرجل نفسه، واعتقد ـ خطأ ـ أن نجاحه مذيعًا سيتحول تلقائيًّا إلى نجاحه وزيرًا؛ فتحدَّث فيما لا يعلمه، "وجاب العيد" مبكرًا.

وإحقاقًا للحق، لا أبالغ إذا أكدت أن هذا الشخص كان ماهرًا ومبدعًا في خداع كل مَن حوله، وإظهار ما ليس يؤمن به، ونجح في استثمار بلاغته وفصاحته اللغوية في التمويه على أفكاره ومعتقداته، وكأنه لم يقرأ في حياته شيئًا سوى كتب "التقية"، واستوعبها، وآمن بها، ونفَّذ مبادئها؛ بدليل مكوثه بين الخليجيين مذيعًا على شاشة الـ"إم بي سي"، ورغم ذلك كان يتظاهر بأنه لبناني، بدم خليجي، مخفيًا انتماءاته السياسية التي كشف عنها في الأيام الأولى وزيرًا للإعلام.

لا أستطيع أن أصف ما فعله هذا الشخص سوى أنه غباء سياسي خطير، مزجه بالجهل تارة، وعدم الإلمام بحقيقة المشهد في المنطقة تارة أخرى، فضلاً عن الصداع الذي جلبه لبلاده وحكومتها الوليدة. وربما في هذا المشهد فائدة كبرى للبنان نفسه، الذي عليه أن يدرك سوء اختياراته للوزراء، كما أن هناك فائدة لدول الخليج التي عرفت مبكرًا خبايا قرداحي، وما تختزنه نفسه من سوء وحقد لمنطقة الخليج.

من الصعب، بل من المستحيل، أن يلوم أحد دول الخليج على ما اتخذته من إجراءات حاسمة وقوية بحق لبنان، خاصة السعودية التي لطالما ساندت هذا البلد في السراء والضراء، ووقفت بجانب شعبه في الأزمات والمحن، هذا بخلاف الشهرة التي حققها قرداحي نفسه في شاشة "إم بي سي" السعودية، واليوم يرد الجميل بالإساءة، والخير بالشر، في مشهد يخلو من أي منطق أو مبدأ إنساني. وتُذكِّرني قصة قرداحي بقصة الذئب الذي ربته امرأة أعرابية صغيرًا مع ماشيتها، ورضع من حليبها، وعندما كَبُر، وأدرك أنه ذئب ابن ذئب، هاجم الماشية التي تربَّى معها، ورضع من أثدائها، فأنشدت شعرها قائلة:

بقرت شويهتي وفجعت قلبي.. وأنت لشاتنا ولد ربيب

غذوت بضرها ونشأت معها.. فمن أنباك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء.. فلا لبن يفيد ولا حليب

ماجد البريكان

858

02 نوفمبر 2021 - 27 ربيع الأول 1443 08:14 PM

قرداحي.. وقصة الذئب

ماجد البريكان - الرياض
4 2,461

رغم أن لبنان بلد المشكلات المتعاقبة والمتأزمة في منطقة الشرق الأوسط بلا منازع إلا أن ما حدث من وزير إعلامه جورج قرداحي، بالحديث الجاهل عن الحرب في اليمن، سيبقى نقطة مهمة، يجب أن يستثمرها هذا البلد الصغير بشكل جيد لتصحيح الأوضاع في وقت مبكر.

لقد أثبت لبنان بالدليل القاطع والمنطق أن ساسته هم العقبة الكبرى في مسيرته؛ وليس أدل على ذلك من أن هذا البلد ظل لشهور طويلة بلا حكومة تُسيِّر أعماله، وما إن هداه الله إلى حكومة توافقية حتى دخلت البلاد في أتون مشكلة سياسية كبرى، فجَّرها هذا القرداحي بجهله البيِّن، الذي حرمه نعمة تبصر الحقائق، ومعرفة بواطن الأمور.

في يوم من الأيام كان قرداحي ملء السمع والبصر، مذيعًا لامعًا على شاشات التلفزيون، وعندما وصله ترشيح حكومة بلاده لتعيينه وزيرًا للإعلام لم يصدق الرجل نفسه، واعتقد ـ خطأ ـ أن نجاحه مذيعًا سيتحول تلقائيًّا إلى نجاحه وزيرًا؛ فتحدَّث فيما لا يعلمه، "وجاب العيد" مبكرًا.

وإحقاقًا للحق، لا أبالغ إذا أكدت أن هذا الشخص كان ماهرًا ومبدعًا في خداع كل مَن حوله، وإظهار ما ليس يؤمن به، ونجح في استثمار بلاغته وفصاحته اللغوية في التمويه على أفكاره ومعتقداته، وكأنه لم يقرأ في حياته شيئًا سوى كتب "التقية"، واستوعبها، وآمن بها، ونفَّذ مبادئها؛ بدليل مكوثه بين الخليجيين مذيعًا على شاشة الـ"إم بي سي"، ورغم ذلك كان يتظاهر بأنه لبناني، بدم خليجي، مخفيًا انتماءاته السياسية التي كشف عنها في الأيام الأولى وزيرًا للإعلام.

لا أستطيع أن أصف ما فعله هذا الشخص سوى أنه غباء سياسي خطير، مزجه بالجهل تارة، وعدم الإلمام بحقيقة المشهد في المنطقة تارة أخرى، فضلاً عن الصداع الذي جلبه لبلاده وحكومتها الوليدة. وربما في هذا المشهد فائدة كبرى للبنان نفسه، الذي عليه أن يدرك سوء اختياراته للوزراء، كما أن هناك فائدة لدول الخليج التي عرفت مبكرًا خبايا قرداحي، وما تختزنه نفسه من سوء وحقد لمنطقة الخليج.

من الصعب، بل من المستحيل، أن يلوم أحد دول الخليج على ما اتخذته من إجراءات حاسمة وقوية بحق لبنان، خاصة السعودية التي لطالما ساندت هذا البلد في السراء والضراء، ووقفت بجانب شعبه في الأزمات والمحن، هذا بخلاف الشهرة التي حققها قرداحي نفسه في شاشة "إم بي سي" السعودية، واليوم يرد الجميل بالإساءة، والخير بالشر، في مشهد يخلو من أي منطق أو مبدأ إنساني. وتُذكِّرني قصة قرداحي بقصة الذئب الذي ربته امرأة أعرابية صغيرًا مع ماشيتها، ورضع من حليبها، وعندما كَبُر، وأدرك أنه ذئب ابن ذئب، هاجم الماشية التي تربَّى معها، ورضع من أثدائها، فأنشدت شعرها قائلة:

بقرت شويهتي وفجعت قلبي.. وأنت لشاتنا ولد ربيب

غذوت بضرها ونشأت معها.. فمن أنباك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء.. فلا لبن يفيد ولا حليب

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2021