"سموم" مراكز الأبحاث..!

مراكز الدراسات والأبحاث، أو ما يطلق عليها (Think Tanks) ، هي مراكز تختص غالبًا بدراسة الجوانب السياسية والمعرفية التي تهم المجتمع والدولة، وتساعد صانع القرار في معرفة توجهات ورغبات الرأي العام حول قضية معينة؛ إذ تستعين بها بعض الدول التي تؤمن بأهمية صناعة القرار الذي يتوافق مع سياستها الخارجية، ولا يتعارض مع توجهات أو تطلعات الرأي العام لديها. كما أن من شأنها تحديد السلوك السياسي للدول ضمن محددات عقلانية، وقياس ردود الأفعال في مختلف القضايا الطارئة أو الآنية، كما تساعدهم على مراجعة قرارات تم اتخاذها سابقًا بعد معرفة رأي الجمهور المستهدف والمحدد حسب الأهمية والموضوع؛ إذ يتم التعديل والتصويب والمراجعة، وفق نتائج تلك الدراسات واستطلاعات الرأي المبنية على أسس علمية ودقيقة وموثوقة.

هذه المراكز تسهم بشكل أو بآخر بصياغة القرار السياسي للدول، وتبني عليها مواقف سياسية تجاه قضايا مهمة، قد تؤثر على المسار السياسي لديها، وعلاقتها بالدول ذات العلاقة في محيطها، أو أنها تشكل رأيًا حول قضية مهمة يتداولها الرأي العام الدولي، كما تساعد على تجاوز كثير من الأزمات، أو تقلل من نشوء الأخطار المحيطة بها. وتميزت بذلك العديد من الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لديها آلاف المراكز للدراسات والأبحاث وقياس الرأي العام، وتزود الحكومة الفيدرالية الأمريكية بها حول مختلف القضايا الدولية أولاً بأول، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي، خاصة الدول الاسكندنافية منها، كالنرويج والسويد والدنمارك. ومن آسيا تميزت بذلك الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

فمراكز الأبحاث الدولية، وإن أظهرت حياديتها، وادعت استقلاليتها، إلا أنها لا تخلو من توجُّهَين رئيسيَّين، الأول: توجُّه يخدم مصالح دول داعمة أو راعية لها، وتعمل وفق معتقدات تلك الدول وسلوكها السياسي بما يحقق رغباتها في نشر ثقافات معينة، قد تكون مقبولة في بعض الأحيان، ومرفوضة في أحيان أخرى. والاتجاه الثاني: يُبنى على الأيديولوجية الفكرية للقائمين على تلك المراكز، وتوجهاتهم، ومعتقداتهم، وانتماءاتهم السياسية والدينية.. فتجد بعضهم يحمل معتقدًا ومرجعًا دينيًّا، يعمل وفق أطره، وآخرين لهم مبادئهم السياسية والحزبية التي يعملون لخدمتها، ولا يتجاوزونها، وغيرهم يعمل لخدمة أشخاص نافذين، أو أن بعضهم في داخله حقد أو توجه ضد سياسة معينة لدولة ما. ولعلنا شاهدنا ذلك فيما يجري من انتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا من استطلاعات ودراسات توافقت مع حزب دون آخر.

فتجد النتائج والتقارير والأبحاث تسير في مجملها وفق إما رغبات دول، أو وفق توجهات أشخاص لهم أهدافهم الخاصة. فالعاملون في حقل الدراسات والأبحاث يعرفون جيدًا كيف أنه من السهولة بمكان تضليل الرأي العام وصانع القرار، من خلال نتائج خادعة وكاذبة، تخلو من المهنية والمصداقية؛ فقد يسيّر الباحث أو المركز أبحاثه وفق النتائج التي يرغب بالحصول عليها، وذلك من خلال عينة البحث، أو صياغة أسئلة الدراسة، أو الجمهور المستهدف.

نحن في المملكة العربية السعودية ما يهمنا هو أن تقوم مراكزنا البحثية الوطنية بالتعاون مع مراكز بحثية موثوقة فيما يخص الشأن الدولي، وأن تعمل على بناء مراكز دراسات دولية خارج حدود الوطن، عمادها الأساسي الكفاءات السعودية، تساعد صانع القرار على اتخاذ مواقف سليمة وقرارات أكثر عقلانية، من شأنها تجنيبه العديد من المخاطر، وتزوده بنتائج ومخرجات واقعية وصحيحة، كما تساعده على تحقيق نتائج إيجابية تجاه قرارات تُبنى على دراسات ملائمة، تخدم السياسة الخارجية للمملكة.

فتجنب سموم تلك المراكز والوقوع بشراكها ليس بالأمر الصعب، بل بالمتناول، وذلك بالاعتماد على سواعد الكفاءات الوطنية المدربة، ذات العلاقات العميقة مع الأشخاص المؤثرين والموثقين في دراساتهم ونتائجهم وتحليلاتهم، ولهم تجاربهم في حقول المعرفة ذات الباع الطويل؛ فهي -بلا شك- السلاح الناجع والناجح -بإذن الله- في إبادة تلك السموم المضللة.

حمي الله وطننا وقيادتنا وشعبنا من كل مكروه.

عبدالسلام المشيطي

14

10 نوفمبر 2020 - 24 ربيع الأول 1442 11:45 PM

"سموم" مراكز الأبحاث..!

عبدالسلام المشيطي - الرياض
0 1,085

مراكز الدراسات والأبحاث، أو ما يطلق عليها (Think Tanks) ، هي مراكز تختص غالبًا بدراسة الجوانب السياسية والمعرفية التي تهم المجتمع والدولة، وتساعد صانع القرار في معرفة توجهات ورغبات الرأي العام حول قضية معينة؛ إذ تستعين بها بعض الدول التي تؤمن بأهمية صناعة القرار الذي يتوافق مع سياستها الخارجية، ولا يتعارض مع توجهات أو تطلعات الرأي العام لديها. كما أن من شأنها تحديد السلوك السياسي للدول ضمن محددات عقلانية، وقياس ردود الأفعال في مختلف القضايا الطارئة أو الآنية، كما تساعدهم على مراجعة قرارات تم اتخاذها سابقًا بعد معرفة رأي الجمهور المستهدف والمحدد حسب الأهمية والموضوع؛ إذ يتم التعديل والتصويب والمراجعة، وفق نتائج تلك الدراسات واستطلاعات الرأي المبنية على أسس علمية ودقيقة وموثوقة.

هذه المراكز تسهم بشكل أو بآخر بصياغة القرار السياسي للدول، وتبني عليها مواقف سياسية تجاه قضايا مهمة، قد تؤثر على المسار السياسي لديها، وعلاقتها بالدول ذات العلاقة في محيطها، أو أنها تشكل رأيًا حول قضية مهمة يتداولها الرأي العام الدولي، كما تساعد على تجاوز كثير من الأزمات، أو تقلل من نشوء الأخطار المحيطة بها. وتميزت بذلك العديد من الدول، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي لديها آلاف المراكز للدراسات والأبحاث وقياس الرأي العام، وتزود الحكومة الفيدرالية الأمريكية بها حول مختلف القضايا الدولية أولاً بأول، وكذلك دول الاتحاد الأوروبي، خاصة الدول الاسكندنافية منها، كالنرويج والسويد والدنمارك. ومن آسيا تميزت بذلك الصين واليابان وكوريا الجنوبية.

فمراكز الأبحاث الدولية، وإن أظهرت حياديتها، وادعت استقلاليتها، إلا أنها لا تخلو من توجُّهَين رئيسيَّين، الأول: توجُّه يخدم مصالح دول داعمة أو راعية لها، وتعمل وفق معتقدات تلك الدول وسلوكها السياسي بما يحقق رغباتها في نشر ثقافات معينة، قد تكون مقبولة في بعض الأحيان، ومرفوضة في أحيان أخرى. والاتجاه الثاني: يُبنى على الأيديولوجية الفكرية للقائمين على تلك المراكز، وتوجهاتهم، ومعتقداتهم، وانتماءاتهم السياسية والدينية.. فتجد بعضهم يحمل معتقدًا ومرجعًا دينيًّا، يعمل وفق أطره، وآخرين لهم مبادئهم السياسية والحزبية التي يعملون لخدمتها، ولا يتجاوزونها، وغيرهم يعمل لخدمة أشخاص نافذين، أو أن بعضهم في داخله حقد أو توجه ضد سياسة معينة لدولة ما. ولعلنا شاهدنا ذلك فيما يجري من انتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا من استطلاعات ودراسات توافقت مع حزب دون آخر.

فتجد النتائج والتقارير والأبحاث تسير في مجملها وفق إما رغبات دول، أو وفق توجهات أشخاص لهم أهدافهم الخاصة. فالعاملون في حقل الدراسات والأبحاث يعرفون جيدًا كيف أنه من السهولة بمكان تضليل الرأي العام وصانع القرار، من خلال نتائج خادعة وكاذبة، تخلو من المهنية والمصداقية؛ فقد يسيّر الباحث أو المركز أبحاثه وفق النتائج التي يرغب بالحصول عليها، وذلك من خلال عينة البحث، أو صياغة أسئلة الدراسة، أو الجمهور المستهدف.

نحن في المملكة العربية السعودية ما يهمنا هو أن تقوم مراكزنا البحثية الوطنية بالتعاون مع مراكز بحثية موثوقة فيما يخص الشأن الدولي، وأن تعمل على بناء مراكز دراسات دولية خارج حدود الوطن، عمادها الأساسي الكفاءات السعودية، تساعد صانع القرار على اتخاذ مواقف سليمة وقرارات أكثر عقلانية، من شأنها تجنيبه العديد من المخاطر، وتزوده بنتائج ومخرجات واقعية وصحيحة، كما تساعده على تحقيق نتائج إيجابية تجاه قرارات تُبنى على دراسات ملائمة، تخدم السياسة الخارجية للمملكة.

فتجنب سموم تلك المراكز والوقوع بشراكها ليس بالأمر الصعب، بل بالمتناول، وذلك بالاعتماد على سواعد الكفاءات الوطنية المدربة، ذات العلاقات العميقة مع الأشخاص المؤثرين والموثقين في دراساتهم ونتائجهم وتحليلاتهم، ولهم تجاربهم في حقول المعرفة ذات الباع الطويل؛ فهي -بلا شك- السلاح الناجع والناجح -بإذن الله- في إبادة تلك السموم المضللة.

حمي الله وطننا وقيادتنا وشعبنا من كل مكروه.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020