مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودوره المنتظر!!

لا شك أن قرار إنشاء (مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية) يُعدُّ من أبرز وأهم الأحداث الثقافية التي ظهرت مؤخرًا على الساحة المحلية والعربية والإسلامية؛ وذلك لما سيترتب على إنشائه من آثار إيجابية كثيرة في حقل الثقافة اللغوية العربية، ليس في السعودية وحدها، وإنما على امتداد الأمة والوطن العربي بأسره؛ وذلك لأن اللغة هي وعاء الفكر والثقافة، ووسيلة أساسية للبناء الحضاري في أية أمة، ومن خلالها تتكون المفاهيم، ويتشكل الحس والوجدان، ويتم بناء الوعي والإدراك؛ ومن هنا يقول علماء اللسانيات والمفكرون المعاصرون: إن اللغة ليست مجرد وعاء لفظي يحل فيه الفكر، فلا توجد لغة دون فكر، ولا يمكن إدراك الفكر بمعزل عن اللغة.

ولمن لا يدرك أهمية هذا القرار يكفي أن يعلم أن المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية العالمية بكل صوره وأشكاله المرئية والمسموعة والمقروءة لا يتجاوز 3٪ من المحتوى العالمي المتداول على هذه الشبكة؛ ومن هنا فمن المنتظر أن يقوم (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) بزيادة هذا المحتوى، وتعزيزه، ورفع قيمته الحضارية. كما سيقدم هذا المجمع (اللغة العربية) للعالم بوصفها لغة حية، لغة علم وحياة حضارية معاصرة، وليست مجرد لغة تراثية قديمة تمثل وعاء لحضارة سابقة أَفُل نجمها، ولم تعد تقدم للعالم شيئًا، ولاسيما على المستوى التقني وتطوراته المتلاحقة!!

لقد أراد الله تعالى أن تختلف ألسنة البشر لتحقيق التنوع والتعارف، وجلب المنافع والمصالح. وهذا الاختلاف هو آية من آيات الله -عز وجل-. وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [سورة الروم: 22]. وعن طريق اللغة تستطيع الجماعات أن تتفاهم وتتفاعل مع بعضها اجتماعيًّا وثقافيًّا، ويتمكن الناس من التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم وانفعالاتهم المختلفة. و(مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) سيكون رابطًا حضاريًّا وفكريًّا جامعًا بين أبناء الأمة العربية وبقية شعوب العالم؛ ومن هنا فسوف يكون له قيمة ومكانة عالية في الساحة الثقافية العربية عبر خدمة اللغة العربية، ونشرها، وتيسير استخدامها، ولاسيما بين الشباب، والحفاظ عليها كلغة حية قادرة على مواكبة منجزات العصر، وتمتلك آلية فعالة للتعامل الإنساني بين البشر. وهذا الهدف سوف يمثل - في الواقع - قيمة مضافة لـ(مجمع الملك سلمان)، تميزه عن بقية المجامع اللغوية الأخرى؛ لأنه يكتسب أهميته من أهمية اللغة في حد ذاتها، ثم من أهمية المملكة العربية السعودية ومكانتها وموقعها المتميز بين الشعوب العربية والإسلامية، وقدرتها على ترسيخ اللغة العربية والتمكين لها؛ لأنها رمز لهويتنا وثقافتنا العريقة.

وكما نعلم، فإن القرآن الكريم هو العامل الأساسي في حفظ اللغة العربية وانتشارها؛ إذ انتشرت مع إقبال الناس على اعتناق الإسلام في بقاع الأرض. وعندما اتسعت الحضارة العربية الإسلامية ونمت استوعبت اللغة العربية معارف الأمم السابقة من خلال حركة الترجمة التي تمت في عصر الدولة العباسية، وانصهرت في الثقافة العربية الأصيلة. وتمكنت الأمة العربية الإسلامية من إبداع نموذجها الحضاري باللغة العربية التي سادت وهيمنت على البشر آنذاك؛ إذ كانت لغة العلم والتقدم والتحضر والازدهار، ولم تقتصر على النحو واللغة والبلاغة والشعر والأدب وحسب، كما لم تكتفِ بأن تكون لغة علوم القرآن الكريم والسنة المطهرة والفقه والتفسير وحسب، بل كانت لغة علوم الطب والفلك والهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها؛ وهذا يؤكد ويبرهن على أهمية اللغة العربية، وقدرتها على التأثير العالمي كما كان لها تأثير كبير في تاريخ العالم من قبل.

ويعد (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) إحدى أبرز مبادرات الاستراتيجية الوطنية لوزارة الثقافة، ويعكس حجم الدعم الكبير الذي تلقاه الثقافة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله -، كما يعدُّ أحد أبرز المشاريع الثقافية الواعدة التي تتبناها وزارة الثقافة بقيادة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، هذا الوزير الشاب الذي نقل الثقافة السعودية نقلة نوعية بما يتمتع به من همة عالية، وأُفق ثقافي واسع.

غسان عسيلان

5

06 أكتوبر 2020 - 19 صفر 1442 08:49 PM

مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية ودوره المنتظر!!

غسان محمد عسيلان - الرياض
0 994

لا شك أن قرار إنشاء (مَجْمَع الملك سلمان العالمي للغة العربية) يُعدُّ من أبرز وأهم الأحداث الثقافية التي ظهرت مؤخرًا على الساحة المحلية والعربية والإسلامية؛ وذلك لما سيترتب على إنشائه من آثار إيجابية كثيرة في حقل الثقافة اللغوية العربية، ليس في السعودية وحدها، وإنما على امتداد الأمة والوطن العربي بأسره؛ وذلك لأن اللغة هي وعاء الفكر والثقافة، ووسيلة أساسية للبناء الحضاري في أية أمة، ومن خلالها تتكون المفاهيم، ويتشكل الحس والوجدان، ويتم بناء الوعي والإدراك؛ ومن هنا يقول علماء اللسانيات والمفكرون المعاصرون: إن اللغة ليست مجرد وعاء لفظي يحل فيه الفكر، فلا توجد لغة دون فكر، ولا يمكن إدراك الفكر بمعزل عن اللغة.

ولمن لا يدرك أهمية هذا القرار يكفي أن يعلم أن المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية العالمية بكل صوره وأشكاله المرئية والمسموعة والمقروءة لا يتجاوز 3٪ من المحتوى العالمي المتداول على هذه الشبكة؛ ومن هنا فمن المنتظر أن يقوم (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) بزيادة هذا المحتوى، وتعزيزه، ورفع قيمته الحضارية. كما سيقدم هذا المجمع (اللغة العربية) للعالم بوصفها لغة حية، لغة علم وحياة حضارية معاصرة، وليست مجرد لغة تراثية قديمة تمثل وعاء لحضارة سابقة أَفُل نجمها، ولم تعد تقدم للعالم شيئًا، ولاسيما على المستوى التقني وتطوراته المتلاحقة!!

لقد أراد الله تعالى أن تختلف ألسنة البشر لتحقيق التنوع والتعارف، وجلب المنافع والمصالح. وهذا الاختلاف هو آية من آيات الله -عز وجل-. وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [سورة الروم: 22]. وعن طريق اللغة تستطيع الجماعات أن تتفاهم وتتفاعل مع بعضها اجتماعيًّا وثقافيًّا، ويتمكن الناس من التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم وانفعالاتهم المختلفة. و(مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) سيكون رابطًا حضاريًّا وفكريًّا جامعًا بين أبناء الأمة العربية وبقية شعوب العالم؛ ومن هنا فسوف يكون له قيمة ومكانة عالية في الساحة الثقافية العربية عبر خدمة اللغة العربية، ونشرها، وتيسير استخدامها، ولاسيما بين الشباب، والحفاظ عليها كلغة حية قادرة على مواكبة منجزات العصر، وتمتلك آلية فعالة للتعامل الإنساني بين البشر. وهذا الهدف سوف يمثل - في الواقع - قيمة مضافة لـ(مجمع الملك سلمان)، تميزه عن بقية المجامع اللغوية الأخرى؛ لأنه يكتسب أهميته من أهمية اللغة في حد ذاتها، ثم من أهمية المملكة العربية السعودية ومكانتها وموقعها المتميز بين الشعوب العربية والإسلامية، وقدرتها على ترسيخ اللغة العربية والتمكين لها؛ لأنها رمز لهويتنا وثقافتنا العريقة.

وكما نعلم، فإن القرآن الكريم هو العامل الأساسي في حفظ اللغة العربية وانتشارها؛ إذ انتشرت مع إقبال الناس على اعتناق الإسلام في بقاع الأرض. وعندما اتسعت الحضارة العربية الإسلامية ونمت استوعبت اللغة العربية معارف الأمم السابقة من خلال حركة الترجمة التي تمت في عصر الدولة العباسية، وانصهرت في الثقافة العربية الأصيلة. وتمكنت الأمة العربية الإسلامية من إبداع نموذجها الحضاري باللغة العربية التي سادت وهيمنت على البشر آنذاك؛ إذ كانت لغة العلم والتقدم والتحضر والازدهار، ولم تقتصر على النحو واللغة والبلاغة والشعر والأدب وحسب، كما لم تكتفِ بأن تكون لغة علوم القرآن الكريم والسنة المطهرة والفقه والتفسير وحسب، بل كانت لغة علوم الطب والفلك والهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها؛ وهذا يؤكد ويبرهن على أهمية اللغة العربية، وقدرتها على التأثير العالمي كما كان لها تأثير كبير في تاريخ العالم من قبل.

ويعد (مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية) إحدى أبرز مبادرات الاستراتيجية الوطنية لوزارة الثقافة، ويعكس حجم الدعم الكبير الذي تلقاه الثقافة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله -، كما يعدُّ أحد أبرز المشاريع الثقافية الواعدة التي تتبناها وزارة الثقافة بقيادة صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، هذا الوزير الشاب الذي نقل الثقافة السعودية نقلة نوعية بما يتمتع به من همة عالية، وأُفق ثقافي واسع.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020