متطفلو الإعلام!

إذا كنت تبحث عن عمل فيه الكثير من الأمان الوظيفي فعليك التوجُّه إلى القطاع العام، ولكن قبل ذلك يجب أن تتحلى بالصبر ريثما تجد وظيفة شاغرة هناك. أما إذا كنت ممن لا يتصفون بالصبر فليس أمامك إذن سوى القطاع الخاص الذي تتوافر فيه ـ قدر الإمكان ـ الوظائف. أما إذا كنت تبحث عن الوظيفة الأسرع مع بعض الشهرة القابلة للنمو مستقبلاً فليس مطلوبًا منك أن تذهب هنا أو هناك، ومن الممكن وأنت جالس في بيتك أو أي مكان في العالم أن تفتح لك حسابًا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وتعرّف نفسك بأنك الإعلامي "فلان بن فلان".. وكن مطمئنًا؛ لن يتهمك أحد بانتحال شخصيات كما يحصل مع الطبيب والمهندس ورجل الأمن وغيرهم؛ لأن هذا اللقب متاحٌ للجميع دون أدنى مسؤولية قانونية أو أدبية على صاحبه.. نعم هذه هي الحقيقة بالتمام والكمال.. في غالبية الدول المجاورة والبعيدة لا يعمل في مجال الإعلام إلا خريجو كليات الإعلام بعد تعيينهم في مؤسسات صحفية، ويخضعون للتدريب المكثف، والتدريب الميداني المستمر، قبل أن ترى أسماؤهم النور على صدر الصحف التي يعملون فيها. وقد لا يتطلب الأمر أن يكون الإعلامي خريج كلية الإعلام إذا كانت لديه الموهبة الفذة التي تجعل منه صحفيًّا مميزًا.

وفي السعودية تبدو الصورة مغايرة؛ فبإمكانك أن تعمل صحفيًّا بكل يسر وسهولة، وإن لم تكن حاصلاً على شهادة إعلام، أو شهادة جامعية، وليس شرطًا أن تكون من منسوبي صحيفة أو مؤسسة إعلامية. وهنا لا أقول إلا "الله يستر".

الدور الذي يقوم به الإعلامي في أي بلد متطور لا يقل أهمية وخطورة عن الدور الذي يقوم به الطبيب والمهندس ورجل الأمن، بل أحيانًا يفوقهم أهمية وخطورة، ليس لسبب سوى أن الإعلامي يشكل هوية ثقافة المجتمع، ويعكس اهتمامات أفراده، بما ينقله من أخبار وتغطيات إعلامية، ينبغي أن تتمتع بالمصداقية. يُضاف إلى ذلك أن الكلمة أمانة ومسؤولية، لا يقدِّر قيمتها وخطورتها إلا الإعلامي المتمرس، الذي يعي تأثيرها إذا خرجت منه للمجتمع دون مسؤولية أو إحساس مهني بانعكاساتها على المجتمع.

في الزمن المزدهر للصحافة الورقية امتلأت الصحف السعودية بكوكبة من الصحفيين السعوديين الهواة والمحترفين. هؤلاء تمرسوا على العمل الإعلامي الجاد، وباتوا يشكلون جيلاً "استثنائيًّا" قدم محتوى رزينًا. هذا الجيل يتعرض للذوبان اليوم مع تراجع الإقبال على الصحف الورقية، ومع كثرة المواقع الإخبارية.

واليوم يخرج علينا جيل آخر، يدعي أنهم الإعلاميون الرقميون الجدد، من خلال حسابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتسلحون بعدد لا بأس به من المتابعين. معظم هؤلاء بلا تاريخ إعلامي أو مؤهلات علمية أو خبرات، وأرى أن وجودهم بهذه العلنية على الساحة أمر مقلق ومُضرٌّ.

حان الوقت لإنقاذ الإعلام السعودي من المتطفلين وقليلي الخبرة ومتصنعي الوجاهة الإعلامية. هؤلاء إن تُرك لهم الحبل على الغارب دون مراقبة وحساب فسيكونون معول هدم لمهنة الإعلام. وأدعو إلى تجريم من يدعون أنهم إعلاميون دون إثبات رسمي يؤكد ذلك؛ فهؤلاء خطر يستفحل يومًا بعد آخر، ولا بد من وقفه، وإلا كانت العواقب وخيمة.

ماجد البريكان

2

16 نوفمبر 2020 - 1 ربيع الآخر 1442 11:16 PM

متطفلو الإعلام!

ماجد البريكان - الرياض
0 361

إذا كنت تبحث عن عمل فيه الكثير من الأمان الوظيفي فعليك التوجُّه إلى القطاع العام، ولكن قبل ذلك يجب أن تتحلى بالصبر ريثما تجد وظيفة شاغرة هناك. أما إذا كنت ممن لا يتصفون بالصبر فليس أمامك إذن سوى القطاع الخاص الذي تتوافر فيه ـ قدر الإمكان ـ الوظائف. أما إذا كنت تبحث عن الوظيفة الأسرع مع بعض الشهرة القابلة للنمو مستقبلاً فليس مطلوبًا منك أن تذهب هنا أو هناك، ومن الممكن وأنت جالس في بيتك أو أي مكان في العالم أن تفتح لك حسابًا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وتعرّف نفسك بأنك الإعلامي "فلان بن فلان".. وكن مطمئنًا؛ لن يتهمك أحد بانتحال شخصيات كما يحصل مع الطبيب والمهندس ورجل الأمن وغيرهم؛ لأن هذا اللقب متاحٌ للجميع دون أدنى مسؤولية قانونية أو أدبية على صاحبه.. نعم هذه هي الحقيقة بالتمام والكمال.. في غالبية الدول المجاورة والبعيدة لا يعمل في مجال الإعلام إلا خريجو كليات الإعلام بعد تعيينهم في مؤسسات صحفية، ويخضعون للتدريب المكثف، والتدريب الميداني المستمر، قبل أن ترى أسماؤهم النور على صدر الصحف التي يعملون فيها. وقد لا يتطلب الأمر أن يكون الإعلامي خريج كلية الإعلام إذا كانت لديه الموهبة الفذة التي تجعل منه صحفيًّا مميزًا.

وفي السعودية تبدو الصورة مغايرة؛ فبإمكانك أن تعمل صحفيًّا بكل يسر وسهولة، وإن لم تكن حاصلاً على شهادة إعلام، أو شهادة جامعية، وليس شرطًا أن تكون من منسوبي صحيفة أو مؤسسة إعلامية. وهنا لا أقول إلا "الله يستر".

الدور الذي يقوم به الإعلامي في أي بلد متطور لا يقل أهمية وخطورة عن الدور الذي يقوم به الطبيب والمهندس ورجل الأمن، بل أحيانًا يفوقهم أهمية وخطورة، ليس لسبب سوى أن الإعلامي يشكل هوية ثقافة المجتمع، ويعكس اهتمامات أفراده، بما ينقله من أخبار وتغطيات إعلامية، ينبغي أن تتمتع بالمصداقية. يُضاف إلى ذلك أن الكلمة أمانة ومسؤولية، لا يقدِّر قيمتها وخطورتها إلا الإعلامي المتمرس، الذي يعي تأثيرها إذا خرجت منه للمجتمع دون مسؤولية أو إحساس مهني بانعكاساتها على المجتمع.

في الزمن المزدهر للصحافة الورقية امتلأت الصحف السعودية بكوكبة من الصحفيين السعوديين الهواة والمحترفين. هؤلاء تمرسوا على العمل الإعلامي الجاد، وباتوا يشكلون جيلاً "استثنائيًّا" قدم محتوى رزينًا. هذا الجيل يتعرض للذوبان اليوم مع تراجع الإقبال على الصحف الورقية، ومع كثرة المواقع الإخبارية.

واليوم يخرج علينا جيل آخر، يدعي أنهم الإعلاميون الرقميون الجدد، من خلال حسابات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتسلحون بعدد لا بأس به من المتابعين. معظم هؤلاء بلا تاريخ إعلامي أو مؤهلات علمية أو خبرات، وأرى أن وجودهم بهذه العلنية على الساحة أمر مقلق ومُضرٌّ.

حان الوقت لإنقاذ الإعلام السعودي من المتطفلين وقليلي الخبرة ومتصنعي الوجاهة الإعلامية. هؤلاء إن تُرك لهم الحبل على الغارب دون مراقبة وحساب فسيكونون معول هدم لمهنة الإعلام. وأدعو إلى تجريم من يدعون أنهم إعلاميون دون إثبات رسمي يؤكد ذلك؛ فهؤلاء خطر يستفحل يومًا بعد آخر، ولا بد من وقفه، وإلا كانت العواقب وخيمة.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020