عقيدة الطفل في الزمن الصعب

في زمن كثرت فيه الوقائع والصنائع والبدائع، وتغيرت فيه مفاهيم كثيرة، وتبدلت فيه القيم؛ وجب علينا توعية أطفالنا بعقيدتهم وأمور دينهم؛ فقضية محورية كتلك يجب ألا تُترك عشوائية أو تلقائية أو منسية.

نحن كمربين ووالدين، مسؤوليتنا أن نغرس المفاهيم الإيمانية والعقائدية بكل لطف وحب وذكاء؛ حتى تزرع في أعماق ذلك الطفل؛ فينشأ ثابتاً راسخاً معتزاً بدينه بوعي وتوازن.

ومن الصعب أن يحدث ذلك دون علاقة ودية إيجابية يسودها ضحك وأوقات لعب واحتواء وتفهم، خاليةً من أي تعنيف أو قسوة قبل أي شيء.

قلوب البشر بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وما نحن سوى ضعفاء لا حول لنا ولا قوة؛ ولكن رجاءنا الوحيد هو أن تشملنا رحمة من عنده تثبتنا في حياتنا وبعد مماتنا.

والطفل إن نشأ هزيلاً في المحتوى الديني، مشككاً في إسلامه، فقير المعلومات بمنهج دينه، بعيداً عن تطبيق سنة نبيه؛ أي ثبات نأمل منه عندما يغدو رجلاً في زمن صار الثبات للصالحين والعارفين أصعب؛ فما بالك بالخاوين من الداخل والممتلئين بكل شيء سوى معرفة ربهم ودينهم وسنة نبيهم.

فضاء رحب يطلق ما شاء من سموم فكرية ومعتقدات خاطئة، بغلاف إعلامي فكاهي ترفيهي جاذب، مع احتواء منابر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، على مشاهير خدعوا أنفسهم قبل غيرهم، يعملون لمصالح تسويقية أو سياسية أو طائفية غير معلنة تدس السم ونحن نضحك.

والضحية عقول ناشئة خاوية امتلكت أجهزةً حديثة ورقابة والدية ضعيفة؛ فتشاهد كل ما تريد، دون فلترة أو توعية؛ فتتبرمج وتقلد، ثم تجنح على مجتمعها أو حياتها فجأًة ونستنكر كيف حدث ذلك.

يؤتى الحذر من مأمنه؛ فقد خافوا على أطفالهم من النقص بعدم امتلاك الأجهزة الحديثة كمن حولهم، ولم يعلموا أنها بوابة النخر في أخلاقهم وسلوكياتهم وعقولهم بل وعقيدتهم.

مناهج الدين اختصرت، والمدارس العالمية انتشرت، وأهداف المربين تقلصت، والقدوات الصالحة همشت؛ في ظل انفتاح رهيب وفتن كقطع الليل المظلم..

وبين ذلك وذاك أتساءل.. كيف سيكون مصير عقيدة أطفالنا وشبابنا؟!

إنهم بحاجة ماسة لمنهج رباني يقودهم في هذه الحياة المتقلبة قبل أي منهج دولي أو عالمي، منهج يخالج النفس ويتشرب داخل الوجدان بنشوة الطمأنينة الربانية، التي لا سبيل لترنو إليها الروح إلا بذكر ربها {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

وإن تفسير معانٍ إيمانية ضخمة كتلك لطفل صغير؛ إنما هي مهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة؛ ولكن عندما يراها الطفل في والديه عياناً ويلمس أثرها في سلوكهم وتعاملهم وتصرفاتهم سيتشربها مع الوقت؛ لا سيما إذا كانت من مربّ محب متفهم وقريب من قلب الطفل؛ فعندما يستشعرها الطفل ويتذوقها ثم يشار إليها في الموقف ذاته؛ فنستوقف اللحظة لنغرس ذاك الشعور، ونثبته في روح ذاك الطفل العطشى للارتياح والنور والهداية؛ هنا يصبح الأمر أسهل وأجدى نفعاً وذا معنى ملموس عند الطفل.

فعندما تجلس مع طفل في أمسية هادئة تقرؤون الأذكار في لحظة وجدانية غامرة بالأنس، وتضع يديك على قلبه وتدعو له بالثبات؛ فترتسم على محياه ابتسامة دفء إثر طيف طمأنينة خالج فؤاده، أو عندما يعود ابنك من صلاة الجمعة مثلاً، وقد ارتسم على محياه بِشر الطاعة ونور العبادة، في تلك اللحظات تستثمر المعاني وتستدرك القيم حتى تغرس، فتقول: "شفت كيف قلبك مرتاح الحين؟ هذي اسمها طمأنينة"، "حسيتي بقلبك الحين كيف سعيد؟! هذا لأنك أسعدتيه بالصلاة".

ثم تدلج في شرح موجز عن ماهية الطمأنينة وكيف أنه شعور يفوق السعادة راحة، وأنه لا سبيل إليها سوى بتلك الدقائق المعدودة في ترديد أذكار بقلب حاضر وعقل ناظر، أو بوقت مستقطع من مرحه اليومي لإقامة صلاة، وكيف أنها سعادة لا تنطفئ ووقود لا يبلى، ومخزون روحي لا حياة هانئةً لنا بدونه؛ مهما كثر الترفيه وانتشرت المغريات وتفنن البشر في الملهيات؛ فلا ذاك ولا تلك ستغذي الروح؛ بل ستزيدها عطشاً وبؤساً.

إنه سمو الروح ورقيها عندما يكون لها لحظات سكون مع خالقها، وتواصل رباني ممتزج بالطهر والتجلي.

ومع زحمة الحياة وتجدد المطالب والمسؤوليات، نلهث ولا نصل لنهاية مبتغانا، وننسى أن نقف ونتمعن في كل ذلك، في سبب وجودنا في هذه الحياة أصلاً، في راحتنا الحقيقة وأغوار ذاتنا العطشى للتفكر والتجلي، والاستقاء من روح خالقها؛ لنصبح بعدها قادرين على منح أطفالنا بعضاً من تلك المعاني الفريدة، حتى لا ينشؤوا خاوين من الداخل، بأرواح هشة قابلة للكسر عند أدنى خدش أو أقرب منعطف!

إن حب الله سبحانه وتعالى، واستشعار فضله وإحسانه، معانٍ أساسية من المهم أن يعرفها الطفل قبل أن يسمع عن عقابه وغضبه وناره؛ فلا يخوف الطفل من النار، ولا يرهب قلبه الصغير من خالقه بل العكس، يجب أن نتصيد المواقف التي أحاطتنا فيها رعاية الله وحفظه، وأغرقتنا نعمه ولطفه لنذكر ذلك، ونعدد تلك الفضائل في مسمع أطفالنا فيدركون معاني رحمته وعطفه سبحانه جيداً.

فالطفل لا يفهم المجرد؛ ولكنه يفهم الملموس والمحسوس؛ فإن هو أحس سيفهم ثم يدرك ثم تغرس القيمة التي نريد.

ولا شك أن تلك المعاني السامية والحقن الأساسية لحياة هانئة مطمئنة؛ لن تغرس إلا بمرب واعٍ حَذِقٍ ومُدرك.

وإن هي نُسيت وتركت أو أهملت وهمشت، أخشى على ذلك الطفل من الضياع وسهولة الانقياد للهوى، والتخبط بلا مبادئ والوقوع في الاكتئاب أو الانحراف أو التعاسة بكل بساطة أو حتى الانجراف لتيارات الإلحاد والفتن.

فما بالكم إذا اقترن ذلك بسوء معاملة والديه أو ضعف تنشئة أسرية؟ فالخطر إذن سيكون وشيكاً جداً.

فكما نهتم بغذاء الطفل الجيد من مكملات وفيتامينات وأغذية عضوية ووجبات متكاملة صحية؛ كان أحرى أن نهتم بغذاء تلك الروح الصغيرة حتى تكبر راسخةً في العلم ثابتة الخطى مؤثرة في الأفق، وسعيدة في الحاضر.

حفظ الله ذرياتنا، وثبّتهم على طريق الصواب والهداية.

36

16 يناير 2019 - 10 جمادى الأول 1440 01:29 PM

عقيدة الطفل في الزمن الصعب

مها عبدالله الحقباني - الرياض
1 2,426

في زمن كثرت فيه الوقائع والصنائع والبدائع، وتغيرت فيه مفاهيم كثيرة، وتبدلت فيه القيم؛ وجب علينا توعية أطفالنا بعقيدتهم وأمور دينهم؛ فقضية محورية كتلك يجب ألا تُترك عشوائية أو تلقائية أو منسية.

نحن كمربين ووالدين، مسؤوليتنا أن نغرس المفاهيم الإيمانية والعقائدية بكل لطف وحب وذكاء؛ حتى تزرع في أعماق ذلك الطفل؛ فينشأ ثابتاً راسخاً معتزاً بدينه بوعي وتوازن.

ومن الصعب أن يحدث ذلك دون علاقة ودية إيجابية يسودها ضحك وأوقات لعب واحتواء وتفهم، خاليةً من أي تعنيف أو قسوة قبل أي شيء.

قلوب البشر بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وما نحن سوى ضعفاء لا حول لنا ولا قوة؛ ولكن رجاءنا الوحيد هو أن تشملنا رحمة من عنده تثبتنا في حياتنا وبعد مماتنا.

والطفل إن نشأ هزيلاً في المحتوى الديني، مشككاً في إسلامه، فقير المعلومات بمنهج دينه، بعيداً عن تطبيق سنة نبيه؛ أي ثبات نأمل منه عندما يغدو رجلاً في زمن صار الثبات للصالحين والعارفين أصعب؛ فما بالك بالخاوين من الداخل والممتلئين بكل شيء سوى معرفة ربهم ودينهم وسنة نبيهم.

فضاء رحب يطلق ما شاء من سموم فكرية ومعتقدات خاطئة، بغلاف إعلامي فكاهي ترفيهي جاذب، مع احتواء منابر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، على مشاهير خدعوا أنفسهم قبل غيرهم، يعملون لمصالح تسويقية أو سياسية أو طائفية غير معلنة تدس السم ونحن نضحك.

والضحية عقول ناشئة خاوية امتلكت أجهزةً حديثة ورقابة والدية ضعيفة؛ فتشاهد كل ما تريد، دون فلترة أو توعية؛ فتتبرمج وتقلد، ثم تجنح على مجتمعها أو حياتها فجأًة ونستنكر كيف حدث ذلك.

يؤتى الحذر من مأمنه؛ فقد خافوا على أطفالهم من النقص بعدم امتلاك الأجهزة الحديثة كمن حولهم، ولم يعلموا أنها بوابة النخر في أخلاقهم وسلوكياتهم وعقولهم بل وعقيدتهم.

مناهج الدين اختصرت، والمدارس العالمية انتشرت، وأهداف المربين تقلصت، والقدوات الصالحة همشت؛ في ظل انفتاح رهيب وفتن كقطع الليل المظلم..

وبين ذلك وذاك أتساءل.. كيف سيكون مصير عقيدة أطفالنا وشبابنا؟!

إنهم بحاجة ماسة لمنهج رباني يقودهم في هذه الحياة المتقلبة قبل أي منهج دولي أو عالمي، منهج يخالج النفس ويتشرب داخل الوجدان بنشوة الطمأنينة الربانية، التي لا سبيل لترنو إليها الروح إلا بذكر ربها {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

وإن تفسير معانٍ إيمانية ضخمة كتلك لطفل صغير؛ إنما هي مهمة صعبة وتكاد تكون مستحيلة؛ ولكن عندما يراها الطفل في والديه عياناً ويلمس أثرها في سلوكهم وتعاملهم وتصرفاتهم سيتشربها مع الوقت؛ لا سيما إذا كانت من مربّ محب متفهم وقريب من قلب الطفل؛ فعندما يستشعرها الطفل ويتذوقها ثم يشار إليها في الموقف ذاته؛ فنستوقف اللحظة لنغرس ذاك الشعور، ونثبته في روح ذاك الطفل العطشى للارتياح والنور والهداية؛ هنا يصبح الأمر أسهل وأجدى نفعاً وذا معنى ملموس عند الطفل.

فعندما تجلس مع طفل في أمسية هادئة تقرؤون الأذكار في لحظة وجدانية غامرة بالأنس، وتضع يديك على قلبه وتدعو له بالثبات؛ فترتسم على محياه ابتسامة دفء إثر طيف طمأنينة خالج فؤاده، أو عندما يعود ابنك من صلاة الجمعة مثلاً، وقد ارتسم على محياه بِشر الطاعة ونور العبادة، في تلك اللحظات تستثمر المعاني وتستدرك القيم حتى تغرس، فتقول: "شفت كيف قلبك مرتاح الحين؟ هذي اسمها طمأنينة"، "حسيتي بقلبك الحين كيف سعيد؟! هذا لأنك أسعدتيه بالصلاة".

ثم تدلج في شرح موجز عن ماهية الطمأنينة وكيف أنه شعور يفوق السعادة راحة، وأنه لا سبيل إليها سوى بتلك الدقائق المعدودة في ترديد أذكار بقلب حاضر وعقل ناظر، أو بوقت مستقطع من مرحه اليومي لإقامة صلاة، وكيف أنها سعادة لا تنطفئ ووقود لا يبلى، ومخزون روحي لا حياة هانئةً لنا بدونه؛ مهما كثر الترفيه وانتشرت المغريات وتفنن البشر في الملهيات؛ فلا ذاك ولا تلك ستغذي الروح؛ بل ستزيدها عطشاً وبؤساً.

إنه سمو الروح ورقيها عندما يكون لها لحظات سكون مع خالقها، وتواصل رباني ممتزج بالطهر والتجلي.

ومع زحمة الحياة وتجدد المطالب والمسؤوليات، نلهث ولا نصل لنهاية مبتغانا، وننسى أن نقف ونتمعن في كل ذلك، في سبب وجودنا في هذه الحياة أصلاً، في راحتنا الحقيقة وأغوار ذاتنا العطشى للتفكر والتجلي، والاستقاء من روح خالقها؛ لنصبح بعدها قادرين على منح أطفالنا بعضاً من تلك المعاني الفريدة، حتى لا ينشؤوا خاوين من الداخل، بأرواح هشة قابلة للكسر عند أدنى خدش أو أقرب منعطف!

إن حب الله سبحانه وتعالى، واستشعار فضله وإحسانه، معانٍ أساسية من المهم أن يعرفها الطفل قبل أن يسمع عن عقابه وغضبه وناره؛ فلا يخوف الطفل من النار، ولا يرهب قلبه الصغير من خالقه بل العكس، يجب أن نتصيد المواقف التي أحاطتنا فيها رعاية الله وحفظه، وأغرقتنا نعمه ولطفه لنذكر ذلك، ونعدد تلك الفضائل في مسمع أطفالنا فيدركون معاني رحمته وعطفه سبحانه جيداً.

فالطفل لا يفهم المجرد؛ ولكنه يفهم الملموس والمحسوس؛ فإن هو أحس سيفهم ثم يدرك ثم تغرس القيمة التي نريد.

ولا شك أن تلك المعاني السامية والحقن الأساسية لحياة هانئة مطمئنة؛ لن تغرس إلا بمرب واعٍ حَذِقٍ ومُدرك.

وإن هي نُسيت وتركت أو أهملت وهمشت، أخشى على ذلك الطفل من الضياع وسهولة الانقياد للهوى، والتخبط بلا مبادئ والوقوع في الاكتئاب أو الانحراف أو التعاسة بكل بساطة أو حتى الانجراف لتيارات الإلحاد والفتن.

فما بالكم إذا اقترن ذلك بسوء معاملة والديه أو ضعف تنشئة أسرية؟ فالخطر إذن سيكون وشيكاً جداً.

فكما نهتم بغذاء الطفل الجيد من مكملات وفيتامينات وأغذية عضوية ووجبات متكاملة صحية؛ كان أحرى أن نهتم بغذاء تلك الروح الصغيرة حتى تكبر راسخةً في العلم ثابتة الخطى مؤثرة في الأفق، وسعيدة في الحاضر.

حفظ الله ذرياتنا، وثبّتهم على طريق الصواب والهداية.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019