الإعلام الصحي والمتحور الجديد "أوميكرون".. تحدٍّ جديد

العالم اليوم حرفيًّا غارقٌ في بحر متلاطم من المعلومات والمواد الإعلامية، المتفجرة كالينابيع الكبريتية الحارة، بأشكال متنوعة، ومن مصادر مختلفة كالهواتف الذكية والتلفزيونات والإنترنت وغيرها من التقنيات التي تجلب المعلومات والأخبار وتضعها تحت أنظار أو أسماع الإنسان المعاصر على مدار الساعة.. وعلى الرغم من كل ذلك الطوفان؛ فإن شهية العالم ما زالت مفتوحة للمزيد والمزيد من المعلومات في مفارقة تبدو للوهلة الأولى غير منطقية بالمرة؛ فلماذا؟

هنا نحاول إزالة ما يمكن إزالته من هذا الالتباس بتسليط أضواء التحليل عليه. إن أهم الأسباب التي تجعل العالم الغارق في بحر المعلومات عطشًا للمزيد من المعلومات هو أهمية المعلومة، أو الإعلام الذي ثبت أنه له دورًا محوريًّا في النهضة المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم، خاصة بعد ثورة الاتصالات الحديثة التي جعلت الإعلام بشكله التقليدي أو الحديث سلاحًا ذا فعالية عالية ومتعدد الاستخدامات؛ فهو يوظف للدفاع عن مصالح الدول وإدارة الأزمات وتشكيل الرأي العام.. إلخ.

تنوع استخدامات الإعلام، وتواتر المستجدات المستمر بلا توقف؛ جعل إنسان هذا العصر بحاجة إلى المعلومات تمامًا، كما يحتاج إلى الهواء الذي يحيط به من جانب، لكنه يظل حاجة حيوية لا يمكنه الاستغناء عنها.

مع تزايد الطلب على المعلومات تناسلت أنواع وضروب مختلفة من "الإعلام" قد تصنف حسب الوسيلة التي تستخدمها لإيصال رسائلها إلى المستهدفين، أو حسب محتوى رسائلها مثل الإعلام، السياسي والاقتصادي والرياضي والتربوي؛ لكننا اليوم معنيون بالإعلام الصحي الذي زادت أهميته بشكل كبير مع تطور الرعاية الصحية وتشعب تخصصاتها، والتقدم التكنولوجي المهول الذي شهدته الأجهزة الطبية التشخيصية والعلاجية، إضافة إلى ظهور أمراض جديدة بعضها تحول إلى أزمات صحية عالمية كالجوائح الفيروسية "الإيدز والأيبولا، وأخيرًا كوفيد-19".

وقد لعب الإعلام الصحي دورًا مؤثرًا في عكس هذه المستجدات والتبشير بها بل شارك في صناعتها، كما شارك في مواجهة هذه الأزمات لا سيما جائحة كورونا، وساهم بفعالية عالية في دعم الخطط الرسمية لدرء الجائحة، بالإضافة للنشاط التوعوي والتثقيفي المميز الذي قام به؛ فإنه عكس كل الجهود التي تبذلها الحكومة لكبح جماح الجائحة، وساند كافة إجراءاتها الاحترازية والتحوطية، وأجاد القيام بدور حلقة الوصل بين الجهات الرسمية وبين أفراد المجتمع، وتوضيح طبيعة الإجراءات التي تتخذها هذه الجهات بكل شفافية، كما عملت كافة وسائل الإعلام الخاصة والرسمية بتناغم تام فيما بينها، وأبقت المجتمع على اتصال بكل المستجدات سواء كانت على مستوى الانتشار أو مستوى مستجدات البحوث والدراسات العلمية.. والآن يبدو أن الإعلام الصحي في تحدٍّ متجدد، مع ظهور المتحور الجديد لفيروس كورونا "أوميكرون"، الذي يثير قلق العالم حاليًا، ويمضي قدمًا ليكون السلالة المهيمنة مع السرعة الكبيرة التي ينتشر بها جغرافيًّا، ومع تزايد مضطرد لأعداد المصابين به؛ لكن الإعلام الصحي الذي أبلى بشكل متميز خلال العامين الماضيين، وأظهر مرونة كبيرة وقدرة على التكيف مع المستجدات؛ يدخل تحدي "أوميكرون" متسلحًا بالخبرة والكثير من المعرفة، ومصداقية عالية وسط المجتمعات، وكل هذه المعطيات تؤكد أنه سينتصر في هذا التحدي بإذن الله.

وبعيدًا عن "كورونا" ومتحوراته، ومن واقع تجربتنا في المملكة، ساهم الإعلام الصحي في تحسين نوعية حياة المجتمع من خلال نشر الوعي الصحي والوقائي، وكذلك في نشر الأخبار والمعلومات الصحية الصحيحة، وفي تغطية المؤتمرات العلمية، وعكس النجاحات الطبية التي حققها الأطباء في علاج الحالات المعقدة والنادرة والمنقذة للحياة بفضل الله، بالإضافة لبث عدد كبير ومتنوع من الرسائل الإعلامية الصحية المعدة باحترافية عالية للتوعية والتثقيف، والتحذير في المواضع التي تتطلب التحذير، كما أن رسائله التطمينية التي لا تكاد تنقطع والموجهة في كثير من الأحيان لنسف الأوهام التي تشيدها الأخبار الكاذبة والشائعات في عقول العامة.. وقد نجحت هذه الرسائل في تحقيق أهدافها؛ حيث وجدت صدًا وتجاوبًا كبيرًا، وتناقلها الناس بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي.

الإعلام الصحي أيضًا يجتهد كذلك لترسيخ أنماط الحياة الصحية، التي من شأنها تدعيم الجانب الصحي وتطوره مثل ممارسة الرياضة والتغذية الصحية والابتعاد عن العادات الضارة، ويكثف الإعلام الصحي هذا النوع من الرسائل أثناء مشاركاته المنتظمة في الأيام الصحية العالمية بأنشطة توعوية وتثقيفية مميزة مثل أيام السكري، وسرطان الثدي والقلب وألزهايمر، وغيرها.

لقد أثبت الإعلام الصحي أن دوره في حياتنا محوري، ولا غنى لنا عنه، ولا يمكن تصور قطاع صحي ذا فعالية بدون إعلام صحي فاعل، وذا قدرة على التأثير، وعلى إنتاج رسائل صحية مؤثرة، وإعداد ونقل الأخبار والتغريدات وغيرها بشكل مهني بعيدًا عن التهويل أو التهوين.

وإذا اتفقنا على أن أهمية الإعلام الصحي من أهمية الرعاية الصحية نفسها؛ فإننا بحاجة إلى تطوير هذا النوع من الإعلام، بتدريب الكوادر الإعلامية العاملة في هذا المجال؛ لتمكينهم من القيام بواجبهم المهني باحترافية، ولتوسيع نطاق عملهم ليشمل على سبيل المثال المساهمة في البحوث والمسوحات والدراسات الصحية.

عبدالعزيز الفريان

3

20 ديسمبر 2021 - 16 جمادى الأول 1443 12:29 PM

الإعلام الصحي والمتحور الجديد "أوميكرون".. تحدٍّ جديد

عبدالعزيز الفريان - الرياض
2 1,827

العالم اليوم حرفيًّا غارقٌ في بحر متلاطم من المعلومات والمواد الإعلامية، المتفجرة كالينابيع الكبريتية الحارة، بأشكال متنوعة، ومن مصادر مختلفة كالهواتف الذكية والتلفزيونات والإنترنت وغيرها من التقنيات التي تجلب المعلومات والأخبار وتضعها تحت أنظار أو أسماع الإنسان المعاصر على مدار الساعة.. وعلى الرغم من كل ذلك الطوفان؛ فإن شهية العالم ما زالت مفتوحة للمزيد والمزيد من المعلومات في مفارقة تبدو للوهلة الأولى غير منطقية بالمرة؛ فلماذا؟

هنا نحاول إزالة ما يمكن إزالته من هذا الالتباس بتسليط أضواء التحليل عليه. إن أهم الأسباب التي تجعل العالم الغارق في بحر المعلومات عطشًا للمزيد من المعلومات هو أهمية المعلومة، أو الإعلام الذي ثبت أنه له دورًا محوريًّا في النهضة المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم، خاصة بعد ثورة الاتصالات الحديثة التي جعلت الإعلام بشكله التقليدي أو الحديث سلاحًا ذا فعالية عالية ومتعدد الاستخدامات؛ فهو يوظف للدفاع عن مصالح الدول وإدارة الأزمات وتشكيل الرأي العام.. إلخ.

تنوع استخدامات الإعلام، وتواتر المستجدات المستمر بلا توقف؛ جعل إنسان هذا العصر بحاجة إلى المعلومات تمامًا، كما يحتاج إلى الهواء الذي يحيط به من جانب، لكنه يظل حاجة حيوية لا يمكنه الاستغناء عنها.

مع تزايد الطلب على المعلومات تناسلت أنواع وضروب مختلفة من "الإعلام" قد تصنف حسب الوسيلة التي تستخدمها لإيصال رسائلها إلى المستهدفين، أو حسب محتوى رسائلها مثل الإعلام، السياسي والاقتصادي والرياضي والتربوي؛ لكننا اليوم معنيون بالإعلام الصحي الذي زادت أهميته بشكل كبير مع تطور الرعاية الصحية وتشعب تخصصاتها، والتقدم التكنولوجي المهول الذي شهدته الأجهزة الطبية التشخيصية والعلاجية، إضافة إلى ظهور أمراض جديدة بعضها تحول إلى أزمات صحية عالمية كالجوائح الفيروسية "الإيدز والأيبولا، وأخيرًا كوفيد-19".

وقد لعب الإعلام الصحي دورًا مؤثرًا في عكس هذه المستجدات والتبشير بها بل شارك في صناعتها، كما شارك في مواجهة هذه الأزمات لا سيما جائحة كورونا، وساهم بفعالية عالية في دعم الخطط الرسمية لدرء الجائحة، بالإضافة للنشاط التوعوي والتثقيفي المميز الذي قام به؛ فإنه عكس كل الجهود التي تبذلها الحكومة لكبح جماح الجائحة، وساند كافة إجراءاتها الاحترازية والتحوطية، وأجاد القيام بدور حلقة الوصل بين الجهات الرسمية وبين أفراد المجتمع، وتوضيح طبيعة الإجراءات التي تتخذها هذه الجهات بكل شفافية، كما عملت كافة وسائل الإعلام الخاصة والرسمية بتناغم تام فيما بينها، وأبقت المجتمع على اتصال بكل المستجدات سواء كانت على مستوى الانتشار أو مستوى مستجدات البحوث والدراسات العلمية.. والآن يبدو أن الإعلام الصحي في تحدٍّ متجدد، مع ظهور المتحور الجديد لفيروس كورونا "أوميكرون"، الذي يثير قلق العالم حاليًا، ويمضي قدمًا ليكون السلالة المهيمنة مع السرعة الكبيرة التي ينتشر بها جغرافيًّا، ومع تزايد مضطرد لأعداد المصابين به؛ لكن الإعلام الصحي الذي أبلى بشكل متميز خلال العامين الماضيين، وأظهر مرونة كبيرة وقدرة على التكيف مع المستجدات؛ يدخل تحدي "أوميكرون" متسلحًا بالخبرة والكثير من المعرفة، ومصداقية عالية وسط المجتمعات، وكل هذه المعطيات تؤكد أنه سينتصر في هذا التحدي بإذن الله.

وبعيدًا عن "كورونا" ومتحوراته، ومن واقع تجربتنا في المملكة، ساهم الإعلام الصحي في تحسين نوعية حياة المجتمع من خلال نشر الوعي الصحي والوقائي، وكذلك في نشر الأخبار والمعلومات الصحية الصحيحة، وفي تغطية المؤتمرات العلمية، وعكس النجاحات الطبية التي حققها الأطباء في علاج الحالات المعقدة والنادرة والمنقذة للحياة بفضل الله، بالإضافة لبث عدد كبير ومتنوع من الرسائل الإعلامية الصحية المعدة باحترافية عالية للتوعية والتثقيف، والتحذير في المواضع التي تتطلب التحذير، كما أن رسائله التطمينية التي لا تكاد تنقطع والموجهة في كثير من الأحيان لنسف الأوهام التي تشيدها الأخبار الكاذبة والشائعات في عقول العامة.. وقد نجحت هذه الرسائل في تحقيق أهدافها؛ حيث وجدت صدًا وتجاوبًا كبيرًا، وتناقلها الناس بكثافة في وسائل التواصل الاجتماعي.

الإعلام الصحي أيضًا يجتهد كذلك لترسيخ أنماط الحياة الصحية، التي من شأنها تدعيم الجانب الصحي وتطوره مثل ممارسة الرياضة والتغذية الصحية والابتعاد عن العادات الضارة، ويكثف الإعلام الصحي هذا النوع من الرسائل أثناء مشاركاته المنتظمة في الأيام الصحية العالمية بأنشطة توعوية وتثقيفية مميزة مثل أيام السكري، وسرطان الثدي والقلب وألزهايمر، وغيرها.

لقد أثبت الإعلام الصحي أن دوره في حياتنا محوري، ولا غنى لنا عنه، ولا يمكن تصور قطاع صحي ذا فعالية بدون إعلام صحي فاعل، وذا قدرة على التأثير، وعلى إنتاج رسائل صحية مؤثرة، وإعداد ونقل الأخبار والتغريدات وغيرها بشكل مهني بعيدًا عن التهويل أو التهوين.

وإذا اتفقنا على أن أهمية الإعلام الصحي من أهمية الرعاية الصحية نفسها؛ فإننا بحاجة إلى تطوير هذا النوع من الإعلام، بتدريب الكوادر الإعلامية العاملة في هذا المجال؛ لتمكينهم من القيام بواجبهم المهني باحترافية، ولتوسيع نطاق عملهم ليشمل على سبيل المثال المساهمة في البحوث والمسوحات والدراسات الصحية.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2022