مقاطعة قطر بين الفطنة والفتنة!

بالتأكيد، إن الجماهير لا عقل لها ولا رؤية.. تهوي مع العواطف الساذجة السطحية، وتطير مع الأصوات العالية، حتى تتداخل وتمتزج تلك الأصوات؛ فيغيب رأي وفكر الفرد وعقله "اللاواعي"، ثم يتماهى مع التفكير الجمعي البهيم؛ فتُسلب استقلالية الشخص من حيث يعلم ولا يعلم، وكأنه تجنيد فكري إن صحت التسمية.

وهو ما ذكره جوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع في كتابه "سيكولوجية الجماهير" عام 1895م، بعد ما يقارب المئة عام على قيام الثورة الفرنسية، وما أعقبها من انتكاسات؛ إذ يشير لوبون إلى أن هذه العقلية اللاواعية قد تجر إلى تصرفات همجية ووحشية أو بدائية، لا تراعي ما وصلت إليه الإنسانية من تقدُّم ورقي أخلاقي؛ الأمر الذي يعيد المجتمع البشري إلى تاريخه الأول في العداوة والانتقام من نفسه بغير مرجع أخلاقي أو قانوني. وفي المقابل، يواجه فكر النخبة المستقل الواعي سيلاً من الانتقاد الحاد الصلف الذي يتعدى الذوق والأدب، ويمتد إلى قائد تلك الجماهير بالنقد والتشويش والافتئات أحيانًا.

كما تظهر حالة نفسية لدى الجماهير، خاصة الثورية، أو التي في حالة غليان اجتماعي، وهي حالة الترقب والاستعداد في التلقي؛ فيتم قبول كثير من الأفكار، وتمرير العديد من الرسائل الملغومة؛ وهو تفسير لانتشار الشائعات والأكاذيب في مثل هذه الأحوال.

وبعيدًا عن التحليلات السياسية لثورات تغيير الأنظمة الحاكمة.. نكتفي بتأمل نتائج ثورات ظاهرة اليوم.. سواء في مصر أو اليمن أو ليبيا أو الشام - أعاد الله لهم الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان - حين حل بها الدمار؛ بسبب الثورات البئيسة! حتى تسببت بالقتل والتشريد والتعذيب والانهيار الاقتصادي والأخلاقي والسياسي!! والهدم ليس كالبناء.

ولننظر أيضًا إلى ثورات أوروبا حين أدت إلى الحربَين العالميتَين الأولى والثانية! فقُتل فيهما عشرات الملايين من البشر، وفي النهاية يتفقون على المصلحة والعيش والمصير الواحد.

"دولة قطر" ظهر للجميع تآمرها على بلادنا بالأدلة، حين جعلت من نفسها حاضنة ومغذية للفكر الثوري الإرهابي، مع ضيق النظر السياسي، والانكفاء على النفس، والتوهم بالعظمة، والتيه بين رؤية الواقع وواقع الرؤية! والتقوقع مع فكر الجماعة، وإقصاء أشقائهم في الخليج حيث التعايش والعيش المشترك!! والابتعاد عن القيم الأخلاقية في العلاقات الدولية والإعلام، وضبابية الرأي والممارسة، والعلاقات السياسية المزدوجة المبهمة، وغير ذلك.

قرار الدول الثلاث الخليجية بمقاطعة دولة قطر قرار سيادي فطن لإبعاد الفتن، بُني على اعتبار لمآلات متوقعة أو ممكنة أو محتملة. وتقدير القرار ليس لأفراد العامة، إنما للساسة المستشرفين للمستقبل؛ إذ يملكون المعلومة التي تفتقدها الجماهير.

وهنا يجب أن ندرك أن مصالح قادة الدول في بقائها، واستمرار قوتها، وسؤددها.. وأمن مواطنيها مرهون بسياسة وقرارات قياداتها، وهم أحرص على ذلك من أفرادها، وإن لم يظهر للأفراد أسباب القرارات.

والمقاطعة سد ذرائع قد يدخل بها العدو لمجتمعنا فيهلكه، والضرر يزال، وارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن من أحدهما بد.. فإن رأى ولي الأمر ضررًا مداهمًا أو محدقًا فله ما يراه من مصلحة مستقبلية، وعلينا السمع والطاعة والتسليم؛ فإن رأي الحاكم يرفع الخلاف، وتنتفي به الفتنة.

ولا بد أن نعلم أن بلادنا السعودية مستهدفة في دينها وأمنها وتماسكها مع قادتها، وقد حفظها الله تعالى من أعدائها فـ{كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله}. ومصير عقلاء قطر أن يعودوا بها إلى حضنها وعمقها الآمن (دول الخليج العربي)، بعد أن تنفي خبثها -بإذن الله-.

خالد الشبانة

6

16 يونيو 2017 - 21 رمضان 1438 10:41 PM

مقاطعة قطر بين الفطنة والفتنة!

خالد الشبانة - الرياض
2 1,405

بالتأكيد، إن الجماهير لا عقل لها ولا رؤية.. تهوي مع العواطف الساذجة السطحية، وتطير مع الأصوات العالية، حتى تتداخل وتمتزج تلك الأصوات؛ فيغيب رأي وفكر الفرد وعقله "اللاواعي"، ثم يتماهى مع التفكير الجمعي البهيم؛ فتُسلب استقلالية الشخص من حيث يعلم ولا يعلم، وكأنه تجنيد فكري إن صحت التسمية.

وهو ما ذكره جوستاف لوبون المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع في كتابه "سيكولوجية الجماهير" عام 1895م، بعد ما يقارب المئة عام على قيام الثورة الفرنسية، وما أعقبها من انتكاسات؛ إذ يشير لوبون إلى أن هذه العقلية اللاواعية قد تجر إلى تصرفات همجية ووحشية أو بدائية، لا تراعي ما وصلت إليه الإنسانية من تقدُّم ورقي أخلاقي؛ الأمر الذي يعيد المجتمع البشري إلى تاريخه الأول في العداوة والانتقام من نفسه بغير مرجع أخلاقي أو قانوني. وفي المقابل، يواجه فكر النخبة المستقل الواعي سيلاً من الانتقاد الحاد الصلف الذي يتعدى الذوق والأدب، ويمتد إلى قائد تلك الجماهير بالنقد والتشويش والافتئات أحيانًا.

كما تظهر حالة نفسية لدى الجماهير، خاصة الثورية، أو التي في حالة غليان اجتماعي، وهي حالة الترقب والاستعداد في التلقي؛ فيتم قبول كثير من الأفكار، وتمرير العديد من الرسائل الملغومة؛ وهو تفسير لانتشار الشائعات والأكاذيب في مثل هذه الأحوال.

وبعيدًا عن التحليلات السياسية لثورات تغيير الأنظمة الحاكمة.. نكتفي بتأمل نتائج ثورات ظاهرة اليوم.. سواء في مصر أو اليمن أو ليبيا أو الشام - أعاد الله لهم الأمن والأمان والاستقرار والاطمئنان - حين حل بها الدمار؛ بسبب الثورات البئيسة! حتى تسببت بالقتل والتشريد والتعذيب والانهيار الاقتصادي والأخلاقي والسياسي!! والهدم ليس كالبناء.

ولننظر أيضًا إلى ثورات أوروبا حين أدت إلى الحربَين العالميتَين الأولى والثانية! فقُتل فيهما عشرات الملايين من البشر، وفي النهاية يتفقون على المصلحة والعيش والمصير الواحد.

"دولة قطر" ظهر للجميع تآمرها على بلادنا بالأدلة، حين جعلت من نفسها حاضنة ومغذية للفكر الثوري الإرهابي، مع ضيق النظر السياسي، والانكفاء على النفس، والتوهم بالعظمة، والتيه بين رؤية الواقع وواقع الرؤية! والتقوقع مع فكر الجماعة، وإقصاء أشقائهم في الخليج حيث التعايش والعيش المشترك!! والابتعاد عن القيم الأخلاقية في العلاقات الدولية والإعلام، وضبابية الرأي والممارسة، والعلاقات السياسية المزدوجة المبهمة، وغير ذلك.

قرار الدول الثلاث الخليجية بمقاطعة دولة قطر قرار سيادي فطن لإبعاد الفتن، بُني على اعتبار لمآلات متوقعة أو ممكنة أو محتملة. وتقدير القرار ليس لأفراد العامة، إنما للساسة المستشرفين للمستقبل؛ إذ يملكون المعلومة التي تفتقدها الجماهير.

وهنا يجب أن ندرك أن مصالح قادة الدول في بقائها، واستمرار قوتها، وسؤددها.. وأمن مواطنيها مرهون بسياسة وقرارات قياداتها، وهم أحرص على ذلك من أفرادها، وإن لم يظهر للأفراد أسباب القرارات.

والمقاطعة سد ذرائع قد يدخل بها العدو لمجتمعنا فيهلكه، والضرر يزال، وارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن من أحدهما بد.. فإن رأى ولي الأمر ضررًا مداهمًا أو محدقًا فله ما يراه من مصلحة مستقبلية، وعلينا السمع والطاعة والتسليم؛ فإن رأي الحاكم يرفع الخلاف، وتنتفي به الفتنة.

ولا بد أن نعلم أن بلادنا السعودية مستهدفة في دينها وأمنها وتماسكها مع قادتها، وقد حفظها الله تعالى من أعدائها فـ{كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله}. ومصير عقلاء قطر أن يعودوا بها إلى حضنها وعمقها الآمن (دول الخليج العربي)، بعد أن تنفي خبثها -بإذن الله-.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020