معلمات في خطر!!

بالكاد اقتنعت فوزية (المديرة المكلفة) بخروجهن المبكر؛ فطالبات المدرسة العشر لم يحضرن اليوم، والجو كان ماطرًا كفاية ليبعث القلق في نفوسهن، ومسافة الساعات الثلاث التي يقطعنها ليصلن للعاصمة قد تتمدد للضعف؛ ولا بد أن يقطعن طريقًا ترابيًّا لأكثر من نصف المسافة، ولا بد أنه موحل وغارق في مياه المطر..
 
تراكضن للسيارة (المعلمات الأربع وخامستهن فوزية)، وحشرن أجسادهن فيها في لحظات، وللتو دخل أبو محمد في نومته المعتادة، وقد كانت ثقيلة هذه المرة.. كان يسعل طوال الطريق، وجسمه به رعشة خفيفة، وأحلى أمانيه الآن أن يغرق في نومة هانئة، لكنه استيقظ في ارتياع، وأصوات كثيرة تعصف بتركيزه، أحدها يوقظه، وبعضها يسحب باب سيارته (الفان)، وطرقات عنيفة من حارس المدرسة الذي تبيَّنه أخيرًا مع خيوط المطر المنهمرة.. كان يحمل سلة القهوة والشاي التي نستها المعلمات لفرط شغفهن بالعودة.. التقطها أبو محمد وهو يعتدل في جلسته، ويسعل بشكل متواصل. دس السلة في فتحة الستارة بينه وبينهن، ثم أدار المحرك وقد عرف أن عليه العودة بهن الآن..
 
افترشن أرض السيارة كالعادة، التي حوَّلنها لغرفة جلوس صغيرة وأنيقة، رغم أن وحل أحذيتهن عبث بأناقتها كثيرًا. كن قد وضعن سجادًا أحمر سميكًا، و(مساند) على أطرافها رؤوس خشبية كالعاج، وعلقن ستائر سميكة، وأخرى دانتيل على نوافذها؛ حتى لا يمكن لأحد (إن وُجد أحد!) رؤيتهن وهن يكشفن وجوههن. لم يكنَّ بمزاج جيد للقهوة؛ فظُلمة السحاب وتزايد هطول المطر يبعثان على الخوف والقلق وفقدان الشهية، وسعال أبو محمد يزيد قلقهن، كما أن مسافة الساعات الثلاث حتى يدخلن الرياض يمكن أن تتضاعف (ويا رب سلِّم).
 
اختفى جَمال المطر هذه المرة، وتلاشت رائحته العذبة، وأصبح صوته كالمسمار يدق في قلوبهن المرتعشة. وحين صفرت الريح بدا الطريق وكأنه اختفى!! ومع اهتزاز السيارة وكأنها تنزلق انقبضت قلوبهن الضعيفة! ساد الصمت، وابتلعت كل واحدة مخاوفها، وكأنهن يوفّرن المزيد من التركيز للسائق المريض! استمرت السيارة تتراقص في خفة، والخوف الأكبر من السيول التي قد تفاجئهن أو تحجزهن. قضم الخوف قلوبهن، ولهجن بالتسبيح والحوقلة كثيرًا، وقد فات الوقت ليندبن مجيئهن العاثر هذا اليوم، وهن يتحسبن على عدم تعليق الدراسة لهذا اليوم، على الأقل للمدارس النائية؛ فالأكيد أن المدرسة كلها غائبة من تلقاء نفسها!
 
اشتعلت الأفكار السوداء في صمت، ودارت الذكريات الأليمة عن حوادث المعلمات التي راح ضحيتها زميلات لهن، وسؤال هلع يطغى على أي أمان يحاول أن يتسلل لهن: ماذا لو حدث مكروه الآن؟ من سيدري عنا؟ وهل الوظيفة تستحق كل هذا العناء والهلع الدائم؟
 
قطعت نورة صمتهن وهي تلوم فوزية على تأخُّرها في الإذن لهن! بكت فوزية وهي تستثقل المسؤولية التي ألقاها أحدهم عليها في هذه الصحراء الشاسعة، وبقي في كرسيه الوثير في مأمن من أي خطر، بل يحاسب على الغياب والتقصير، ويأمر عددًا من النساء مع شايب ضعيف أن يلقوا بأنفسهم في الخطر، ويكونوا شهداء العلم والعمل! 

19

26 مارس 2017 - 27 جمادى الآخر 1438 12:30 AM

معلمات في خطر!!

منيرة آل سليمان - الرياض
3 3,056

بالكاد اقتنعت فوزية (المديرة المكلفة) بخروجهن المبكر؛ فطالبات المدرسة العشر لم يحضرن اليوم، والجو كان ماطرًا كفاية ليبعث القلق في نفوسهن، ومسافة الساعات الثلاث التي يقطعنها ليصلن للعاصمة قد تتمدد للضعف؛ ولا بد أن يقطعن طريقًا ترابيًّا لأكثر من نصف المسافة، ولا بد أنه موحل وغارق في مياه المطر..
 
تراكضن للسيارة (المعلمات الأربع وخامستهن فوزية)، وحشرن أجسادهن فيها في لحظات، وللتو دخل أبو محمد في نومته المعتادة، وقد كانت ثقيلة هذه المرة.. كان يسعل طوال الطريق، وجسمه به رعشة خفيفة، وأحلى أمانيه الآن أن يغرق في نومة هانئة، لكنه استيقظ في ارتياع، وأصوات كثيرة تعصف بتركيزه، أحدها يوقظه، وبعضها يسحب باب سيارته (الفان)، وطرقات عنيفة من حارس المدرسة الذي تبيَّنه أخيرًا مع خيوط المطر المنهمرة.. كان يحمل سلة القهوة والشاي التي نستها المعلمات لفرط شغفهن بالعودة.. التقطها أبو محمد وهو يعتدل في جلسته، ويسعل بشكل متواصل. دس السلة في فتحة الستارة بينه وبينهن، ثم أدار المحرك وقد عرف أن عليه العودة بهن الآن..
 
افترشن أرض السيارة كالعادة، التي حوَّلنها لغرفة جلوس صغيرة وأنيقة، رغم أن وحل أحذيتهن عبث بأناقتها كثيرًا. كن قد وضعن سجادًا أحمر سميكًا، و(مساند) على أطرافها رؤوس خشبية كالعاج، وعلقن ستائر سميكة، وأخرى دانتيل على نوافذها؛ حتى لا يمكن لأحد (إن وُجد أحد!) رؤيتهن وهن يكشفن وجوههن. لم يكنَّ بمزاج جيد للقهوة؛ فظُلمة السحاب وتزايد هطول المطر يبعثان على الخوف والقلق وفقدان الشهية، وسعال أبو محمد يزيد قلقهن، كما أن مسافة الساعات الثلاث حتى يدخلن الرياض يمكن أن تتضاعف (ويا رب سلِّم).
 
اختفى جَمال المطر هذه المرة، وتلاشت رائحته العذبة، وأصبح صوته كالمسمار يدق في قلوبهن المرتعشة. وحين صفرت الريح بدا الطريق وكأنه اختفى!! ومع اهتزاز السيارة وكأنها تنزلق انقبضت قلوبهن الضعيفة! ساد الصمت، وابتلعت كل واحدة مخاوفها، وكأنهن يوفّرن المزيد من التركيز للسائق المريض! استمرت السيارة تتراقص في خفة، والخوف الأكبر من السيول التي قد تفاجئهن أو تحجزهن. قضم الخوف قلوبهن، ولهجن بالتسبيح والحوقلة كثيرًا، وقد فات الوقت ليندبن مجيئهن العاثر هذا اليوم، وهن يتحسبن على عدم تعليق الدراسة لهذا اليوم، على الأقل للمدارس النائية؛ فالأكيد أن المدرسة كلها غائبة من تلقاء نفسها!
 
اشتعلت الأفكار السوداء في صمت، ودارت الذكريات الأليمة عن حوادث المعلمات التي راح ضحيتها زميلات لهن، وسؤال هلع يطغى على أي أمان يحاول أن يتسلل لهن: ماذا لو حدث مكروه الآن؟ من سيدري عنا؟ وهل الوظيفة تستحق كل هذا العناء والهلع الدائم؟
 
قطعت نورة صمتهن وهي تلوم فوزية على تأخُّرها في الإذن لهن! بكت فوزية وهي تستثقل المسؤولية التي ألقاها أحدهم عليها في هذه الصحراء الشاسعة، وبقي في كرسيه الوثير في مأمن من أي خطر، بل يحاسب على الغياب والتقصير، ويأمر عددًا من النساء مع شايب ضعيف أن يلقوا بأنفسهم في الخطر، ويكونوا شهداء العلم والعمل! 

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2019