سفراؤنا سائحونا..

تقلع طائراتنا ممتلئة بالأُسر والأفراد قاصدين السياحة والنزهة، تحط طائراتهم في بلدان متفرقة من العالم، حيث يختلطون بشعوب أخرى، جاءت للسياحة، وشعوب البلدان المضيفة، وذلك في تواصل حضاري ثقافي تقليدي.

ذلك التمازج في الرغبة ينطلق من المشترك الإنساني الذي جاءت به الشرائع السماوية في فطرية الرغبة بالتواصل والتنزه والاستجمام والاستمتاع بالأجواء والهواء، الذي يقود إلى التثاقف بين البشر؛ إذ إن الأصل في العلاقات الإنسانية التفاعل لا التقاتل، والتعاون لا التصادم، والصداقة والسماحة والبر، لا العدوان والبغي والظلم.

وقد خلق الله تعالى الناس مختلفين؛ قال سبحانه {... وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ...}؛ فالاختلاف طبيعة بشرية ذات حِكمة إلهية، ومع هذا الاختلاف أشار الله في كتابه إلى دور القيم الأخلاقية في بناء المشتركات الإنسانية؛ إذ قال الله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ}.
فالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، وقول الكلمة الطيبة، وتزكية الأنفس.. هي جميعها مشتركات أخلاقية بين جميع أتباع الشرائع السماوية.

وقد نقل ابن عرفة المالكي تقرير الأصوليين بإجماع الملل على حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال.

يقول البعض: في السفر حرية القيود من كل شيء!!

وهذا غير صحيح؛ فقيمنا الإسلامية وعاداتنا الاجتماعية وأعرافنا الأسرية المغروسة في أرض الحرمين عنوان ممارساتنا في السلوك والآداب، وهي الثوب الذي نلبسه دائمًا، ونلبس أحسنه أمام الآخرين الأغراب؛ ليروا أفضل ما لدينا.. والدِّين هو أساس لا نسمح لأحد بزعزعته في قلوبنا، بل ندعو الآخرين له بما نسطره من سلوكياتنا؛ فنحن سفراء لديننا ولوطننا.

وليس عيبًا أن نسافر؛ إنما العيب أن نسافر ونحن مهزوزون من داخلنا، حين لا نمارس قيمنا وأخلاقنا وإظهار هويتنا أمام الشعوب الأخرى بسبب نظرة العيب والخجل!

وعندما نلتزم في السفر بالمنافسة الأخلاقية في القدوة والتطبيق العملي بالتأكيد نرسم صورة عن ديننا ووطننا، نطمح إليها.

وعند الأغراب خاصة لا نتحدث عما لا يعنينا، ولا ننظر إلا فيما نقصده، بعيدًا عن "البحلقة" في وجوه الآخرين وتحركاتهم، ولا ندخل في أحاديثنا معهم عن الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية؛ فالتباين في الأعراق والبيئات يصادم الحوار الثري المفيد.

في السفر يلتقي الفقير والغني، والعالم والجاهل، والمهذب والصفيق، ومن كل ضد.. هنا يتعين ويتأكد على صاحب الأخلاق والقيم القدوة والابتسامة الدالة على الخير والسلام، وستشعر حينئذ بأنك غالب لا مغلوب، ومعتز لا مهتز، ومنصور لا مهزوم.. وألا نذوب ونصهر؛ إنما نستفيد؛ لنبني ونعمر.

حفظ الله المسافرين، وردَّهم سالمين.

خالد الشبانة

9

19 يوليو 2017 - 25 شوّال 1438 09:06 PM

سفراؤنا سائحونا..

خالد الشبانة - الرياض
0 970

تقلع طائراتنا ممتلئة بالأُسر والأفراد قاصدين السياحة والنزهة، تحط طائراتهم في بلدان متفرقة من العالم، حيث يختلطون بشعوب أخرى، جاءت للسياحة، وشعوب البلدان المضيفة، وذلك في تواصل حضاري ثقافي تقليدي.

ذلك التمازج في الرغبة ينطلق من المشترك الإنساني الذي جاءت به الشرائع السماوية في فطرية الرغبة بالتواصل والتنزه والاستجمام والاستمتاع بالأجواء والهواء، الذي يقود إلى التثاقف بين البشر؛ إذ إن الأصل في العلاقات الإنسانية التفاعل لا التقاتل، والتعاون لا التصادم، والصداقة والسماحة والبر، لا العدوان والبغي والظلم.

وقد خلق الله تعالى الناس مختلفين؛ قال سبحانه {... وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ...}؛ فالاختلاف طبيعة بشرية ذات حِكمة إلهية، ومع هذا الاختلاف أشار الله في كتابه إلى دور القيم الأخلاقية في بناء المشتركات الإنسانية؛ إذ قال الله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ}.
فالإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين، وقول الكلمة الطيبة، وتزكية الأنفس.. هي جميعها مشتركات أخلاقية بين جميع أتباع الشرائع السماوية.

وقد نقل ابن عرفة المالكي تقرير الأصوليين بإجماع الملل على حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال.

يقول البعض: في السفر حرية القيود من كل شيء!!

وهذا غير صحيح؛ فقيمنا الإسلامية وعاداتنا الاجتماعية وأعرافنا الأسرية المغروسة في أرض الحرمين عنوان ممارساتنا في السلوك والآداب، وهي الثوب الذي نلبسه دائمًا، ونلبس أحسنه أمام الآخرين الأغراب؛ ليروا أفضل ما لدينا.. والدِّين هو أساس لا نسمح لأحد بزعزعته في قلوبنا، بل ندعو الآخرين له بما نسطره من سلوكياتنا؛ فنحن سفراء لديننا ولوطننا.

وليس عيبًا أن نسافر؛ إنما العيب أن نسافر ونحن مهزوزون من داخلنا، حين لا نمارس قيمنا وأخلاقنا وإظهار هويتنا أمام الشعوب الأخرى بسبب نظرة العيب والخجل!

وعندما نلتزم في السفر بالمنافسة الأخلاقية في القدوة والتطبيق العملي بالتأكيد نرسم صورة عن ديننا ووطننا، نطمح إليها.

وعند الأغراب خاصة لا نتحدث عما لا يعنينا، ولا ننظر إلا فيما نقصده، بعيدًا عن "البحلقة" في وجوه الآخرين وتحركاتهم، ولا ندخل في أحاديثنا معهم عن الخلافات السياسية والدينية والاجتماعية؛ فالتباين في الأعراق والبيئات يصادم الحوار الثري المفيد.

في السفر يلتقي الفقير والغني، والعالم والجاهل، والمهذب والصفيق، ومن كل ضد.. هنا يتعين ويتأكد على صاحب الأخلاق والقيم القدوة والابتسامة الدالة على الخير والسلام، وستشعر حينئذ بأنك غالب لا مغلوب، ومعتز لا مهتز، ومنصور لا مهزوم.. وألا نذوب ونصهر؛ إنما نستفيد؛ لنبني ونعمر.

حفظ الله المسافرين، وردَّهم سالمين.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2020