الأجهزة الرقابية في الدولة.. إشكالية تَدَاخل وغياب تكامل

تَبَايُن الحاجة إلى جهاز واحد يضم جميع جهات الرقابة وإشراك المواطن لتطويق الفساد

 من المعروف أن في المملكة العديد من أجهزة الرقابة على المال العام ومحاربة الفساد. وأبرز تلك الجهات "ديوان المراقبة العامة" و"هيئة مكافحة الفساد" و"هيئة الرقابة والتحقيق"، بالإضافة إلى: إدارات الرقابة في الأجهزة الحكومية، ووحدات المراجعة الداخلية في الجهات الخدمية، والمراقبين الماليين ممثلي وزارة المالية. 

 

هذه الجهات هناك الكثير يرى أن التداخل بينها موجود في المهام والصلاحيات ونحوها، بالإضافة للانتقادات المستمرة لهذه الجهات جميعاً أو فرادى في مكافحة الفساد الإداري والمالي في المملكة، وهو ما كان له تأثيره -على ما يبدو- في تصنيف المملكة في بعض المعايير الدولية التي تقيس ذلك. 

 

نفس السؤال وإجابات مختلفة 

قبل فترة، نقل تقرير صحافي، قيام اللجنة المكلفة في مجلس الشورى والمعنية بدراسة مشروع نظام حماية المال العام، بتوجيه أسئلة لديوان المراقبة العامة وهيئة مكافحة الفساد من حيث الاختصاص؛ حيث كانت النتيجة هي تداخل واضح.

 

الطريف أن كل جهة تم سؤالها في اجتماع منفصل، وهو ما أكد التداخل بين الجهتين؛ حيث أكد مسؤولو "نزاهة" أن الهيئة هي المسؤولة عن تطبيق نظام حماية المال العام على اعتبار أن تنظيمها ولوائحها تتضمن نصوصاً تتعلق بتلقي البلاغات عن حالات الاعتداء على المال العام.

هذا فيما كان رد ممثلو الديوان بأن دور "نزاهة" محصور في حالات الفساد المالي والإداري المتعلق بالمال العام، وأن ديوان المراقبة يرى أهمية وجود تنسيق وتعاون تكاملي متبادل بين الأجهزة الرقابية بعضها البعض، وبينها وبين الجهات المشمولة برقابتها؛ وذلك من أجل التعاون على حماية المال العام.

 

القصة لم تنتهِ؛ فالسؤال طُرَح على أحد ممثلي وزارة المالية؛ فكان رده أن الجهة التي تطبّق مشروع النظام هي هيئة التحقيق والادعاء العام إذا كانت هناك شبهة اعتداء على المال العام؛ وفقاً للمادة الـ14 من مشروع النظام، وإذا توصلت التحقيقات إلى القناعة بالاتهام في إحدى الجرائم المنصوص عليها في مشروع النظام؛ فتوجه التهمة إلى المشتبه به أمام المحكمة الجزائية المختصة التي تتولى النظر في الموضوع والحكم فيه.

 

مؤشر القانون الدولي 

في مطلع هذا العام الهجري، أشارت تقارير إلى أن ضعف أداء الأجهزة الرقابية كان من أهم أسباب عدم تحقيق المملكة لمركز متقدم في مؤشر سيادة القانون العالمي لعام 2016م؛ وفق ما أعلنته أخيراً مؤسسة "وورلد جستس بروجكت" للأبحاث من العاصمة الأمريكية واشنطن.

 

تعليقاً على ذلك يقول عضو هيئة التحقيق والادعاء العام سابقاً والمستشار القانوني الدكتور إبراهيم الأبادي للزميلة "عكاظ": إن غياب المملكة عن هذا المؤشر، ليس مستغرباً؛ لعدم وجود العوامل التي تعزز من قوة القانون؛ مؤكداً أن هذه الغياب يأتي لضعف عمل الأجهزة الرقابية وأدائها في كشف الخلل ومعالجته، إضافة إلى أن الكثير من القوانين إما معطلة أو غير مفعلة؛ في حين أن نسبة كبيرة من الأحكام الشرعية لا تنفذ في وقتها أو بصورتها الصحيحة".

 

تباين المهام واختلاف النتائج: 

يقول الكاتب عبدالرحمن آل الشيخ: "تباينت أدوار ومهام ومسؤوليات هذه الجهات كما تباينت نتائج عملها وفرض هيبتها على الواقع العملي. نجاح تلك الجهات يحتاج إلى صفحات وإلى مساحة أكبر؛ لكن يظل حكم المجتمع هو الفيصل في هذه الإجابة!!". 

 

مضيفاً: "المؤكد أن هناك تبايناً ملاحظاً وواضحاً بين أداء هذه الأجهزة الرقابية، وما بين أداء الكثير من الأجهزة الحكومية ومستوى الخدمات المقدمة؛ مما يؤكد أن هناك شيئاً من القصور في أداء بعض تلك الأجهزة الرقابية، وهذا القصور هو ما تؤكده مقاييس مستوى أداء الخدمات العامة.

 

التأكيدات السامية 

ما يعرفه الجميع أن قيادة المملكة وجّهت مع اعتماد ميزانية 2016 بالبدء في العمل على برنامج إصلاحات شاملة، تنطلق من رؤية وطنية طموحة. وقد شَمِلَ ذلك توجيهاً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بـ"أهمية الاستمرار في مراجعة أنظمة الأجهزة الرقابية؛ بما يكفل تعزيز اختصاصاتها والارتقاء بأدائها لمهامها ومسؤولياتها، وبما يحفظ المال العام ويضمن محاسبة المقصرين".

 

فهل وضع هذه الأجهزة يستوجب مراجعة التداخل والازدواجية مع ضعف مكافحة الفساد في البلد..؟

 

تدني محاصرة الفساد 

لا تزال الجهات والأجهزة الرقابية -في نظر المجتمع- غير قادرة على تطويق الفساد ومظاهره كما يجب؛ بل ذهب البعض إلى وصفها بالازدواجية والبيروقراطية والترهل؛ مما تسبب في غياب الرقابة الحكومية الفعلية في كثير من مؤسسات وأجهزة الدولة خاصة الخدمية منها؛ وهو سبب أن ينخر الفساد بقوة في شرايين الخدمات والمشاريع؛ بل بلغ بعضه أن يصل لقلب تلك الأجهزة نفسها. كما أن بعضها لا يحضر بالشكل المطلوب ويشكو من تجاهل ملاحظاته أيضاً.

 

عدم فهم 

وفي دراسة خاصة لمنتدى الرياض الاقتصادي طالَبَ الباحث د.أحمد الصقيه بمنح مجلس الشورى صلاحية التحقيق والمساءلة. وكذلك تفعيل أساليب الرقابة الإلكترونية على حساب الرقابة البشرية.

 

بعض الانتقادات تعزو الأمر أيضاً إلى أن عدم فهم بعض مسؤولي تلك الجهات لمهام جهته؛ جعل التداخل حقيقة مؤلمة؛ خصوصاً أن أنظمة بعض تلك الجهات مر عليه أكثر من 40 عاماً. وهو ما أكدته بعض أوراق عمل إحدى الندوات التي أشرف عليها معهد الإدارة العامة عن "واقع الفساد الإداري في المملكة" وحملت تأكيدات على تداخل اختصاصات الجهات الرقابية، وعدم وضوح بعض المهام الأخرى، وكذلك ضعف التنسيق والتعاون العام؛ مما انعكس على استشراء الفساد وضعف تطبيق الأنظمة.

 

الدعوة لجهار رقابي شامل 

وشملت الانتقادات -بدرجات مختلفة- جهات أخرى لديها مهام رقابية بأشكال متباينة؛ مثل: "الشورى"، و"المالية"، و"المباحث الإدارية"، و"حقوق الإنسان". ولا تخلو هي الأخرى من التداخل.

 

هذه الانتقادات المتراكمة هي على ما يبدو خلف الدعوة إلى دمج الأجهزة الرقابية في جهاز واحد يستطيع تخطي كل تلك السلبيات وتحقيق تصدٍّ حقيقي للفساد المستشري.

 

يقول د.عبدالرحمن الهيجان عضو مجلس الشورى: "دمج هذه الأجهزة الرقابية تَوَجُّه سليم؛ بحيث يكون هناك جهاز قوي ومتكامل الخبرات؛ بدلاً من أن تكون أجهزة مختلفة، كما أنه سيسهم في توحيد عملية الإجراءات".

 

ويضيف د.الهيجان: "أجهزة الرقابة تتداخل فيما بينها؛ فهيئة الرقابة تتابع شيئاً مراقباً عليه من هيئة مكافحة الفساد؛ فضلاً عن وجود جهات أخرى قد لا تكون رقابية؛ لكنها تؤدي عملية الرقابة".

 

الازدواجية سبّبت ضعف النتائج 

الكاتب سطام المقرن يختلف قليلاً حول تلك الرؤية؛ بأنه يرى أن المشكلة ليست في الحاجة لدمج تلك الأجهزة بقدر ما هو الحاجة للتكامل وتوضيح الاختصاصات؛ قائلاً في مقال له بصحيفة "الوطن": المشكلة هي في التداخل وضعف التنسيق والتعاون والتكامل ووضع الصلاحيات والاختصاصات".

 

مضيفاً: "تعدد أجهزة الرقابة لن يكون مظهراً من مظاهر التضخم البيروقراطي. لا توجد ازدواجية بين هذه الجهات من الناحية النظرية والتنظيمية.. أما بخصوص الازدواجية بينها؛ فقد نجد ذلك على أرض الواقع".

 

ويفسر "المقرن" ذلك بقوله: "سبب هذه الازدواجية يعود إلى أمرين؛ الأول: طبيعة العمل الرقابي نفسه، والثاني قد يكون في عدم وضوح الرؤية بالنسبة للجهات الرقابية وعدم التنسيق بينها؛ فتمارس المهام نفسها من قِبَل الجهات الرقابية، وهذا النوع من الازدواجية له أثر سلبي.. الأفضل من المطالبة بتوحيد الجهات الرقابية في جهاز واحد؛ هو النظر في أداء الجهات الرقابية نفسها، ومقارنتها بالمعايير الدولية والمهنية".

 

تحوّطات غير مبررة 

أما الكاتب أحمد الجميعة؛ فيرى أن ضعف الأنظمة ومستوى التنسيق بين الجهات الرقابية يمثلل خللاً كبيراً بين تلك الجهات وخاضع لصلاحيات وتحوطات غير مبررة.

 

مضيفاً: "على تلك الجهات سرعة تجاوز تلك المعضلات، وتمرير نظام إقرار الذمة المالية للمسؤولين، وأيضاً إعادة النظر كاملاً بما يتناسب ورؤية السعودية 2030".

 

وعلى ذِكر الرؤية الوطنية؛ فيمكن استعراض نموذج "نزاهة"، التي أكدت أنها ستسير على ثمان استراتيجيات؛ أبرزها "الشفافية وحماية المال العام والحوكمة"؛ لتكون من ضمن معايير قياس أداء الأجهزة الحكومية. كما أن "الهيئة سيكون لها دور إيجابي في الإسهام في جميع ما يدخل في اختصاصاتها، وأيضاً -وهو الأهم- أن ذلك "سيتم بالتعاون والتكامل مع الأجهزة الرقابية الأخرى المختصة"؛ وذلك بحسب تصريح رئيس الهيئة الدكتور خالد المحيسن.

 

الأجهزة الرقابية في إطار الرؤية الوطنية 

في المقابل هناك حراك قوي تقوده الرؤية السعودية 2030، وهناك أنظمة وحلول لمساعدة هذه الأجهزة الرقابية؛ مثل الموافقة على مركز قياس أداء الأجهزة الحكومية؛ مما سيساعد في رفع وتحسين العمل في أداء الأجهزة العامة؛ وذلك أمر في غاية الأهمية من أجل نجاح رؤية 2030م وتطويق الفساد.

 

كما أن التحفيز موجود وسبق الإعلان أكثر من مرة عن مكافآت من المقام السامي لعدد من موظفي ديوان المراقبة العامة بعد استرجاعهم مليارات الريالات من حالات فساد في جهات حكومية وخدمية.

 

أيضاً صورة الأجهزة الرقابية في إطار الرؤية الوطنية يتطلب منها الكثير لتتماهى مع مستقبل الوطن. هذه الأجهزة -دون انتقاص- تقوم بدور جيد ولكنه ليس المأمول في ظل هذا التفشي الكبير للفساد، وهي بحاجة للتكامل وعدم التداخل والازدواجية، وكذلك الحرص على تثقيف العديد من منسوبيها بدرجات مختلفة؛ بما يضمن عدم الظهور بمظهر يوحي بالازدواجية وإن حدث ذلك فعلاً. 

 

أمر أخير هو أن هذه الجهات الرقابية بحاجة لتعاون المواطن كشريك أساسي في فضح الفساد؛ ولكن على هذه الجهات ربما تطوير آليات تدعم ذلك، وتُعزز دور المواطن بما يُحكم الطوق على كل أسباب الفساد ومظاهره.

147

22 نوفمبر 2016 - 22 صفر 1438 10:57 AM

تَبَايُن الحاجة إلى جهاز واحد يضم جميع جهات الرقابة وإشراك المواطن لتطويق الفساد

الأجهزة الرقابية في الدولة.. إشكالية تَدَاخل وغياب تكامل

22 22,041

 من المعروف أن في المملكة العديد من أجهزة الرقابة على المال العام ومحاربة الفساد. وأبرز تلك الجهات "ديوان المراقبة العامة" و"هيئة مكافحة الفساد" و"هيئة الرقابة والتحقيق"، بالإضافة إلى: إدارات الرقابة في الأجهزة الحكومية، ووحدات المراجعة الداخلية في الجهات الخدمية، والمراقبين الماليين ممثلي وزارة المالية. 

 

هذه الجهات هناك الكثير يرى أن التداخل بينها موجود في المهام والصلاحيات ونحوها، بالإضافة للانتقادات المستمرة لهذه الجهات جميعاً أو فرادى في مكافحة الفساد الإداري والمالي في المملكة، وهو ما كان له تأثيره -على ما يبدو- في تصنيف المملكة في بعض المعايير الدولية التي تقيس ذلك. 

 

نفس السؤال وإجابات مختلفة 

قبل فترة، نقل تقرير صحافي، قيام اللجنة المكلفة في مجلس الشورى والمعنية بدراسة مشروع نظام حماية المال العام، بتوجيه أسئلة لديوان المراقبة العامة وهيئة مكافحة الفساد من حيث الاختصاص؛ حيث كانت النتيجة هي تداخل واضح.

 

الطريف أن كل جهة تم سؤالها في اجتماع منفصل، وهو ما أكد التداخل بين الجهتين؛ حيث أكد مسؤولو "نزاهة" أن الهيئة هي المسؤولة عن تطبيق نظام حماية المال العام على اعتبار أن تنظيمها ولوائحها تتضمن نصوصاً تتعلق بتلقي البلاغات عن حالات الاعتداء على المال العام.

هذا فيما كان رد ممثلو الديوان بأن دور "نزاهة" محصور في حالات الفساد المالي والإداري المتعلق بالمال العام، وأن ديوان المراقبة يرى أهمية وجود تنسيق وتعاون تكاملي متبادل بين الأجهزة الرقابية بعضها البعض، وبينها وبين الجهات المشمولة برقابتها؛ وذلك من أجل التعاون على حماية المال العام.

 

القصة لم تنتهِ؛ فالسؤال طُرَح على أحد ممثلي وزارة المالية؛ فكان رده أن الجهة التي تطبّق مشروع النظام هي هيئة التحقيق والادعاء العام إذا كانت هناك شبهة اعتداء على المال العام؛ وفقاً للمادة الـ14 من مشروع النظام، وإذا توصلت التحقيقات إلى القناعة بالاتهام في إحدى الجرائم المنصوص عليها في مشروع النظام؛ فتوجه التهمة إلى المشتبه به أمام المحكمة الجزائية المختصة التي تتولى النظر في الموضوع والحكم فيه.

 

مؤشر القانون الدولي 

في مطلع هذا العام الهجري، أشارت تقارير إلى أن ضعف أداء الأجهزة الرقابية كان من أهم أسباب عدم تحقيق المملكة لمركز متقدم في مؤشر سيادة القانون العالمي لعام 2016م؛ وفق ما أعلنته أخيراً مؤسسة "وورلد جستس بروجكت" للأبحاث من العاصمة الأمريكية واشنطن.

 

تعليقاً على ذلك يقول عضو هيئة التحقيق والادعاء العام سابقاً والمستشار القانوني الدكتور إبراهيم الأبادي للزميلة "عكاظ": إن غياب المملكة عن هذا المؤشر، ليس مستغرباً؛ لعدم وجود العوامل التي تعزز من قوة القانون؛ مؤكداً أن هذه الغياب يأتي لضعف عمل الأجهزة الرقابية وأدائها في كشف الخلل ومعالجته، إضافة إلى أن الكثير من القوانين إما معطلة أو غير مفعلة؛ في حين أن نسبة كبيرة من الأحكام الشرعية لا تنفذ في وقتها أو بصورتها الصحيحة".

 

تباين المهام واختلاف النتائج: 

يقول الكاتب عبدالرحمن آل الشيخ: "تباينت أدوار ومهام ومسؤوليات هذه الجهات كما تباينت نتائج عملها وفرض هيبتها على الواقع العملي. نجاح تلك الجهات يحتاج إلى صفحات وإلى مساحة أكبر؛ لكن يظل حكم المجتمع هو الفيصل في هذه الإجابة!!". 

 

مضيفاً: "المؤكد أن هناك تبايناً ملاحظاً وواضحاً بين أداء هذه الأجهزة الرقابية، وما بين أداء الكثير من الأجهزة الحكومية ومستوى الخدمات المقدمة؛ مما يؤكد أن هناك شيئاً من القصور في أداء بعض تلك الأجهزة الرقابية، وهذا القصور هو ما تؤكده مقاييس مستوى أداء الخدمات العامة.

 

التأكيدات السامية 

ما يعرفه الجميع أن قيادة المملكة وجّهت مع اعتماد ميزانية 2016 بالبدء في العمل على برنامج إصلاحات شاملة، تنطلق من رؤية وطنية طموحة. وقد شَمِلَ ذلك توجيهاً لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- بـ"أهمية الاستمرار في مراجعة أنظمة الأجهزة الرقابية؛ بما يكفل تعزيز اختصاصاتها والارتقاء بأدائها لمهامها ومسؤولياتها، وبما يحفظ المال العام ويضمن محاسبة المقصرين".

 

فهل وضع هذه الأجهزة يستوجب مراجعة التداخل والازدواجية مع ضعف مكافحة الفساد في البلد..؟

 

تدني محاصرة الفساد 

لا تزال الجهات والأجهزة الرقابية -في نظر المجتمع- غير قادرة على تطويق الفساد ومظاهره كما يجب؛ بل ذهب البعض إلى وصفها بالازدواجية والبيروقراطية والترهل؛ مما تسبب في غياب الرقابة الحكومية الفعلية في كثير من مؤسسات وأجهزة الدولة خاصة الخدمية منها؛ وهو سبب أن ينخر الفساد بقوة في شرايين الخدمات والمشاريع؛ بل بلغ بعضه أن يصل لقلب تلك الأجهزة نفسها. كما أن بعضها لا يحضر بالشكل المطلوب ويشكو من تجاهل ملاحظاته أيضاً.

 

عدم فهم 

وفي دراسة خاصة لمنتدى الرياض الاقتصادي طالَبَ الباحث د.أحمد الصقيه بمنح مجلس الشورى صلاحية التحقيق والمساءلة. وكذلك تفعيل أساليب الرقابة الإلكترونية على حساب الرقابة البشرية.

 

بعض الانتقادات تعزو الأمر أيضاً إلى أن عدم فهم بعض مسؤولي تلك الجهات لمهام جهته؛ جعل التداخل حقيقة مؤلمة؛ خصوصاً أن أنظمة بعض تلك الجهات مر عليه أكثر من 40 عاماً. وهو ما أكدته بعض أوراق عمل إحدى الندوات التي أشرف عليها معهد الإدارة العامة عن "واقع الفساد الإداري في المملكة" وحملت تأكيدات على تداخل اختصاصات الجهات الرقابية، وعدم وضوح بعض المهام الأخرى، وكذلك ضعف التنسيق والتعاون العام؛ مما انعكس على استشراء الفساد وضعف تطبيق الأنظمة.

 

الدعوة لجهار رقابي شامل 

وشملت الانتقادات -بدرجات مختلفة- جهات أخرى لديها مهام رقابية بأشكال متباينة؛ مثل: "الشورى"، و"المالية"، و"المباحث الإدارية"، و"حقوق الإنسان". ولا تخلو هي الأخرى من التداخل.

 

هذه الانتقادات المتراكمة هي على ما يبدو خلف الدعوة إلى دمج الأجهزة الرقابية في جهاز واحد يستطيع تخطي كل تلك السلبيات وتحقيق تصدٍّ حقيقي للفساد المستشري.

 

يقول د.عبدالرحمن الهيجان عضو مجلس الشورى: "دمج هذه الأجهزة الرقابية تَوَجُّه سليم؛ بحيث يكون هناك جهاز قوي ومتكامل الخبرات؛ بدلاً من أن تكون أجهزة مختلفة، كما أنه سيسهم في توحيد عملية الإجراءات".

 

ويضيف د.الهيجان: "أجهزة الرقابة تتداخل فيما بينها؛ فهيئة الرقابة تتابع شيئاً مراقباً عليه من هيئة مكافحة الفساد؛ فضلاً عن وجود جهات أخرى قد لا تكون رقابية؛ لكنها تؤدي عملية الرقابة".

 

الازدواجية سبّبت ضعف النتائج 

الكاتب سطام المقرن يختلف قليلاً حول تلك الرؤية؛ بأنه يرى أن المشكلة ليست في الحاجة لدمج تلك الأجهزة بقدر ما هو الحاجة للتكامل وتوضيح الاختصاصات؛ قائلاً في مقال له بصحيفة "الوطن": المشكلة هي في التداخل وضعف التنسيق والتعاون والتكامل ووضع الصلاحيات والاختصاصات".

 

مضيفاً: "تعدد أجهزة الرقابة لن يكون مظهراً من مظاهر التضخم البيروقراطي. لا توجد ازدواجية بين هذه الجهات من الناحية النظرية والتنظيمية.. أما بخصوص الازدواجية بينها؛ فقد نجد ذلك على أرض الواقع".

 

ويفسر "المقرن" ذلك بقوله: "سبب هذه الازدواجية يعود إلى أمرين؛ الأول: طبيعة العمل الرقابي نفسه، والثاني قد يكون في عدم وضوح الرؤية بالنسبة للجهات الرقابية وعدم التنسيق بينها؛ فتمارس المهام نفسها من قِبَل الجهات الرقابية، وهذا النوع من الازدواجية له أثر سلبي.. الأفضل من المطالبة بتوحيد الجهات الرقابية في جهاز واحد؛ هو النظر في أداء الجهات الرقابية نفسها، ومقارنتها بالمعايير الدولية والمهنية".

 

تحوّطات غير مبررة 

أما الكاتب أحمد الجميعة؛ فيرى أن ضعف الأنظمة ومستوى التنسيق بين الجهات الرقابية يمثلل خللاً كبيراً بين تلك الجهات وخاضع لصلاحيات وتحوطات غير مبررة.

 

مضيفاً: "على تلك الجهات سرعة تجاوز تلك المعضلات، وتمرير نظام إقرار الذمة المالية للمسؤولين، وأيضاً إعادة النظر كاملاً بما يتناسب ورؤية السعودية 2030".

 

وعلى ذِكر الرؤية الوطنية؛ فيمكن استعراض نموذج "نزاهة"، التي أكدت أنها ستسير على ثمان استراتيجيات؛ أبرزها "الشفافية وحماية المال العام والحوكمة"؛ لتكون من ضمن معايير قياس أداء الأجهزة الحكومية. كما أن "الهيئة سيكون لها دور إيجابي في الإسهام في جميع ما يدخل في اختصاصاتها، وأيضاً -وهو الأهم- أن ذلك "سيتم بالتعاون والتكامل مع الأجهزة الرقابية الأخرى المختصة"؛ وذلك بحسب تصريح رئيس الهيئة الدكتور خالد المحيسن.

 

الأجهزة الرقابية في إطار الرؤية الوطنية 

في المقابل هناك حراك قوي تقوده الرؤية السعودية 2030، وهناك أنظمة وحلول لمساعدة هذه الأجهزة الرقابية؛ مثل الموافقة على مركز قياس أداء الأجهزة الحكومية؛ مما سيساعد في رفع وتحسين العمل في أداء الأجهزة العامة؛ وذلك أمر في غاية الأهمية من أجل نجاح رؤية 2030م وتطويق الفساد.

 

كما أن التحفيز موجود وسبق الإعلان أكثر من مرة عن مكافآت من المقام السامي لعدد من موظفي ديوان المراقبة العامة بعد استرجاعهم مليارات الريالات من حالات فساد في جهات حكومية وخدمية.

 

أيضاً صورة الأجهزة الرقابية في إطار الرؤية الوطنية يتطلب منها الكثير لتتماهى مع مستقبل الوطن. هذه الأجهزة -دون انتقاص- تقوم بدور جيد ولكنه ليس المأمول في ظل هذا التفشي الكبير للفساد، وهي بحاجة للتكامل وعدم التداخل والازدواجية، وكذلك الحرص على تثقيف العديد من منسوبيها بدرجات مختلفة؛ بما يضمن عدم الظهور بمظهر يوحي بالازدواجية وإن حدث ذلك فعلاً. 

 

أمر أخير هو أن هذه الجهات الرقابية بحاجة لتعاون المواطن كشريك أساسي في فضح الفساد؛ ولكن على هذه الجهات ربما تطوير آليات تدعم ذلك، وتُعزز دور المواطن بما يُحكم الطوق على كل أسباب الفساد ومظاهره.

الرابط المختصر

الكلمات المفتاحية

© جميع الحقوق محفوظة لصحيفة سبق 2018